الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 84، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ شيخ الإسلام بن تيمية بتوضيح الفرق بين التشبه بالكفار والتشبه بالعرب والعجم، مبينا أن التشبه بالكفار أعظم إثما.
يناقش تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر بغض النظر عن أصولهم، ويبين أن التمييز بين الناس يكون بالإيمان والتقوى لا بالأصل أو النسب.
يبين أن التفاضل بين الناس يكون بالتقوى وليس بالنسب أو العرق، مستشهدا بآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: فصل، واعلم أن بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالعرب والعجم فرقا يجب اعتباره، وإجمالا يحتاج إلى تفسير. فإنه بعدما ذكر أيضا أن من التشبه أيضا بالشياطين، والتشبه بالعرب والعجم، لكن يذكر هنا أن التشبه بالكفار والشياطين، فهناك فرق بينه وبين التشبه بالعرب والعجم. فالتشبه بالكفار والشياطين أعظم؛ لهذا قال: إن نفس الكفر والتشييط هو اتباع الشياطين والتشبه بهم، والتشييط المذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين. ونفس العربية والعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله تعالى وعند رسوله وعند عباده المؤمنين، وإنما الذي هو مذموم في الأعرابية والعجمية الجهل الذي يحصل فيهم، فهذا لا يقلدون فيه. قال: بل الأعراب منقسمون إلى أهل جفاء؛ قال الله عز وجل فيهم: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. وقال: إلى أهل إيمان وبر، أو أهل إيمان وبر؛ أنا أيضا فيهم من أهل إيمان، ومن أهل البر، ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته، إن الله غفور رحيم. قالوا: قد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن وفد عليه ومن غيرهم من الأعراب من هو أفضل من كثير من القرويين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب بعض الأعراب كزاهر، كان عرابيا، قال له زاهر: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان يقول: زاهر باديتنا ونحن حاضرة». قال: فهذا كتاب الله يحمد بعض الأعراب ويدم بعضهم، وكذلك فعل بأهل الأمصار، فقال سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾، قال الحسن: مرة في الدنيا ومرة في القبر. قال: فبين أن المنافقين في الأعراب وذوي القرى، وعامة سورة التوبة فيها ذم المنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب، كما في الثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأمصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وعلى الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول. وكذلك العجم، وهم من سوى العرب من الفرس والروم والترك والبربر والحبش وغيرهم، ينقسمون إلى المؤمن والكافر والبر والفاجر، كانقسام الأعراب؛ قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وأراد الشيخ رحمه الله أن يبين أن العرب والعجم لا يذمون بذاتهم، وإنما بعملهم، بخلاف الكفار والشياطين، فإنهم يذمون بذواتهم. وأما هؤلاء فمنهم المؤمن ومنهم الخير، ومنهم من هو أفضل بكثير من العرب، فلهذا فليس المراد ذمهم في ذواتهم، وإنما ذمهم الله عز وجل في أفعالهم. قال: وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب». وهذا الحديث فيه أنه لا فرق بين عربي وغيره، ولا بين بدوي وحضري إلا بالتقوى، كما جاء في الآية. فأيضا العيب بمثل هذه الأشياء يكون من أمور الجاهلية؛ أن يعيب مثلا عرابي لأنه أعرابي أو بدو، أو يعيب الأعجمي لأنه أعجمي، هذا خطأ، وهذا أيضا من الجاهلية من عبية الجاهلية وفخرها بالآباء؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مؤمن تقي وفاجر شقي»، أي الناس هكذا. قال: وفي حديث آخر رويناه بإسناد صحيح، عن سعيد الجريري وسعيد بن عياس، عن نبيه بن نظرة، ومالك بن المندر -أو المندر بن مالك- بن القطعة العبدي، قال: حدثني من شهد خطبة النبي عليه الصلاة والسلام بمنى في وسط أيام التشريق، وهو على بعير، فقال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم عز وجل واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ألا لا فضل لأسود على أحمر إلا بالتقوى، ألا قد بلغت؟» قالوا: نعم. قال: «ليبلغ الشاهد الغائب». قال: أروي هذا الحديث عن نبيه بن نظرة، عن جابر، وفيه اختلاف. قال: وفي الصحيحين، عن عمر بن العاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين». وهؤلاء كما جاء عن الليث: أنه بطن أو بيتان من أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي من نسبه. فقال: «إن آل فلان ليسوا لي بأولياء»، فعنهم من نسبه، «إنما وليي الله وصالح المؤمنين». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن بطن قريب النسب، أنهم ليسوا بمجرد النسب أولياء، إنما وليه الله وصالح المؤمنين من جميع الأصناف. ومثل ذلك كثير، بين في الكتاب والسنة أن العبرة بالأسماء التي حمدها الله وذمها، كالمؤمن والكافر والبر والفاجر والعالم والجاهل. فهذا شيء مما ذكره الشيخ، يريد أن يفرق بين التشبه بالكفار والتشبه بالعرب والعجم، وأعظم نقطة التي ذكرها: أن التشبه بالكفار والشياطين مذموم لذاته، وهم مذمومون لذواتهم، بخلاف التشبه بالعجم والعرب، فهو ليس لذواتهم وإنما لعملهم. وسيكمل هذا الكلام أيضا الشيخ ويزيده وضوحا في الكلام الآتي إن شاء الله. نتركه في الدرس اللاحق، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.