الدرس في آداب قضاء الحاجة 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية التستر وذكر الدعاء عند الدخول إلى الأماكن المعدة لقضاء الحاجة. يشمل ذلك البعد عن الناس أو الاختباء خلف شيء.
يفسر الدعاء "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" ويبين أنه يُقال قبل الدخول للخلاء للاستعاذة من الشر أو الشياطين. يُستحب في كل مكان يقضي فيه الإنسان حاجته.
يُنصح بالاستعاذة بالله عند دخول الحمام لأنه مأوى الشياطين، ويُستحب الإسراع في الخروج بعد قضاء الحاجة. يشمل ذلك كل من يدخل الحمام لأي سبب.
يختم بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه، ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله، مشيراً إلى أهمية الذكر عند الدخول إلى الحمام.
نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن الأماكن التي يسمح فيها بقضاء الحاجة، وذكرنا أن هذه الأماكن يمكن حصرها في موضعين اثنين. أولاهما في الأماكن المعدة لذلك، كالكنف والحمامات ودورات المياه، أو يكون في أرض الله الواسعة في أي مكان، لكن بشرط التستر. وذكرنا أن التستر في هذه الأماكن يكون بأحد أمرين، إما أولًا بالبعد، كحال رجل أراد أن يقضي الحاجة في الفلاة من الأرض، كأن يكون مسافرًا فأراد أن يقضي الحاجة، فحينها نقول له لا بأس أن تقضي الحاجة، لكن بشرط أن تبتعد، بحيث لا يراك أحد. وهذا من هديه عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت أن في السنن من حديث جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد البرازة تغيب حتى لا يرى. وثبت كذلك من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد المذهب أبعد. فكان يبتعد لقضاء حاجته عليه الصلاة والسلام. هناك فائدة، بعض العلماء في مسألة قضاء الحاجة في الفلاة من الأرض يفرقون بين حالتي التغوط وبين حالة البول، فيرون أن هذا البعد إنما يكون في حالة التغوط، أما في قضية التبول فلا بأس أن تفعلها بالقرب، أي من قرب الناس، بشرط التستر. فيرون أنك إذا كنت في قضاء الحاجة ابتعد، لكن إذا كان في قضية تبول فلا بأس أن تقضيها بالقرب، كما قلنا في حال مسافر نزل فلا بأس بقرب سيارته أنه يتبول، ولو كانوا بقرب الناس، بشرط أن يحتفظ بعورته فلا يراها أحد. ولماذا فرق العلماء بين حالتي التغوط والتبول؟ قال العلماء لأن التغوط فيه من المواصفات ما ليس في التبول، إذ أن الغائط فيه من الريح ما يستقذر، وفيه من المنظر ما يستقبح، وفيه كذلك من الأصوات ما لربما تكون مقززة لكثير من الناس. وهذه الصفات والمواصفات ليست موجودة في البول. ولهذا بعضهم يرى أن البعد هذا يتعلق بقضاء الحاجة في قضية التغوط، لكن في التبول لا بأس بالقرب. واستدل كذلك ببعض الأحاديث أن نبينا صلى الله عليه وسلم تبول قريبًا من أصحابه، كما في حديث بوله في صباطة قوم من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه. فهذه الصورة الأولى في حق من أراد أن يقضي الحاجة في أرض فلاة، وهي الأماكن غير المعدة. عليك أن تتستر، إما بالتستر بالابتعاد، أو يكون التستر بالاختباء، أن تختبئ خلف شيء. وقد مر ذلك معنى أن كان من هدي عليه الصلاة والسلام كان يحب ما يتستر من خلفه، هدف أو حائش نخل. الهدف هو البناء المرتفع، كان نبينا من خلفه يقضي الحاجة، أو حائش نخل، وهي النخل التي لا يستفيد بظلها ولا يتضرر أحد منها، فلا بأس أن تقضي الحاجة منها. فهذا كذلك الوجه الثاني. وقلنا إن هذه الأماكن التي تقضي بها الحاجة في الفلاة بشرط أن لا تكون مما دل عليها الشرع أو العرف بالنهي عن الاختلاء فيها. هذا إخواني في الله خلاصة ما يتعلق بالأدب الأول من آداب قضاء الحاجة في قضية التستر. ألقى الأدب الثاني، إخواني في الله، الحرص على الإتيان بالذكر الوارد عند قضاء الحاجة. فقد جاء الإسلام بتعليمنا وتهذيبنا لذكر عظيم ينبغي على المسلم أن يحرص على إتيانه إذا دخل إلى هذه الأماكن، وهو ما جاء في الصحيحين من حديث أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». فهذا الدعاء كان يأتي به نبينا صلى الله عليه وسلم إذا دخل الحمام ودخل الأماكن المعدة لقضاء الحاجة. ويأتي الآن ما معنى الخبث والخبائث؟ الخبث أولًا برواية الإسكان بإسكان الباء خبث، قال العلماء فالخبث هنا بمعنى الشر، والخبائث بمعنى النفوس الشريرة. فمعنى هذا الدعاء أنك تستعيذ من الشر ومن كان من أهله. وعلى الرواية الثانية وهي رواية الضم أعوذ بك من الخبث خب بضم الباء، فيقول معنى الخبث هنا هم ذكران الشياطين، خبث والخبائث هم إناث الشياطين، خبائث جمع خبيثة. فيقول معنى أنك تستعيذ بالله من الشياطين من ذكورهم وإناثهم. فهذا معنى الروايتين على رواية الضم والإسكان. ولا شك أن رواية الإسكان أعم، ولهذا أكثر الروايات كما قال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى أكثر الروايات تأتي بإسكان الباء خبث، وكذلك فيها عموم فيتشمل أنك تستعيذ بالله لأن الخبث والشر فتستعيذ بالله من الشر ومن أهل الشر، ويدخل في ذلك كل ذي شر، فمن ذلكم الشياطين من ذكورهم وإناثهم. ولذا فقط هو الشر الموجود في الكنف، لا، هناك شرور كثيرة، بعض الأماكن فيها هوام حيات أفاعي قوارض عقارب مما يؤذي. فلما تدخل وتستعيذ فيكون استعاذتك لجميع الشرور من الجن والشياطين، ومن الهوام والسموم وهكذا من أي شر من فعل السحرة والمشعوذين والكهانين، كل ذي شر ما يفعل لك في هذه الأماكن. فهذا أعم وهو أولى. وهنا إخواني في الله تأتي فوائد ومسائل متعلقة بهذا الذكر يناسب ذكرها ونحن نتحدث عن هذا الأدب من آداب قضاء الحاجة. من هذه المسائل والفوائد إخواني في الله هذا الذكر متى يؤتى به؟ قبل الدخول أم في أثناء الدخول أم بعد الدخول؟ الجواب هذا الذكر يؤتى به قبل الدخول، قبل أن تدخل إلى الحمام وإلى دورة المياه استعذ بالله وأنت في الخارج. والدليل على ذلك ما جاءت الروايات في روايات الحديث، إذ فيه من حديث أنس: كان رسول الله إذا أراد أن يدخل قال: «اللهم إني أعوذ بك» الحديث. فدل ذلك على أن هذا الدعاء يؤتى به عند إرادة الدخول. وفاتي للجنة الدائمة بهذا الصدد يناسب ذكرها لأن فيها مزيد إيضاح، فقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة قالوا: من آداب الإسلام أن يذكر الإنسان ربه حينما يريد أن يدخل بيت الخلاء أو الحمام بأن يقول قبل الدخول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». قالوا: «ولا يذكر الله بعد دخوله، بل يسكت». لأن بعض الناس إخواني في الله ربما يأتي بهذا الدعاء وهو يفتح الباب: «اللهم إني أعوذ بك» فيكمل وهو داخل الحمام، وهو داخل الحمام يأتي بكلمات الدعاء. لا يا عبد الله، الحمام ليس محل الذكر، الحمام والخلاء ليس محل الذكر. فأنت يا عبد الله تريث، فقبل الدخول تأتي بالذكر ثم تدخل. فائدة ثانية كذلك وهي هل هذا الذكر خاص إخواني في الله في الأماكن المعدة أم أنه عام؟ الجواب أن هذا الذكر عام لكل من أراد أن يقضي الحاجة، سواء في الأماكن المعدة لقضاء الحاجة أو في أي مكان في الصحاري والبراري. في أي مكان يقول إمام النووي رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن هذا الذكر: «وهذا الأدب مجمع على استحبابه، ولا فرق بين البنيان والصحراء». فإذا كنت في صحراء وأردت أن تقضي الحاجة عليك يا عبد الله بهذا الذكر. قد يقول قائل: كيف هذا؟ الصحاري ليس فيها أبواب حتى تتهيأ لأن تقول لا. هنا قال العلماء: إنما تأتي بهذا الذكر في المكان الذي تريد أن تقضي الحاجة فيه. مثلًا وصلت إلى هذا المحل، هذا المكان هو محل القضاء، حينئذ تأتي بالذكر: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» ثم تبدأ بقضاء الحاجة في المكان الذي تصل إليه لقضاء الحاجة. هذا هو محل الذكر. فالشاهد أنك لا تترك هذا الذكر يا عبد الله في أي مكان من أماكن قضاء الحاجة. كذلك فائدة أخرى وهي الثالثة في هذا المقام، ما هي الحكمة من الإتيان بهذا الذكر؟ الحكمة إخواني في الله من الإتيان بهذا الذكر، إذ أن فيه الالتجاء والاعتصام، لأن قولك: «أعوذ بالله» أي أعتصم بالله، فإنك تعتصم بالله جل وعلا من الشر ومن أهل الشر، من الشياطين ومن كل ذي شر. لأن الحمامات إخواني في الله هي مأوى الشياطين، خاصة مأوى الشياطين. ويقول علماء: الشيطان له سلطة وقدرة على التأثير للناس في كل زمان وفي كل مكان بقدرة الله، لكن تأثيره أشد في الحمامات، تأثيره أشد في الحمامات لأن ذلك سلطانه وذاك مقره، يأوي إليه. فكيف تستعيذ بالله من شره؟ وتضيق عليه الخناق بالذكر، عندما تأتي بالذكر لن يقرب منك، فتلتجئ وتعتصم بالله. وكما قلنا لأن هذا هو محل الشر والشياطين، وكم من حالات صرع ومس وقعت في الحمامات. وأذكر أن نفسي هكذا في أحد الأماكن سمعنا في دورات المياه جلبة، فإذا برجل يصرع داخل الحمام، فهو مأوى مأوى للشياطين والشرور. فكن يا عبد الله على حرص على الإتيان بهذا الذكر لكي تحمي نفسك من أذى كل ذي شر. فائدة أخرى كذلك إخواني في الله متعلق بهذا الباب، وهو عند دخولك للحمام، وإذا علمنا أنه مأوى الشياطين، عليك أن لا تتأخر فيه، لا تتأخر في الحمام. الحمام إنما بني لحاجة لقضاء الحاجة، فإذا انتهيت من ذلك انصرف، انصرف. لأنك قد علمت أنها مأوى الشياطين، بل جاء كذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذه الحشوش محتضرة». الحشوش جمع الحش، وهو الكنف والحمامات، ما بها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذه الحشوش محتضرة»، ما معنى محتضرة؟ قال العلماء: أي تحضرها الشياطين، تجتمع فيها الشياطين، وذلك لأذية الإنسان. طيب إذن سمح لك أن تدخل بهذا الحمام لحاجة لقضاء حاجة، وما كان من نحوها، ثم تنصرف. أما أنك تلبث في الحمام زيادة عن اللزوم ما ينبغي يا عبد الله. قد يقول قائل: وهل أحد يبقى؟ نعم، أنت ما سمعت الآن ما الذي يفعله بعض الناس من المثقفين، لا أقول من العوام الجهلة. العوام الجاهلة ربما يتقذر البقاء في الحمام، لكن أحكي لك يا عبد الله عن بعض المثقفين، أتدري أن بعض المثقفين يشتري الجريدة في الصباح ثم يلفها ويأتي بها إلى داخل الحمام ويقرأها داخل الحمام. يفعلها بعض الناس، يجلس على الدرنش كما يقال، ثم يتصفح الجريدة يقرأ بكل أريحية، حتى يسميه بعض العامة ما يسميه هذا المكان ببيت الراحة، يستريح فيها بكل أريحية يقرأ الجريدة في الحمام يا عبد الله أمام مأوى الشياطين. هذا ليس من الأدب. وآخر لربما ما يستريح أن يدخن إلا أين؟ في الحمام. وذاك يأتي بالنشوق، وذاك بالنشوق في الحمام، أعوذ بالله. حينها تجتمع شياطين الإنس مع شياطين الجن. فانتبه يا عبد الله، هذه الحشوش محتضرة، مليئة بالشياطين، فإياك يا عبد الله أن تلبث فيها أكثر من اللازم. فإذا أخير أختم بها هذا المقام، وهي متعلقة بهذا الذكر العظيم، ألا وهي: هذا الذكر هل يأتي به الإنسان فقط إذا أراد أن يقضي الحاجة؟ الجواب لا، هذا ليس فقط معد لقضاء الحاجة، بل هذا الدعاء عام لكل داخل. انتبه، أحيانًا أنت تدخل الحمام ليس لقضاء الحاجة، أحيانًا تدخل الحمام لتغتسل، ما في قضاء حاجة عندي. أو أحيانًا تريد أن تنظف، أو بعض البيوت عندهم الغسالة داخل الحمامات، يريد أن يغسل، أو أحد يريد أن ينظف غيره، أبناء يوضئون أبناء ويتوضؤون للصلاة. فالشاهد أن هناك عدة أمور تلجئك إلى أن تدخل في الحمام، لكنها ليست في سبيل قضاء الحاجة، هل يشرع لك أن تأتي بالدعاء؟ الجواب نعم، تأتي بهذا الدعاء كلما دخلت إلى هذه الأماكن. والكلف احرص يا عبد الله أن تأتي بهذا الذكر، وقد صرح بذلك العلماء، كما صرح بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وهكذا ابن عثيمين رحمه الله تعالى، قال: حتى الأم التي تدخل لكي توضئ ابنها، هي تأتي بهذا الذكر. وإن كثيرًا ما تريد شيء من الحمام، لكن توضئ ابنها الصغير، لكنها داخلة، فكل داخل إخواني في الله يتحصل بهذا الذكر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.