الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 41، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
تؤدي المعاصي إلى صدأ القلب وضعف الجوارح، فيخون العبد في أحوج الأوقات إليهما. بذلك يعجز عن دفع الشر وتحقيق النفع في دنياه وأخراه.
تقوية النفس الأمارة تضعف النفس المطمئنة، مما يخذل القلب واللسان عند الشدائد والموت. فيعجز العبد عن النطق بالشهادة ويموت على سوء الخاتمة بسبب إهمال ذكر الله.
ما في القلب يظهر عند زوال العقل أو الموت، فينطق المرء بما تعلقت به نفسه من محرمات. قصة "حمام من جاب" تحذر من مصارع العشاق التي تنسِي ذكر الله في اللحظات الحرجة.
يدعو المتكلم الله أن يحفظ القلوب والألسنة والجوارح من الفتن الظاهرة والباطنة. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه المجالس التي نتذاكر فيها رسالةً عظيمة ومؤلفًا نافعًا للإمام شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي المشهور بابن القيم الجوزية. وهذا الكتاب وهذه الرسالة تعتبر من أنفع كتبه ورسائله رحمه الله تعالى. فما هي هذه الرسالة عندك يا محمد؟ ما اسم الكتاب؟ ارفع صوتك. «الداء والدواء»، وله اسم آخر فما هو؟ أحسنت: «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». وهو يا إخوان اسم ينطبق على مسمى، ينطبق على مسمى. فكم كنا نسمع عن هذا الكتاب، لكن ليس الخبر كالمعاينة. ليس الخبر كالمعاينة. يا ابن الكرام، ألا تذنوا فتبصر ما قد حدثوك، فما راء كمن سمع، فما راء كمن سمع. وكم نسمع العلماء ونقرأ في كتبهم الإشادة بكتب الإمام ابن القيم والنصيحة بالاعتناء بها، فإذا قرأت شيئًا من كتبه وجدت مادة علمية، وهكذا وجدت عبارات وكلمات تخاطب القلوب، تخاطب القلوب فتؤثر فيها أيما تأثير، أيما تأثير. ولا نزال كذلك مع عقوبات تترتب على الوقوع في الذنوب والمعاصي. وأطال لكنه أجاد وأفاد في ذلك، فذكر وجمع ما تفرق في كلام غيره، وذكر أشياء كثيرة ودقيقة. وآخر ما تكلمنا عنه فصل يتعلق بأن من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تجر على العبد من لم يكن يجترئ عليه، من لم يكن أي قبل ذلك يجترئ عليه من أصناف المخلوقات. وذكر تجرؤ شياطين الإنس وشياطين الجن عليه بالأذى والإغواء والوسوسة وغيرها. وهكذا ذكر تجرؤ الأهل والخدم والأولاد والجيران. قال: حتى الحيوان البهيم، حتى الحيوان البهيم قد يتجرأ على أرباب الذنوب وأصحاب المعاصي. قال رحمه الله تعالى: «فصل: المعاصي تخون العبد». قال رحمه الله تعالى: «فصل: ومن عقوباتها أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسها، أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه». قال: «فإن كل أحد محتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، في معاشه ومعاده». طيب، ما هو الفرق يا أبا ناظم بين المعاش والمعاد؟ قال: «في معاشه ومعاده». وهذا يا إخوان يعني دررًا مفيدة وكلمات عظيمة استفتح بها هذا الفصل. يقول: «ومن عقوباتها أنها تخون العبد أحوج» أي وهو أحوج ما يكون إلى نفسه. قال: «فإن كل أحد محتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده». معاشه يعني حياته التي يعيشها في الدنيا، ومعاده أي الآخرة، أي معاده في الآخرة. قال: «وأعلم»، قال: «وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل، على التفصيل». قال: «وأقواهم وأكيسهم من قوي على نفسه وإرادته، من قوي على نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه وكفها عما يضره». وصدق ربنا إذ يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي ذلك تفاوتت معارف الناس وهممهم ومنازلهم». قال: «فأعرفهم من كان عارفًا بأسباب السعادة والشقاوة، ويتعرف على أسباب السعادة لكي يعمل بها فيكون سعيدًا، وأسباب الشقاوة لكي يجتنبها فلا يكون شقيًا. أعرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه». قال: «وأرشدهم من آثر هذه على هذه». قال: «وأرشدهم من آثر»، ما معنى «آثر» يا أبا خالد؟ آثر، ما معنى آثر؟ ما معنى آثر؟ قال: «وآثر من آثر هذه على هذه، آثر». فأما من طغى وآثر وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى. «آثر الدنيا على الآخرة» يعني ماذا؟ يعني قدم، قدم هذه على هذه، وهذه يعني الدنيا على هذه أي الآخرة. قال: «كما ماذا؟ قال: وأرشدهم من آثر هذه» أي الآخرة «على هذه» أي الدنيا. قال: «كما أن أسفههم من عكس الأمر». قال: «والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع». قال: «فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين». قال: «فإذا وقع في مكروه واحتاج إلى التخلص منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه، وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الجرب، وكان بمنزلة رجل بيده أو معه سيف قد غشيه الجرب». ومعنى الجرب: أي الصدى. سيف لكن قد غشيه الصدى. قال: «ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه»، أي بقي في الجراب في غمده مدة طويلة جدًا حتى أنه يصعب على صاحبه أن يستخرجه. قال: «فعرض له عدو، عرض له عدو يريد قتله». قال: «فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه، فلم يخرج معه». قال: «فدهمه العدو وظفر به». انظر كم كان يؤمل في هذا السيف أنه سينفعه وأنه سيكون سببًا في خلاصه من أي عدو يداهمه، فلما داهمه العدو وضع يده على السيف وإذا به ماذا؟ لا يستطيع أن يخرجه. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك العبد مع نفسه ومع قلبه وجوارحه، فإنه يخذله سبب هذه الذنوب والمعاصي». قال: «وكذلك القلب يصدأ بالذنوب ويجرب»، أي يصدأ ويجرب، أي يصدأ. قال: «ويصير مثخنًا بالمرض، فإذا احتاج العبد إلى محاربة العدو به لم يجد معه منه شيئًا». قال: «والعبد إنما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه، والجوارح تبع للقلب وهو مالكها، وهو مالكها». قال: «فإذا لم يكن عند مالكها قوة يدفع بها فما الظن بها؟». وقوة القلوب يا إخوان هي السبب في قوة ماذا؟ الجسد، في قوة الجسد. أرأيتم إنسانًا مفتول العضلات قوية البنية لكنه ضعيف القلب، لكنه ضعيف القلب؟ هذا لا يستطيع لربما أن يدفع عن نفسه بسبب ضعف قلبه. وهذا كحال الكثير من الأرقاء، رقيق، عبد مملوك، ضخم البنية، فيأتي فيأتي سيده ويضربه، ولربما يفعل به غير ذلك، فقلبه ضعيف، قلبه ضعيف. والعكس بالعكس، فقد يكون الشخص نحيل البدن صغير الأعضاء لكنه يحمل قلبًا قويًا، فتجده فارسًا وبطلًا مغوارًا يصول ويجول في ساحات الوغى وميادين القتال، ميادين القتال. قال رحمه الله تعالى: «وعلى هذا فالقلب ملك وبقية الأعضاء جنود وتبع له». والنبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا قريبًا في حديث النعمان بن بشير في آخر الحديث قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وفي حديث أبي هريرة قال: «والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه أو يكذبه». لهذا يا إخوان كانت العناية بالقلوب ماذا؟ من الأمور المهمة جدًا. قال: «قال رحمه الله تعالى». قال: «وكذلك النفس فإنها تتخنث بالشهوات والمعاصي وتضعف»، أعني النفس المطمئنة، وإن كانت الأمارة تقوى وتتأسد. قال: «وكلما قويت هذه ضعفت تلك، ضعفت تلك». إذن إذا قويت النفس المطمئنة ضعفت النفس الأمارة، وإذا قويت النفس الأمارة فإن ذلك يعتبر سببًا لضعف النفس المطمئنة. قال: «وكلما قويت هذه ضعفت تلك». قال: «فيبقى الحكم والتصرف للأمارة، وربما ماتت نفسه المطمئنة موتًا لا يرجى معه حياة». قال: «فيصير العبد بذلك ميتًا في الدنيا، ميتًا في البرزخ، غير حي في الآخرة حياة ينتفع بها». قال: «بل تصير حياته حياة يدرك بها الألم فقط». قال: «والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية أو فاقة خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله والإنابة والإنابة إليه والجمعية عليه والتضرع إليه والتذلل والإنكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه». قال: «فينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر الذكر، بحيث يؤثر الذكر، ولا ينحبس القلب واللسان على المذكور، بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب لاه ساه غافل». وهذا مر معنا في أوائل الكتاب وأوائل العلاجات، وهو الدعاء، أن الدعاء، وهكذا الذكر يحتاج مع اللسان إلى حضور الجنان، إلى حضور القلب، إلى حضور القلب، وأن الله لا يقبل دعاء قلب عبد غافل لاهن، غافل لاهن. والذكر والدعاء الذي يؤثر هو الذي يكون ماذا؟ يكون معه استحضار القلب وتدبر وتمعن وتفكر في معاني هذه الأدعية والآثار، الأدعية والآثار. ولهذا اهتم العلماء ببيان ذلك، يعني على سبيل المثال إذا سبح قال: سبحان الله. طيب، ما معنى قولك سبحان الله؟ كم من الناس من يكثر من التسبيح: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ولا يدري ما معنى التسبيح؟ فمعرفته لمعنى التسبيح هذا أدعى إلى أن يتأثر بهذا الذكر، أن يتأثر بهذا الذكر. فما معنى التسبيح؟ ما معنى التسبيح؟ نعم يا أبا عبد الرحمن: التنزيح. لما تقول سبحان الله يعني أنزه الله، فأنفي عنه كل نقص وعيب. ولهذا لما دعا المشركون أن مع الله إلهًا آخر أو أن له صاحبة أو أن له ولدًا أو غير ذلك، تجد هذه يعقبها التسبيح والتنزيح لله عز وجل. وهكذا قل في التكبير وفي الحوقلة. ما معنى الحوقلة يا أبا إبراهيم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. وهكذا غيرها من الأذكار، فيحتاج ولا سيّما طالب العلم أن يتعرف على ما تضمنته من معاني جليلة وعظيمة. قال رحمه الله تعالى: «قال: ولو أراد من جوارحه أن تعينه أو أن تعينه بطاعة تدفع عنه العدو لم تنقد له ولم تطاوعه، ولم تطاوعه». قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا كله من أثر الذنوب والمعاصي، كمن له جند يدفعون عنه الأعداء فأهمل جنده وضيعهم وأضعفهم وقطع أخبارهم، عندي أخبارهم، وفي بعض النسخ: وقطع أخبازهم، وقطع أخبازهم، ولعلها هي الصواب، لعل الصواب: وقطع أخبازهم، والمراد بقطع الأخباز أي قطع المرتبات، المرتبات التي تعطى لموظفي الدولة، وهذا اصطلاح شائع في ذلكم الزمان، في ذلكم الزمان. العسكر إذا لم يعطوا المرتبات التي يستحقونها: أول شهر سيصبر، ثاني شهر سآسى يغتاب ويضيق ذرعًا، ثالث شهر قد يترك مكان عمله، بل بعضهم قد تضعف نفسه فينتقل إلى العدو إذا أعطاه العدو مرتبات ومبالغ مالية. فماذا؟ هذا الذي له جند وهؤلاء الجنود يدافعون عنهم، يهمل هؤلاء الجنود ويضيعهم، وماذا؟ ويقطع عنهم مرتباتهم إلى غير ذلك». قال: «فدهمه العدو، فأراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة، فأسلموه أحوج ما هو إليهم، أحوج ما هو إليهم». قال رحمه الله تعالى: «ولهذا تجد الملك أو السلطان أو الأمير أو غيرهم من المسؤولين يحاول أن يغدق على من حوله من الحراس بالعطايا، بالعطايا، يعطيهم مرتبات عالية، وهكذا ماذا؟ حوافز مغرية، لماذا؟ لكي لا يخذلوه في وقت هو أحوج ما يكون إليهم، أحوج ما يكون إليهم». قال: «وثم أمر آخر، وثم أمر آخر». ما معنى «ثم»؟ وثم أمر آخر يا عبد الرحمن، ما معنى «ثم»؟ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا﴾، هناك. نعم، «ثم» أي هناك أمر آخر. قال: «أخوف من ذلك وأدهى منه وأمر». وهذه المقدمات يا إخوان تدل على خطورة ما سيذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، يريد أن تحضر الأذهان لكي تستوعب خطورة هذا الأمر، خطورة هذا الأمر. قال: «وثم أمر آخر أخوف من ذلك وأدهى منه وأمر». قال: «وهو أنه يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، عند الاحتضار أي عند الموت». وهذه يا إخوان ساعة حرجة جدًا، لعله لم يمر بالإنسان ساعة أحرج ولا أصعب منها، أحرج ولا أصعب منها. وفي ذلك الموضع الكل أحوج ما يكون إلى إلى أن يثبته الله عز وجل، إلى أن يثبته الله عز وجل. قال: «وهو أنه يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار». قلنا: أي عند الموت والانتقال إلى الله تعالى. قال: «قال: فربما تعذر عليه أن ينطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثيرًا من المحتضرين أصابهم ذلك، فماتوا على سوء الخاتمة، ولم يمكنهم، ولم يمكنهم أن ينطقوا بالشهادة». كما قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فقال: آه، آه، لا أستطيع أن أقولها، لا أستطيع أن أقولها. طيب، ما الذي منعه من أن يقولها؟ هي الذنوب، ولا سيما يا إخوان ذنوب الخلوات، هنا تخذل صاحبها كثيرًا. قال: «ومات ولم يقلها، قيدت قلبه ولسانه الذنوب، قيدت قلبه ولسانه الذنوب». وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله، فقال: مات شاه، مات شاه. والشاه في لغة الفرس: الملك، في لغة الفرس: الملك. وهذه تستخدم كثيرًا في بعض الألعاب، ولا سيما لعبة الشطرنج، لعبة الشطرنج، فيتعاملون بالملك والوزير والقلعة وصاروخ خيل إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. قال: «فقال: مات شاه، رخ». وقوله «رخ» يعني قطعة من قطع ألعاب الشطرنج، يعني معنى ذلك كان منشغلًا وكان مدمِنًا ومستغرقًا أوقاته مع هذه اللعبة. ولعب الشطرنج لا يجوز يا إخوان، أفتَى علماء بتحريمه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من لعب بالنرد» في بعضها «بالنردشير» فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه، في لحم خنزير ودمه. وفسر بعضهم النرد أو النردشير بأنها تشبه الشطرنج. قال: «غلبتك، ثم قضى»، أي ثم مات، ثم مات. وهذا يا إخوان بسبب التعلق الزائد بهذه الأمور. ولا تذهبوا بعيدًا، الذي تجرى له عملية جراحية فيحتاج إلى أن يُخدَّر، يعني يستخدم معه البنج. طيب، قبل أن يفيق من البنج لا زال تحت تأثير المخدر، هنا يا إخوان يظهر ما تعلقت به القلوب. فبعضهم يغني، هو على إثر التخدير يغني. البعض وسمعت ذلك لمن يحب الكرة فيقول ونحن بجانبه يقول: شت الكرة، هات الكرة، وكلها ماذا؟ لما أخرج من غرفة العمليات كلها ألفاظ كروية، كأنه يلعب كرة في ملعب. البعض وهكذا شاهدنا من طلاب العلم أخرج من غرفة العمليات وهو يلقي كلمة ويخطب خطبة: «إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره»، ويرفع صوته بذلك وهو تحت وطأة وتأثير المخدر. فماذا يا إخوان؟ فكل إناء بما فيه ينضح، بما فيه ينضح. وماذا في ساعة الموت؟ يحتاج العبد إلى طاعات وإلى أعمال صالحات في ذلك اليوم تكون سببًا لثباته. وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فقال: يا رب قائلة يومًا وقد تعبت، كيف الطريق إلى حمامي من جابي؟ قال: «ثم قضى»، أي ثم مات. وماذا؟ وماذا؟ هذه قصة، قصة حمام من جاب، ذكرها العلماء في كتبهم، ومنهم البيهقي رحمه الله تعالى في كتابه «شعب الإيمان» عن الربيع بن مرة، قال: وكان عابدًا بالبصرة. أين تقع البصرة؟ أين تقع البصرة يا أخانا العبيد؟ في العراق. أحسنت. قال: «أدركت الناس الشامي». وقيل لرجل: يا فلان قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله، قال: اشرب واسقني، اشرب، ماذا يا بجعفر؟ اشرب واسقني، أي خمرًا، أي خمرًا. وقيل بالأهواز: يا فلان قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: ده يا زاد، ده دهد، دهد ازده. هذا قد تكون أغنية لأولئك العجم، لأولئك العجم جهة الأهواز ونحوها. وقيل لرجل هاهنا بالبصرة: يا فلان قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: يا رب قائلة يومًا وقد تعبت، كيف الطريق إلى حمامي من جابي؟ قال أبو بكر، يعني البيهقي: هذا رجل استدلته امرأة إلى الحمام، استدلته أي طلبت ماذا منه؟ أن يدلها على طريق الحمام، ويعنون بالحمام الحمام البخاري، البخار، استخدم في البلدان الباردة، في البلدان الباردة. قال: فدلها إلى منزله، أين الحمام؟ قال: هنا، وأشار إلى، أشار إلى بيته، أشار إلى منزله. فقال عند الموت هذا ماذا؟ هذا البيت، وهي قصة وهو كذلكم أيضًا، يعني حمام من جاب هذا اسم حمام تاريخي، يعني يذكر في القصص والأمثال، ولا يوجد في الواقع، ليس هناك معلومات تدل على أن له موقعًا أو مكانًا محددًا أو مكانًا محددًا، فأصبح يستخدم علمًا كرمز أو إشارة إلى مكان ما، إلى مكان ما. والقصة يا إخوان من أجل العبرة، فهم يذكرون أن رجلًا كان واقفًا عند باب داره، وكان بابه يشبه أبواب الحمامات، الحمامات، ماذا؟ كان يشبه باب حمام مجاور له. فمرت به جارية، أي امرأة لها منظر فيها جمال، وهي تقول: أين الطريق إلى حمام من جاب؟ فقال لها: هذا حمام من جاب، وأشار إلى داره. فلما دخلت الدار دخل وراءها، دخل وراءها. فلما رأت نفسها معه في داره وليس هناك حمام، أين الحمام؟ ما في حمام في البيت، فعلمت أنه خدعها، فعلمت أنه لا نجاة لها منه إلا أن تستخدم معه حيلة وخديعة، فأظهرت له البشر، أنها يعني مستبشرة بجلوسها معه وأنها مستعدة لأن تعطيه ما يريد في تلك الخلوة وفي هذه الدار. فقالت له كلمة، قالت له: يصلح أن يكون عندنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا من طعام وشراب، يعني السهرة والجلسة لن تحلو وتطيب إلا إذا هناك في طعام، ممكن في لحم، في دجاج، ممكن تأتي بعصيرات، تأتي بأشياء. ففرح الرجل، وماذا قال لهذه المرأة؟ الساعة آتيك بكل ما تريدين وبكل ما تشتهين، وخرج من شدة الفرحة وتركها في الدار لوحدها. ماذا فعلت المرأة؟ وجدتها فرصة فقامت وهربت، وهربت. رجع الرجل بعد أن أحضر من الطعام والشراب ما تطيب به الجلسة وما يطيب به العيش، فلما دخل البيت لم يجد لها أثرًا، لم يجد لها أثرًا. فهنا هام الرجل بها، هام يعني أصبح ماذا؟ قلبه متعلقًا بها، وأصبح يكثر من ذكرها، وجعل يمشي في الطرقات وفي الأزقة والشوارع وهو يقول هذا البيت، يقول: يا رب قائلة يومًا وقد تعبت، كيف الطريق إلى حمامي من جابي؟ فبقي على هذا مدة طويلة، يعني بضعة أشهر، وهو يمشي في الشوارع وبين الأزقة ويردد هذا وينشد هذا البيت. فبينما هو ذات يوم على هذا الحال، قال: وإذا بجارية، جارية تناديه وتجاوبه من نافذة بيت، من نافذة بيت، فتقول له: هل لا جعلت سريعًا إذ ظفرت بها، هل لا جعلت سريعًا إذ ظفرت بها، حرزًا على الدار أو قفلًا على الباب؟ أنت ما كنت صاحي لما ظفرت بها، لماذا لم تجعل شخصًا يحرس الباب أو أقل شيء عند خروجك؟ ماذا؟ تغلق الباب بقفل لكي لا تخرج. قالت: هل لا جعلت سريعًا إذ ظفرت بها حرزًا على الدار أو قفلًا على الباب، إن ينفذ الرزق فالرزاق يخلفه، يعني الطعام والشراب هذا يأتي غيره، إن ينفذ الرزق فالرزاق يخلفه، والعرض إن نافد من أين ينجاب؟ من أين يؤتى بالعرض إذا إذا ذهب؟ قال: فعلم أنها هي، فماذا؟ فماذا حصل له؟ زاد هيامه، زاد هيامه، واشتد هيجانه، ولم يزل كذلك حتى كان من أمره أنه لما نزل به الموت وجاءته ساعة الاحتضار، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فلم يستطع أن يقولها، وإنما جعل يردد ذلكم البيت: أين الطريق إلى حمامي من جابي؟ إلى حمامي من جابي؟ وقد ذكر العلماء قصصًا كثيرة، وهكذا أمثلة عديدة تدل على خطورة مصارع العشاق، مصارع العشاق، وألفوا في ذلك كتبًا، كجعفر بن أحمد السراج، أبو محمد البغدادي القاري، له كتاب «مصارع العشاق»، وهكذا أيضًا ابن النحاس وغيرهم من العلماء ألفوا في مصارع العشاق، وذكروا قصصًا ماذا؟ تدل على هذا التعلق وهذا العشق المدموم. بل في تاريخ العرب القديم والحديث يذكرون قصصًا كثيرة، كقصة عنتر وعبلة، كيف كان عنتر بن شداد يعشق ابنة عمه عبلة بنت مالك، وهكذا أيضًا ما يتعلق بقيس وليلى، قيس بن الملوح مع ليلى العامرية، حتى أنه ماذا؟ لُقِّب بماذا؟ قيس بمجنون ليلى، بمجنون ليلى. ولعله يأتي معنا في الدرس القادم تتمة لهذا الفصل مع ذكر بعض ما يتعلق بهذا الباب. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ قلوبنا وأن يحفظ ألسنتنا وجوارحنا وأن يجنبنا المصائب والفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.