شرح بعض آيات النداء 2

الدرس في شرح بعض آيات النداء 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دلالة النداء المدني وسياق النهي عن خطوات الشيطان

يبيّن المحور أن نداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على مدنية الآية ونزولها في سياق تتابع التشريع لتحذير المؤمنين من كيد الشيطان، مع استعراض درجات الكفر وموقف أهل الكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم لفهم سياق التحذير الإلهي.

خطوات الشيطان التدريجية وسبل التحصن بالطاعات والتواضع

يشرح المحور كيف يتدرج الشيطان في إضلال المؤمن خطوة بخطوة، مؤكداً أن التحصن بكثرة الطاعات والنوافل يبني حصوناً تحمي من وساوسه، محذراً من مداخل الكبر والعجب التي أخرجت إبليس من الجنة، مستشهداً بتواضع النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: «إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد».

تطبيقات التواضع النبوي والصحبي وخطر المديح في التربية

يستعرض المحور تجسيد التواضع في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال زهده وقبوله التصحيح في الصلاة، وغرسه القناعة في نفوس أصحابه، ثم ينتقل لتواضع الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ورفضهم المديح، مع أمثلة من علماء السلف كابن باز ومحمد أمان الجامي، مؤكداً أن الحكمة والتوازن في التربية أهم من مجرد كثرة العلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى ودين الحق، صلوات ربي وسلامه عليه، فأتم الله به النعمة، وأكمل به الرسالات، وختم به النبوات، فالسعيد من وفقه الله لسلوك هديه واتباع طريقته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. آيتنا في هذا اللقاء هي آية نادى الله سبحانه وتعالى بها أهل الإيمان، والنداء من الرحمن في كتابه كما تقدم إما أن يكون نداءً لعموم الناس فيدخل فيه جميع طوائف الناس ممن بعث فيهم الأنبياء، المؤمن والكافر، بكل من الكفر والمنافق، وأهل الكفر الذين ناداهم الله سبحانه وتعالى في كتابه يتفاوتون في كفرهم، وإن كان الكفر ملةً واحدة إلا أن أصحاب الكفر يتفاوتون، فهناك من هم أشد كفرًا كالملاحدة الذين ينكرون وجود الله جل وعلا، ثم يليهم الوثنيون الذين يعبدون غير الله سبحانه وتعالى واعتقدوا الألوهية في حجر أو شجر أو مدر، ثم بعد ذلك يأتي أخفوا تلك الملل وهم أهل الكتاب لأنهم يشتركون في شيء من عقائدهم مع المسلمين، لكن هذا الاشتراك لا ينفي عنهم وصف الكفر، فهم يشتركون مع أهل الإيمان بالإيمان بالله ويؤمنون بمن أرسل إليهم من الرسل، كأن صار إيمانهم بأن عيسى مرسل على ما في إيمانهم أو في بعض طوائفهم أو في أكثر طوائفهم من اعتقادات كبرى في المخالفة كاعتقاد ألوهية عيسى، وهذا من أعظم الفريات التي افتراها النصارى، فهم مع اعتقادهم أن عيسى إله عند البعض أو أنه ابن الله أو أنه حلت فيه صفات الله، مع ذلك كله فهم يعتقدون أن عيسى قتل وصلب، وهذا الذي كذبه القرآن ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ بل رفعه الله إليه، فعقيدة المسلمين في عيسى وفي غيره من الأنبياء أفضل وأعلى وأشرف من عقائد أولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا بهؤلاء الرسل وكفروا بمن دونهم، ولهذا قال شاعر المسلمين ردًا على هذا التناقض الشديد في عقائد النصارى: كيف تعتقدون ألوهية عيسى وتعتقدون أنه قتل؟ قال: «أعباد المسيح لنا سؤال نروم جوابه ممن وعاه، إذا قتل الإله - وفي رواية: إذا صلب الإله - بفعل عبد يهودي، فما ذاك الإله، ما ذلك الإله الذي يُصرف والذي يُقتل، أفلا تعقلون؟» وحق الله هذه من أعظم التناقضات التي عند النصارى. المهم أن النداء في كتاب الله خص أهل الكتاب كذلك ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، ففي هذه الآيات التي جاء فيها نداء لأهل الكتاب لأنهم أقرب لأن يستجيبوا لدعوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما تقدم عندهم في كتبهم من وصفه ونعته ووقت خروجه ومكان خروجه وصفته الخلقية والخلقية، هذا كله جاء عندهم في كتبهم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، نعم يعرفون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما يعرفون أبناءهم، ولهذا لما دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم المدينة وكان حيي بن أخطب اليهودي والد صفية أم المؤمنين وأخوه ياسر يترقبان دخول نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يروا أتوجد فيه تلك العلامات المذكورة عندهم أم لا، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وبهذه المناسبة اليهود كان سبب دخولهم إلى المدينة أنهم يجدون عندهم أن النبي القادم سيكون مهاجره إلى بلد ذات نخل وبين حرتين وهي المدينة، والحرة هي الأرض ذات الصخر، الصخر السود يعني حجارتها سوداء، والمدينة واقعة بين حرتين حرة شرقية وحرة غربية وهي حدود المدينة أو حدود الحرم المدني من جهة الشرق ومن جهة الغرب، أما من جهة الشمال فيحدها جبل أحد وخلفه جبل صغير يقال له جبل ثور صغير خلف أحد لصيق بأحد، وبمنتهى سفع جبل ثور من جهة أحد تنتهي حدود الحرم المدني الشمالية، أما الجنوبية فجبل عير، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ما بين عير وثور حرم المدينة، حرم ما بين عير وثور، من أحدث فيها حدثًا أو آوى فيها محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا يوم القيامة» - وفيها مزارع النخل كثيرة فهي واحة، وهكذا كان وصفها في التوراة والإنجيل أن مهاجر النبي - أي مكان هجرته - هذا وصفه، فخرجوا إلى ذلك وكان يقال لها يثرب، خرجوا ينتظرون مبعثه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما ظهر ذلك النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ورأوا تلك العلامات قال حيي: ماذا ترى أهو؟ قال: نعم، وماذا ستفعل؟ قال: عداوته ما حييت أبدًا، هو يشهد أنه هو نبي الله، وهكذا اليهود يعلمون أنه نبي الله ومع ذلك يحاربون رسول الله، وهذا من أشد أنواع الكفر، الذي يعلم أن هذا نبي وهذا حق ثم يتخذ منه عدوًا، فهذا من أعظم الضلال ومن أكبر أنواع الكفر، لهذا كان اليهود أشد عداوة من النصارى لأهل الإسلام ولأهل الإيمان. الآية نعود، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، هذه الآية فيها نداء المؤمنين فقط ولا يدخل فيها غيرهم ممن دعوا وممن أرسل فيهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ونداء أهل الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إذا وجدت الآية تنادي أهل الإيمان فاعلم أن الآية مدنية، فلا يوجد في المكي آية فيها نداء لأهل الإيمان، وهذا مما يميز المدني عن المكي، فإذا رأيت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فاقطع أن هذه آية مدنية، وإذا رأيت ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فقد تكون مدنية وقد تكون مكية، والأكثر أنها مكية، يعني ورود ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أكثر ورودًا في الآيات المكية وقد يوجد في السور المدنية كذلك، ونعلم أن سورة البقرة سورة مدنية وأول نداء القرآن فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ الذي مر معنا في يوم أمس، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ إذن هي آية مدنية، لما قوي الإيمان وقامت دعائم دولة الإسلام في مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونزلت الشرائع تتوالى من تحليل وتحريم ومن إفتاء ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ كَذَا وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ كَذَا﴾ وبدأ التشريعات، لا شك أن الشيطان سيقوى - و﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ و﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ - لصد أهل الإيمان عن امتثال هذه الشرائع، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى مناديًا لأهل الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ناداهم بهذا الوصف لأن من لوازم الإيمان أن يمتثل أوامر الشرع من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناداهم بهذا الوصف حتى يلتزموا به، فلا يصدق على الإنسان أن يكون مؤمنًا وهو رافض لأحكام الشرع ولا يمتثل شرائع الله عز وجل، ولهذا كان هذا أبلغ في الحجة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنك تنادي شخص بوصف له تخشى أن يبتعد عنه، فمثلا تعرف شخصا حليما هادئا وجاءته أو جاءه من يستفزه فتخشى عليه أن يخرج عن حلمه فتقول له: يا أيها الرجل الحليم، تذكره بنعته حتى يلتزم بهذا النعت بهذا الوصف فلا يخرج عنه، وهكذا الله سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، نهي لأهل الإيمان أن يتبعوا خطوات الشيطان، في هذه الآية أن الشيطان له خطوات وهي جمع خطوة، ولا يصل بك الشيطان إلى الباطل وإلى الضلال أو إلى المعاصي مباشرة وإن كنت من أهل الإيمان، لكن يتدرج بك شيئًا فشيئًا، ولهذا إذا كان الشخص ضعيف الإيمان ولضعف الإيمان أسباب منها قلة العبادة والتقرب إلى الله بالطاعات فإن الشيطان يصل إليه سريعًا، يصل إليه سريعًا لأن الحصون التي بناها حول نفسه من الشيطان ضعيفة وقليلة، فالذي لا يصلي إلا الفرائض وفي البيت ولا يصليها حتى يخرج وقتها هذا أقرب إلى الشيطان، الآن صلاها في البيت جاءه الشيطان أخرها الوقت طويل حتى آخر الوقت، ثم الوقت طويل حتى يخرج الوقت، ثم حتى يجمع الصلوات، ثم حتى يدع الصلوات، كلا العياذ بالله، فالشيطان أقرب إليه، لكن ذلك الذي تحصن بالصالحات فواضب على الصلاة بجماعة وإذا أذن الأذان يستعد ومنهم من يأتي الصلاة قبل الأذان ويصل الرواتب ويصلي النوافل، فهذا الشيطان بعيد عنه لأن الحصون كثيرة، فإذا دك الحصن الأول استيقظ وقال: اليوم فاتتني راتبة الظهر، ها جاء اليوم الثاني عوضها أو قضاها، على الصحيح من أقوال أهل العلم أن الرواتب تقضى ولا خصوصية في ذلك، الرواتب السنن الرواتب التي هي مكملات للفروض الخمسة الصحيح أنها تقضى، وأما من ادعى الخصوصية منه خاص من نبي صلى الله عليه وسلم فلا صحة في ذلك، نعم هذا استيقظ مباشرة وعاد فبنى الحصن مرة أخرى، جاءه من جهة أخرى من الحصن قال له: نم عن الوتر، فاته الوتر فقام في الصباح وهو حزين فصلى من الضحى شفعًا ما يتدارك به ذلك الوتر الذي فاته، فأقام الحصن مرة أخرى، ما يستطيع الشيطان فلهذا ينبغي أن يكثر الإنسان من الأعمال الصالحة حتى يبني تلك الحصون التي تبعده عن خطوات الشيطان، فالشيطان لا يقوى على الإنسان إلا أن يكون ضعيفًا وليس محصنًا، ومن أعظم مداخل الشيطان التي يدخل فيها على الإنسان أن يزرع فيه العجب وأن يزرع فيه الكبر، فإن العجب والكبر هو الذي أخرج الشيطان من الجنة ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، قال: ﴿أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾، ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، كبر واستكبار، ولهذا ينبغي أن نعرف أنه لا يحصر الكفر بالجحود أو التكذيب، فقد يكفر الإنسان باستكباره وهو موقن أن الله موجود وأن الله خالق وأن الله رازق وأن الله يفرد بالعبادة، ولكن يستكبر فيأتي بالكبر، فيقال له: صلِ لله، قل: ما أنا بأصلي، اركع لله، ما سأركع، والعياذ بالله، هذا الاستكبار في مثل هذا الموطن حكم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يقتضي ردة وليس حدًا، فعل من هذا الفعل الظاهر أنه انبنى على كفر باطل وهو الكبر، ولهذا يخطئ من يحصر الكفر في مسألة الجحود، لا يكفر حتى يجحد، لا، الجحود نوع من أنواع الكفر، نوع من أنواع الكفر، ولا ينحصر الكفر فيه، ولهذا ينبغي علينا أيها الإخوة أن نعود أنفسنا التواضع وأن نعود أنفسنا خفض الجناح وأن نهذب هذه النفس ونكسر فيها شرع الاستعلاء والاستكبار، وهذا ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع أصحابه، بل هذا ما أمر الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، وقال له: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، هذه الآيات كلها توجيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفض جناحه لمن اتبعه وأن يتصف بوصف التواضع، وفي الحديث: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه»، وسبحان الله يعامل الإنسان بنقيض قصده، فمن أراد الرفع بالكبر والاستعلاء خفضه الله عند الناس ونظروا إليه نظرة المتكبر ونزعت من قلوبهم محبته وحل محل المحبة البغض، لأن الناس جبلوا على بغض المتكبر المستعلي، والنظرة أمثلة بدءًا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا وهو أسوتنا وهو مثلنا الأعلى، ثم بعد ذلك بخير الخلق بعد الأنبياء. في سنن ابن ماجة سند صحيح صححه الألباني وقبله العلامة أحمد شاكر رحمه الله رحمهم الله، أن رجلا قدم على رسول الله يسأله عن شيء، وكأن هذا الصحابي الذي جاء يسأل لا يعرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من قبل، وتعلمون أن الأعراب يفدون على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يسألونه، فجاء هذا الرجل فظن أنه سيسأل الرجل قد خافت منه قريش وخافت منه العرب وصرت بالرعب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فجاء إليه وفرائصه ترتعد» يعني ترتعش، والفرائص هي الأطراف، خائف، فلما رأى منه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هذا - يا إخوان نبيغى الجميع يصحى ويسمع كلام سيد الخلق وخلي هذا الحديث معك دائمًا لتعلم أخلاق النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لابد إذا قرأت السنة حضر لها قلبك وأعطها سمعك واعمل بها قدر ما تستطيع - فرأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك الرجل ترتعد فرائصه خائف، قال له: «هون عليك، هون عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد، لا تخف، ما الذي يخوفك؟ أنا لست بملك» هكذا، «إني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة»، لم يقل: أنا ابن عبد الله ابن عبد المطلب وهو من أشرف بيوتات قريش وهو من أشرف بيوتات قريش وجده سيد قريش وعمه سيد قريش حتى لا يكن في ذلك ترفع، قال: «أنا ابن امرأة، أنا ابن امرأة، إني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد»، القديد لماذا خصه النبي صلى الله عليه وسلم القديد يا إخوان؟ اللحم المنشف المملح حتى يحفظ، ما كان عندهم ثلاجات، ومعنى هذا أنه من أصحاب الدخل اليسير، لأن الثري لا يأكل لحمًا مبيتًا أو لحمًا ناشفًا مملحًا، يأكل الشطر يذبح له كل يوم، فكان هذا أبلغ بتواضعه، «إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد»، قال أهل العلم: إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حسمًا لمواد الكبر وقطعًا لذراع العجب وكسرًا لشره النفس وقطعًا لسطوة الاستعلاء، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هون عليك، إنما أنا هون عليك، إني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد»، يزرع هذا رسول الله في نفس أصحابه حتى لا يصل بهم إلى درجة الغلوب، فالإنسان المتكبر يحجب عنه نصح الناصحين ويبعد عنه أهل النصح، لأن أهل النصح إذا رأوا المتكبر فروا عنه لأنه سيرد نصيحتهم وسيرفضها، وفي الحديث: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»، بطر الحق رده وعدم قبوله، وغمط الناس احتقارهم والاستخفاف بهم وازدراؤهم، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يغرس في أصحابه التواضع حتى لا يبغي بعضهم على بعض، لأن الكبر من أكبر أسباب البغي، ولا يدخل الجنة رجل في قلبه مثقال حبة - آه مثقال ذرة - من كبر، فقال هذا لها ليعلم، قال: هذا لها، آه، الصحابي ليعلم كل من حوله أن رسول الله ليس كملوك، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خير أن يكون ملكًا رسولًا وأن يكون نبيًا ملكًا رسولًا وأن يكون نبيًا رسولًا، اختار أن يكون نبيًا عبدًا رسولًا دون الملك. وجاء في حديث عائشة صححه الألباني أن امرأة دخلت على عائشة بيتها حجرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فرأت فراشًا رثًا فراش رث قديم، قالت: لمن هذا؟ قالت: هو لرسول الله، الأنصارية لم تصدق أن رسول الله ينام على هذا الفراش الرث وهو سيد الخلق خلق، فذهبت فذهبت إلى بيتها وأتت لرسول الله لعائشة بفراش حسن مبطن يرتاح عليه النائم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حجرته ووقع نظره صلوات ربي وسلامه عليه على ذلك الفراش، فقال: «لمن هذا يا عائشة؟» هنا فائدة لكل أولياء الأمور أن إذا دخل بيته ورأى شيئًا غريبًا من المتاع أن يسأل: من أين هذا؟ لا يدخل في بيتي شيء لا أعرف مصدره، وإذا رأيت مع ولدي شيئًا: من أين لك هذا؟ أنا والدك أنا الذي أعطيك، من الذي أعطاك هذا؟ وهكذا يا إخوان، كثير من الأبناء يضيعون يجدون أهل السوء ممن يعطي له الأموال ويغريه حتى يذهب به إلى الفساد ويفسد الولد ويضيع الولد بسبب هذه العطايا التي لا يسأل عنها الأب، والله أصحابها أعطوه، والله عندها أصحاب لا، يا أخي أبدًا، اضبط بيتك وعلم أبنائك القناعة وأن يقتنع بما رزقهم الله وعلمهم العفة والعزة، لا يذل نفسه لأحد ولا يقبل عطايا من أحد وهو في هذا السن أبدًا، وكذلك في أهلك، والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنعه، هذا البيت بالمناسبة قال عنه الأصمعي أنه أجمل بيت قالته العرب وهو لأبي ذؤيب، اكتبوه: «والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنعه»، قال: أجمل بيت قالته العرب مبنى ومعنى، والأصمعي منهم خبر شعر العرب من أوله إلى آخره، وكان هو المرجع في أشعار العرب وفي علم البلاغة، فقال: هذا أجمل بيت قالته العرب، قول أبي ذؤيب الهذلي: «والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنعه»، صدق الله، النفس إذا فتحت لها المجال اشتهت واشتهت واشتهت واشتهت، وإذا عودتها القناعة والصبر فإنها تكون ملكة، وإذا ترد إلى قليل تقنع، نعم. قال: «من أين هذا؟» صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قالت عائشة: إنما هي امرأة فلان جاءت به إلينا، قال: «رديه يا عائشة»، يعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقناعة وأن لا نفتح باب، ليقول قائل: هذا جاءها من غير سؤال ومن غير تعرب، اختار لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقتنع بما عندها الآن، وكلنا يعلم عوام المسلمين والله سأأخذ من المرأة الفلانية الحزام الفلاني أو المساق الفلاني، عندنا زواج عندنا كذا تستعير وتأخذ، ما نقول أنه حرام لكنه خلاف الأولى، خلاف الأولى، وفي المثل السائر: «ثوب العارة لا يغطي البدن»، هذا مثل عندنا، عد ما ذري أهل حضرموت يعرفوه أو لا؟ ثوب العارة يعني الثوب المستعار مهما لبسته فإنه لا يسترك لأنه ليس لك، وهكذا جاء التشبيه: «المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبَيْ زور»، فالثوب الذي لا تملكه ولا يستحق لك ما يغطيك، وإنك ساكت في الظاهر لكنه يعلم الكُنه، ولذا ليس لك، فقال لها: «رديه»، قالت عائشة: فأعجبني، يعني عجبها الفراش، قال: «يا عائشة رديه، فوالله لو أردت أن يجري الله تحت قدمي أنهار الذهب والفضة لفعل، ولكنه لم يختر هذا» صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فردته عائشة رضي الله عنها وعن أبيها وعن جدها، بيت كله أهل إيمان وأهل صدق، هكذا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يختار التواضع. وهكذا في حديث عمر عندما دخل عليه وهو على ذلك الحصير فبكى عمر: يا رسول الله، ملوك فارس والروم على الديباج والحرير وأنت تعالى هذا، فقال: «يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا وتكون لنا الآخرة؟» يغرس في نفوسهم محبة الآخرة وإيثار الآخرة، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، هكذا كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم أصحابه، لم يزرع في نفوسهم المهابة منه التي تجعلهم لا يقولون له: يا رسول الله، أصحيح هذا أم خطأ؟ أفعلك هذا من وحي أم نسيت؟ كان صلى الله عليه وسلم يربيهم على قبول النصيحة، صلى ذات يوم صلاة الظهر ركعتين، فقام ذو اليدين رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ أقصرت يعني بأمر من الله أم نسيت؟ ما خاف وما قال: لا تقل هذا لرسول الله وباقي الصحابة يسمعون، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لم تقصر ولم أنسَ»، قال: هل ينتهي ذو اليدين عند هذا؟ لا، بكل أدب، بل شيء من ذلك حصل لأنه يعلم أن رسول الله يقبل الحق ولا يمكن أن يهينه لأنه جاء بالحق، الآن ربما تأتي لشخص يدرس تقول: يا شيخ هذا الكلام خطأ، اسكت وأنت ما تدري، أو كذا، أو لا ليس بخطأ هذا صحيح وأنت واهم، وجدال، ما في مجال لأن يرعى الإنسان احتمال أنه قد يهم قد يغلط قد يسهو قد يغفل قد يقرر شيخ خلاف الصواب، قال: لم يحصل شيء من ذلك، قال: بل شيء من ذلك حصل، ذو اليدين مصر ومتأكد، قال: «أكما يقول ذو اليدين؟» الصحابة لم ينافقوا، قالوا: بل شيء من ذلك، بل كما قال ذو اليدين، يا رسول الله، فقام فأتى بالركعتين وسجد للسهو، هكذا سيد الخلق رضي الله تعالى عنه متواضع، أصحابه حوله ومعه لا يفرق إلا بمحبتهم له وإحاطتهم به خوفًا عليه في بداية الأمر حتى أعلمه الله أن الله سبحانه وتعالى يعصمه من الناس، فأمر أن لا يحرص صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم ننتقل إلى أكرم الخلق على الله بعد الأنبياء، ولا بد أن تعلموا أن خير الخلق بعد الأنبياء هم صحب الرسل، وأفضل الرسل صلى الله عليه وسلم هو محمد، فصحابته هم أفضل صحب الرسل على الإطلاق، الصديق الأكبر خير من وطئ الحصى، وأظلته السماء بعد الأنبياء، يمدح فيبكي، فيقول: «اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرًا مما يظنون»، في كلام من أجمل ما يكون عنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهكذا نضرب المثل الآخر بالفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، نادى بالصلاة في ذات يوم: الصلاة، الصلاة، الصلاة، لا يوجد إشراق، عفوا لا يوجد كسوف شمس ولا خسوف ولا هناك قتال ولا شيء، اجتمع الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا تظنون أن يصنع الفاروق؟ صعد المنبر وقال: «أيها الناس، إني كنت أرعى غنمًا بمكة لخويلات على دراهم، وإذا أعطيت تلك الدراهم كان أحب يوم إلي، أحب يوم إلي ذلك اليوم»، ونزل من المنبر، إيش هذا الكلام؟ جاء عبد الرحمن بن عوف قال: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن أزريت بنفسك، يعني نقص نفسك وأنت أمير المؤمنين، إيش هذا؟ قال: «هيه ابن عوف»، وهذه اللفظة للتنبيه والزجر، «لا تلومني، هيه ابن عوف، والله لقد خلوت بنفسي فعجبتني، فقالت لي: أنت أمير المؤمنين فلا أحد أفضل منك، فأردت أن أذلها وأن أنكسها، ليكسر ذلك الأشر والترفع»، قال: «فأردت أن أذلها وأن أردها»، هي، هيه ابن عوف، هكذا كانوا يعالجون نواياهم، وهكذا كانوا يجاهدون أنفسهم، ولا يقبلون المديح المهلك ولا الثناء الكاذب ولا التملق ولا التزلف. وجاء في الأدب المفرد بإسناد صحيح لإمام البخاري صححه الألباني عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «المدح ذبح، المدح ذبح»، وفي حديث المقداد في صحيح مسلم رأى رجلًا يمدح أحد الأمراء، ومدح الأمراء أولى من مدح غيرهم لسبب أنهم يعينون على الخير، فإذا قام الشخص يقول لأمير: جزاك الله خير، طبقت شرع الله وأقمت شرع الله، فهذا يستحسن ربما، وإن كان في العموم يدخل في النهي عن المديح، ماذا صنع هذا الرجل الذي تربى في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم وهو يرى هذا الباطل؟ حتى الثراب على وجه ذلك المادح، فاستغرب الناس، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احثوا على وجوه المدحين التراب، احثوا على وجوه المدحين التراب»، لأنهم السبب لاستكبار الممدوح ولحدوث الباطل وللتملق ولخداع من يمدحونه فيغطون عنه ويسترون عنه مساويه ويبلغون به منازل لا يستحقها، بل لو كان يستحقها لا يجوز مدحه في وجهه إطلاقًا، وهذه البلية التي عمت وطمت وأصبح الناس تساهلون في أمر المدحين، ننظر كيف عالجها سلفنا، هذه أمثلتهم وهذه مدارسهم وهذه حياتهم شاهدة. وأضرب لكم مثالًا، كنا في مجلس أحد المشايخ وحكى لنا قصة، لا تجيبوا أسئلة، أنا ما أجيب على الأسئلة الآن، لا تكلفوني أسئلة، فحكى لنا قصة مشهورة للذي تتلمذ بالسعودية وخالط العلماء هناك يعرفها ويرددونها العلماء لأن فيها عبرة وفيها عظة وفيها خير عظيم وفيها التربية التي افتقدناها الآن، فرحنا معاداة أهل البدع ومحاربة أهل البدع والوقوف ضد أهل البدع هذا من أمر الدين لا شك، لكن العاقل الذي يسير بطلابه بتوازن، بتوازن، كما أن علمتهم التصفية علمهم كذلك التربية، لابد أن يربون على هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فما ينفع طالب علم يعرف العزم من السني وهو من أسوأ خلق الله وهو من أسوأ خلق الله في الأخلاق، الإنسان يهدي بأخلاقه وبعمله قبل قوله، يهدي بالخلق وبالفعل قبل أن يهدي الناس بالعلم، فإنه قد يكون عالمًا وقد يكون طالب علم ولكن لا يوفق لقبول الناس، ولهذا قال الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله: سجلوا هذين الشريطين عندكم واسمعوهما، أسئلة وأجوبة في منهج أهل السنة والجماعة لشيخنا الوالد محمد أمان بن علي الجامي رحمه الله، أسئلة وأجوبة في منهج أهل السنة والجماعة، هذه ينبغي أن تسمعوها جيدًا، هذه الأشرطة فيها خير، يقول فيها رحمه الله: «قد ينفع الله بالرجل العاقل المتبصر أكثر مما ينفع بالعالم»، هذه العبارة تجدونها في الشريط الأول، «قد ينفع الله بالرجل العاقل أكثر مما ينفع بالعالم»، ونزيد وأزيد وأقول: قد ينفع الله بإنسان طالب علم علمه قليل أكثر مما ينفع بعالم علمه كثير وحرمه الله العقل والحكمة، هذه الزيادة مني، عبارة الشيخ الأولى ستجدونها في الشريط، لم يقل طالب علم، قال: ينفع الله بالرجل العاقل أكثر مما ينفع في بعض الحال مما هو عنده علم، سجلتم الشريطين؟ ها، إيش؟ أسئلة وأجوبة في منهج أهل السنة والجماعة، استفيدوا منها كثير في هذه الأشرطة، وذكروني إذا نسيت الموقف الذي بدأت وقلت سأذكره لكم وهو مشهور، أحشان أنساه، في هذه الأشرطة في هذه الشريطين يقول الشيخ، وأنقل لكم هنا أجوبة علماء الفتوى فإني لست بعالم، محمد أمان مات وعمره ثمانية وسبعين سنة وهو من أكابر علماء الدنيا في زمانه، طلاب العلم يعرفون من محمد أمان، يقول: فأنا لست بعالم، أنا لست بعالم، والله إنه لعالم، وهكذا خلق العلماء، أما الذي يكال له من الأوصاف والألقاب وربما تكون على رأسه: مبارك الله فيك، جزاك الله خير. أعود إلى الموقف الذي ذكرته وقلت أنه موقف مشهور يعرفه طلاب العلم، في محاضرة لإمام أهل السنة والجماعة في وقته سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى رحمة واسعة وغفر الله له، وكان في معيته في تلك المحاضرة سماحة الشيخ وشيخ مشايخنا الشيخ عبد الله بن حميد، عبد الله بن محمد عبد الله بن محمد بن حميد، ليس هو إمام الحرم الذي موجود الآن صالح بن حميد، هذا والده، فصالح الابن حتى لا تختلط عليكم الشخصيتان، صالح الذي هو الإمام الآن ورئيس مجلس الشورى هذا الابن ووالده الشيخ عبد الله، شيخ الشيخ مقبل، شيخ الشيخ مقبل رحمهم الله، عبد الله بن حميد، حضر ذلك اللقاء والمحاضرة معلنة لسماحة الشيخ بن باز، جاء المقدم يقول ما معناه: ولقاؤنا في هذه الليلة أو في هذا اليوم مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إمام أهل السنة والجماعة، إمام أهل السنة والجماعة، ما هو إمام الثقلين، إمام أهل السنة والجماعة، وكان بجواره الشيخ بن حميد، ما خلاه يعدى ولا خلاه يتجاوزها، يا شيخ عبد العزيز ترضى بهذا المديح؟ مباشرة