آداب قضاء الحاجة 2

آداب قضاء الحاجة 2

الدرس في آداب قضاء الحاجة 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الأماكن المنهي عن قضاء الحاجة فيها شرعاً

يتحدث عن الأماكن التي ينهى عنها المسلم من قضاء الحاجة مثل المساجد والأسواق والمقابر، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية. يُشدد على حرمة هذه الأماكن لما فيها من أذية للموتى أو ازدحام الناس.

الأماكن التي لا يجوز قضاء الحاجة فيها بحكم العرف

يشرح أن العرف يلعب دورًا في تحديد الأماكن التي لا يجوز قضاء الحاجة فيها، مثل بين البيوت أو في البيوت قيد الإنشاء. يُشدد على أن ما يؤدي إلى غضب الناس أو سبهم لا يجوز.

أحكام وآداب قضاء الحاجة

يشرح أحكام قضاء الحاجة في الإسلام، مؤكدًا على أهمية اختيار الأماكن المناسبة والتستر عن أعين الناس أثناء قضاء الحاجة، مستدلًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر لمن لا يستتر من بوله.

ختام الدرس والدعاء بالتوفيق

يختتم الدرس بالتأكيد على مناقشة المباحث بشكل موسع في الدرس القادم، ويدعو الله أن ينفعهم بما قاله، ويختم بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. ومواصل، إخواني في الله، فيما نحن بصدده، وكان حديثنا عن الأماكن التي ينهى عنها المسلم من قضاء الحاجة فيها، ويعد من أوائل المباحث في مباحث قضاء الحاجة. ومر ذلك معنى النهي عن ظل الناس وعن طريق الناس، ويضاف إلى ذلك المجرى الذي يسير عليه الماء، وهكذا في الماء الراكد. والموطن الخامس ما ذكرناه عن النهي عن البول وقضاء الحاجة في الجحر، كذلك من الأماكن، وهو الموطن السادس من الأماكن التي ينبغي للمسلم أن لا يقضي الحاجة فيها أن تكون في المساجد. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيح من حديث أنس في قصة ذلك الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول أو القذر». فلما رأى نبينا صلى الله عليه وسلم من شأن هذا الأعرابي هذه الفعلة، والتي ما ينبغي أن تؤدى في بيوت الله، أرشد لهذا الهدي: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول أو القذر». وهذا كان متوقعًا في تلك المساجد التي كانت فيها الحصى والرمل. وأما الآن، لا يتصور هذا مع وجود الفرش، لكن لربما في بعض الأرياف يصل الحال لبعض الناس فيجد أنه متأزم، فلابد، فلو ربما يقضيها في نواحي المسجد، فهذا حرام لا يجوز. وأما الآن، ولله الحمد، فقد درج الناس على أداء وفعل دورات المياه التابعة للمسجد، فلا بأس في قضاء الحاجة فيها. كذلك الموطن السابع والثامن من الأماكن التي لا يجوز أن تقضي الحاجة فيها في الأسواق والمقابر. الأسواق معروفة، وهي المحل التي يجتمع فيها الناس لبيعهم وشرائهم، وهي محل ازدحام وذهاب الناس وإيابهم، فلا تقض الحاجة وأنت في داخل السوق؛ لأنه محل نظر. كذلك المقبرة لا يجوز أن تقضي الحاجة في المقابر، وهذا أدب. وما يدل على هذا النهي عن هذين المكانين، عن الأسواق والمقابر، ما رواه ابن ماجة في سننه من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق». الشاهد من هذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «وما أبالي»، أي: هذه الأمور من الأمور التي لا يجوز، وأني لأن أمشي على سيف أو أطأ على جمر هذا أهون عندي من أن أفعل هذا، وهو ماذا؟ أن لا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق. فاستفاد العلماء من هذا التحذير النهي عن هذين المكانين، وأنه لا يجوز لمسلم أن يقضي الحاجة في الأسواق؛ وذلك لأنها محل نظر الناس، ولا كذلك في القبور؛ لأنها أذية للموتى، والميت يتأذى مما يتأذى منه الحي، فلهم حرمة. هذه الأماكن، لإخواني في الله، وهو المكان الثامن، انتهينا من تتبع الأماكن التي دل عليها الشرع في عدم جواز قضاء الحاجة فيها، وهذا يشمل ما كان من بول أو غائط، على القول الصحيح. المكان الثاني الذي لا يجوز أن تتغوط فيه أو تقضي فيه الحاجة هو ما منع عنه العرف. فالناس إذا تعارفوا فيما بينهم على أن هذه أماكن لا يجوز أن تقضي الحاجة فيها، فالقول قولهم، فلا يجوز. والقاعدة عند أهل العلم قال العلماء: «ما كان ذريعة إلى ما لا يحل فهو لا يحل». فما كان ذريعة إلى غضب الناس وإلى سبهم وشتمهم، إذا كان هذا يؤدي إلى هذه الأمور، فهذا الفعل لا يحل. فمما تعارف عليه الناس، مثلًا، قضاء الحاجة بين البيوت. ما عندي حديث يدل على أنه لا يجوز أن تقضي الحاجة بين البيوت، لكن عندي في عرف الناس تعارف الناس على أن هذا لا يجوز. فالناس إذا خرجوا من بيوتهم فرأوا أنه وجدوا أحدًا تبرز أمام البيت عند الفناء أو بجواره أو ما بين البيوت، غضب الناس على هذا، بل يسبون ويشتمون. إذا دل هذا على أن العرف لا يحل لك أن تقضي الحاجة بين البيوت. وهكذا قصة، يا عبد الله، ما جرى به عرف الناس، أو تجد مثلًا بعض الناس إذا بنى بيتًا وهذا البيت لا زال قيد الإنشاء فيغلقه وينصرف فيتركه، فتجد أن بعض الناس يتسلل إلى هذا البيت إما بكسر النافذة أو إذا كان الجدار منخفضًا يتسلقون ويدخلون داخله ويجعلونه حمامًا. رأينا هذا في بعض البيوت التي قيد الإنشاء جعلها بعض الناس حمامًا، من كثرة من يتغوط في داخله. صاحب البيت إذا دخل ماذا يفعل؟ يسب ويشتم ويقول: من هذا الذي فعل هذا؟ أخزاه الله. إذن هذا عرف أنه لا يحب أن يفعل هذا في بيوتهم، ولو كانت هذه البيوت قيد الإنشاء، لكن لا يحب أحد هذا أن تتلوث بالنجاسة. فالمسلم في قضاء حاجته، كما أن الشرع منعه من أماكن، فلينظر إلى العرف، فإذا تعارف الناس على منع مكان من الأماكن، فالقول قولهم. إذن هذه، إخواني في الله، المسألة سريعة حول الأماكن التي لا يجوز أن تقضي الحاجة فيها، وهي الأماكن التي منع عنها الشرع أو العرف. تأتي مسألة أخرى: ما هي الأماكن التي للمسلم أن يقضي الحاجة فيها؟ الأماكن كثيرة، ويمكن أن نحصرها في أمرين اثنين. حصر الأماكن التي يمكن أن تقضي الحاجة فيها، يا عبد الله، تكون محصورة في أمرين اثنين. الأمر الأول: الأماكن المعدة لذلك، مثل الكنيف -جمع كنيف- أو ما يسمى الآن بالحمامات، وما يعبر عنه بدورات المياه. هذه أماكن معدة، هذه اذهب، يا عبد الله، وافعلها، ولا يضرك شيء. هذا المكان الأول، وله أحكام سيأتي الكلام فيها في حينه. والمكان الثاني: كل مكان لم يحرمه شرع ولا عرف. وهذا مجال واسع، كل مكان لم يأت عليه دليل في منعه لا من الشرع ولا من العرف، افعل هذا، يا عبد الله، ما شئت، وأرض الله واسعة. لكن انتبه لأمر، وهو: هذه الأماكن التي مفتوحة والتي لك أن تقضي الحاجة فيها، عليك أن تهتم بقيد زيادة على القيد الأول أنك تتوخى الأماكن التي حذر منها الشرع والعرف، أنك كذلك تتنبه إلى قيد مهم، وهو قيد التستر. قيد التستر: من أراد أن يقضي الحاجة في أرض الله، أرض الله واسعة، لكن عليك، يا عبد الله، بالتستر عن أعين الناس؛ فإن هذا فيه وعيد شديد لمن أخل به. ويؤيد هذا الوعيد ما جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس: عندما مر نبينا على قبرين فقال: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير»، فقال: «أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله». وفي رواية: «لا يستنزه من بوله»، وفي رواية: «لا يستبرئ من بوله». على عدة روايات في حال هذه العقوبة أو هذا الذنب الذي جر على صاحبه هذه العقوبة، أن عذب في قبره، منها أنه لا يستتر من بوله. وعلى شرح جماعة من العلماء أن هذه اللفظة معناها لا يستتر من بوله، قيل: أي لا يجعل بينه وبين الناس ساترًا، فلا يستتر عن أعين الناس. وهذا أمر، إخواني في الله، ينبغي أن يهتم به. من أراد أن يتحلل، فبعض الناس نعم يهتم بالموضع، يقول: هذا الموضع الحمد لله جاز أن أقضي حاجة فيه. طيب، بقي القيد المهم والأهم، أنك لا تقضيها عند الناس. وقد ابتلينا في هذه الأزمان من بعض -لا أقول للرجال- حتى في بعض النساء، وهذا عند الأماكن المزدحمة. وسل من ذهب إلى الحج، سل من ذهب إلى الحج من الرجال والنساء كيف يبتلون بمثل هذه المناظر والمظاهر؟ يجد الحمام مزدحمًا، فإذا به أمامك يفعلها وقد رأى الناس ذلك، يفعلها أمامك بغير حياء. هذا ما يجوز، هذا حرام، يا عبد الله. وأنت مأمور بحفظ العورة وستر العورة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك». العورة تحفظ في كل صورها، لا تكشف، لا تكشف. ولهذا، إخواني في الله، إذن نقول: إن الأماكن التي لك أن تقضي الحاجة فيها يعود إلى أمرين اثنين: الأمر الأول الأماكن المعدة كالحمامات والكنف، والأمر الثاني أرض الله الواسعة، بحيث لا يكون فيها مكان منع عنه شرع أو عرف، زيادة مع ذلك على ضرورة تستر من أعين الناس. والتستر من أعين الناس، يا عبد الله، يكون بأمرين اثنين: التستر من أعين الناس يكون بأمرين اثنين. الأمر الأول: البعد، تبتعد، تبتعد، تبتعد حتى ترى أن أعين الناس لا ترمقك. وهذا الوجه الأول. والوجه الثاني: أن تختبئ خلف شيء، أن تختبئ خلف شيء، كمن ذهب إلى الأراضي الواسعة فما يصدع أن يذهب مكانًا بعيدًا، أو أن المكان ضيق فحينها لابد أن يتستر خلف شيء. وسأتي هذه المباحث، إن شاء الله، في درس غد بشيء من التوسع. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.