الدرس في آداب قضاء الحاجة 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاء الخروج من الخلاء وهو "غفرانك" ومعناه طلب المغفرة من الله. يشرح العلماء الحكمة من قول هذا الدعاء بعد الخروج من الخلاء.
يتناول المقطع آداب قضاء الحاجة مثل تقديم الرجل اليمنى عند الخروج واليسرى عند الدخول، وعدم استخدام اليمين في التطهر والاستنجاء، وعدم استقبال أو استدبار القبلة أثناء قضاء الحاجة.
يفصل العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة، حيث يرى الجمهور أن النهي ينطبق على الفضاء وليس الأماكن المغلقة.
يختتم الدرس بالإشارة إلى مسائل متعلقة ستطرح في درس لاحق، ويتوجه بالدعاء إلى الله أن ينفع بما قيل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، فقد مر معنا إخواني في الله في هذا المبحث، ولازلنا في مبحث آداب قضاء الحاجة وآداب الخلاء، وكان فيما ذكرنا ما يتعلق بذكر الدخول، «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، وما يتعلق بهذه الصيغة وفحواها ومعناها، وما يتعلق ببعض مسائلها. وإن مما يناسب ذكره كذلك ونحن في ذكر الدخول أن نذكر كذلك الثابت والوارد عن رسول الله في ورد الخروج، في ورد وذكر الخروج من الخلاء. وقد ثبت في السنن عند أبي داود والترمذي، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال: غفرانك». كان إذا خرج من الغائط قال: «غفرانك». وهذا الحديث يحسن جماعة من العلماء، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. إذا فهذا الذكر يؤتى به بعد الخروج من الخلاء. وهذا الحديث كذلك تحته مسائل، منها: ما معنى غفرانك؟ قال العلماء: غفرانك هو مصدر لفعل المحذوف، تقديره: أسألك غفرانًا، أي أسألك مغفرة يا رب. هذا المعنى. بقي: ما وجهه؟ ما الحكمة عندما تخرج من الخلاء تقول هذا الدعاء؟ أكثر العلماء يعللون من باب تقريب الحكم والعلل في التشريع، يرون أن الحكم من ذكري وطلب المغفرة بعد خروجك من الخلاء، لما كان من سكوتك وصمتك وعدم ذكرك لربك في فترة مكثك في الحمام، لا تذكر الله -أكيد- في الحمام، فلربما جلست برهة من الزمن وأنت على حالة السكوت، فكان هذا يعد تقصيرًا في جنبك، فلما تخرج من الحمام تستغفر الرب جل وعلا، لما كان من عدم ذكرك لله، وأن هذه المدة قد ذهبت عليك سداء، فتسأل الله أن يتجاوز عنك هذا، الذي عليه كثير من العلماء ومن أهل العلم. مرتضى هذا التعليل، وأتى بتعليل آخر، ويراه أنسب وأليق في هذا المقام، وهو أن الداعي والذاكر من الخلاء، حين يقول: «غفرانك»، أي أطلب منك مغفرة يا رب، قال: إن هذا من باب الشيء بالشيء يذكر، إذ أن الداخل إلى الخلاء عندما يتخلص من الأذى، يتخلص من أذى الجسد، فعند خروجه من ذلك يسأل ربه جل وعلا أن يخلصه من مضرة الإثم والمعصية، كما خلصه ربه من أذية الجسد، يسأل ربه جل وعلا أن يخلصه من أذية الذنب والمعصية، والتي ليست بقدرة العبد وإنما بقدرة الله جل في علاه، فيطلب ربه ذلك فيقول: «غفرانك». وهذا الذي استحسنه الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى، ويراه صوابًا في هذا التعليل. كذلك من مسائل هذا الدعاء «غفرانك»، قال العلماء: إنما يؤتى به بعد الخروج من الخلاء، بعد الخروج من الخلاء. وقد مضى معنى أن في الخلاء لا يذكر الله، فأنت عندما تأتي بدعاء «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» يكون في الخارج ثم تدخل، وإذا أردت أن تأتي بدعاء الخروج أخرج أولًا، فإن خرجت قل: «غفرانك»، حتى لا تذكر الله جل وعلا وأنت في الحمام. وهذا الأمر كذلك يتنزل في حق من قضى الحاجة في الخلاء. قال العلماء: ومحل ذلك إذا قام من مقامه، وأراد أن يصرف من محله التي قضى فيه الحاجة، حينئذٍ يقول: «غفرانك»، يقول: «غفرانك». هذا إخواني في الله ما يتعلق بهذا المبحث من مسائل. كذلك من المسائل إخواني في الله التي يناسب ذكرها ونحن نتكلم عن دعاء الدخول ودعاء الخروج، ما يتعلق بصفة الدخول والخروج، والذي عليه العلماء ويقررونه في آداب دخول الخلاء: أن الداخل إلى الحمام إنما يدخل بالرجل اليسرى، وإذا أراد أن يخرج يخرج بالرجل اليمنى. وهذا الذي صرح به العلماء. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، تقدم فيه اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، قال: كالوضوء والغسل والابتداء بالشق الأيمن، قال: وندف الإبط، وكاللباس والانتعال والترجل ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء يكون الخروج بالرجل اليمنى، قال: ونحو ذلك، وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء وخلع النعال والخروج من المسجد. ذكر هذا رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى. ويهمنا ما قد سطره في بداية كلامه: أن هذا مما استقرت عليه الشريعة، وذلك من عمومات النصوص، في أن الداخل إلى بيت الخلاء عليه أن يقدم الرجل اليسرى، وإذا أراد أن يخرج فليخرج بالرجل اليمنى. وجد أدل على ذلك، لكن ما يذكره شيخ الإسلام من العمومات والأولى. كذلك من مسائل قضاء الحاجة يا عبد الله: عدم استخدام اليمين عند التطهر والتنزه والتمسح من الأذى من غائط أو بول، لا تستخدم اليمين وإنما هذا المقام إنما هو لليسرى. وقد وجلت على ذلك الأدلة الكثيرة، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه». لا تجعل هذا التمسح والاستجمار يكون باليمنى، وإنما هذا يكون في اليد اليسرى. ولهذا ثبت عند أبي داود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «وكانت يده عليه الصلاة والسلام اليسرى لخلائه وما كان من أذى». كانت يده يسرى عليه الصلاة والسلام لخلائه وما كان من أذى. فهذه مهمة اليد اليسرى. فتجد أحيانًا أن من بعض الناس من ربما لا يبالي، فتجده يستجمر أو يستنجي باليمين، وهذا مضر. قال علماء: أولًا هذا خروج للسنة التي أمرت أنك تبعد اليمنى، وهذا مهام اليسرى، فإذا عكست فوقعت في خلاف السنة وما نهى عنه نبيك. والأمر الثاني: أن هذا مضر، مضر يا عبد الله، تخيل أن رجلًا يستنجي ويستجمر ويتمسح بيده اليمنى، ثم بعد بهذه اليد منها يأكل ومنها يشرب، فكيف سيكون حاله؟ إما أنه لربما ستنفر يده، ستنفر من يده إذا أكل أو شرب، وخاصة وتذكر ما الذي قد فعل بهذه اليد، إما استقذار وإما كذلك دخول الأمراض تأتيهم من الأمراض. ولهذا كان من حكمة شرعنا الإسلامي أن الأكل باليمين، وتبعد عن أماكن الاستنجاء والاستجمار، وأن اليسرى لا تأكل بها وهي محل الاستنجاء والاستجمار، فلله الحكمة البالغة، فلله الحكمة البالغة. أخيرًا إخواني في الله، ولهذا يقول إمام النووي رحمه الله تعالى في هذه المسألة، مسألة عدم التمسح باليمين وإنما يكون باليسرى، قال إمام النووي: أجمع العلماء على أنهم منهيون من الاستنجاء باليمين، منهيون من الاستنجاء باليمين. وهذا شامل لحال قضاء الحاجة من غائط أو بول. مسألة أختم بها هذا المقام، ومن آداب قضاء الحاجة: عدم جواز الاستقبال والاستدبار للقبلة، القبلة وهي الكعبة المشرفة، أنت تعرف أين هي؟ أين موقعها؟ وكل في محله وموضعه يعرف القبلة، فإذا عرفت هذا الموطن وهذا الموضع وجهة القبلة، فأنت أثناء قضاء الحاجة حاول أنك لا تواجه القبلة، لا استقبالًا ولا استدبارًا، لا استقبالًا بأن تجعل وجهك إزاء القبلة وتقضي الحاجة، أو إدبارًا أن تولي ظهرك للقبلة وتقضي الحاجة، لا تفعل هذا لا استقبالًا ولا استدبارًا، لأن الشرع نهى عن ذلك لتعظيم الكعبة لتعظيم جهتها. فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: «قال ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة لغائط أو بول». نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول. وجاء مثل ذلك كذلك في الصحيحين من حديث أبي أيوب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا». شرقوا أو غربوا، لك الجهات الواسعة، إذا في أي جهة، لكن تتجه إلى اتجاه القبلة استقبالًا أو استدبارًا لا تفعل، فهذا منهي عنه. وقال العلماء: إن هذا الفعل لك أجر عليه، وذلك لما رواه الإمام الطبراني في معجمه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كانت له حسنة ومحيت عنه سيئة». كانت له حسنة ومحيت عنه سيئة. سبحان الله، مع أن عملية قضاء الحاجة هذا أمر فطري، ما من أحد إلا ويدخل في اليوم عدة مرات، فتخير أنت في هذه الفعلة تتحصل على أجر. قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة ومحيت عنه سيئة». رواه الطبراني وحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الترغيب والترهيب. وهنا مسألة وأختم بها المقام، تتعلق بهذا المبحث، إلا أن أكثر العلماء وهم الجمهور يرون في قضية الاستقبال والاستدبار التفصيل، وتفصيلهم يكون في الأمر الآتي ألا وهو: قال العلماء إن هذا النهي إنما يكون في حق من كان في الفضاء، أي من كان في العراء، أي من كان في مكان مفتوح، حينها لا تستقبل ولا تستدبر، أما من كان في مكان أو من يعبر عنهم بالبنيان، في حمامات في كنف في دورات للمياه، في أماكن عندك ساتر يسترك عن القبلة، حينها قال العلماء: فلا شيء في ذلك، لك أن تستقبل أو تستدبر. وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال: «ارتقيت على بيت حفصة -وهي أخته- قال: ارتقيت على بيت حفصة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر القبلة». مستدبر القبلة من خلفه، مستدبر القبلة يقضي الحاجة. عكس على ماذا حمل العلماء؟ حمل العلماء: إن النبي كان في بنيان. ولهذا أكثر العلماء على هذا التفصيل، يرون أن من كان في البنيان لا بأس في أن يتجه في أي جهة، لكن من كان في العراء، مثل أنت في رحلة في باص في سيارة في بحر في بر، فتريد أن تقضي الحاجة في مكان مفتوح، احرص على أنك لا تستقبل ولا تستدبر. مع التنبيه إخواني في الله على أن الأكمل والأفضل والأحسن أنك يا عبد الله لا تستقبل القبلة لا بغائط ولا بول في كل أمورك، في الأماكن المفتوحة وفي المبنية، هذا الأفضل، لأن هذا الأكثر عن رسول الله. وما سمعتموه من حديث ابن عمر إنما يُحمل على الجواز، لا بأس، ولكن الأفضل الأجر. وقد سمعتم الأجر أنك إن أعرضت عن القبلة حتى لا تواجهها لا بغائط ولا بول، ولا تستدبرها لك أجر. زد على ذلك أنك لا تعون على هذه المسألة، وعلى مذهب الجمهور، أنك ما يفعله بعض الناس يبني الحمامات عنده، يبني قطعة أرض يريد أن يبني أرض، فيخطط، فإذا خطط الحمام ويعرف أن مذهب الجمهور في مسألة قضاء الحاجة في الحمامات لا بأس أنك تستقبل أو تستدبر، فيجعل المعلم أو المهندس أن يجعل الحمام في إزاء القبلة، لماذا يا عبد الله تتعمد هذا وأنت عندك سعة؟ والمسألة الخلافية، وما ذكرته مذهب طائفة من العلماء، لأن من العلماء من يمنع منعا باتًا. فأنت يا عبد الله في سعة، فلا تضيق على نفسك فتأخذ بهذا القول، وفيه ما هو الأجر الأعظم والأكثر، لك الأجر من محي السيئات ومن زيادة الحسنات، إن أعرضت عن القبلة. هذا الأمر الأول. والأمر الثاني: أنت يا عبد الله اليوم قد قبلت هذا الرأي، لكن ماذا تقول في الغد لو تغير رأيك؟ ثم أصبحت ترى أنه لا يجوز حتى في البنيان، ماذا ستفعل؟ ستكسر، وهذا قد جرب، رأينا مساجد، رأينا بيوت كانت هكذا جهة القبلة، لأنهم يرون لا بأس بذلك، ثم لما تغيرت آراؤهم -وهذا علم شرعي تتغير آراؤهم- أتوا بالمطارق وكسروا كسروا الحمامات ورفعوا البلاط. طيب لماذا كان هكذا الأمر؟ فأنت في سعة، فالأفضل والأحسن، وهذا الذي هو الأليق بالمسلم أنه يبتعد عن مسائل الخلاف، من أراد أن يبني حمامًا فليجعل ما يسمى بالدرنش أو هذا الكرسي يكون لا مستقبل ولا مستدبر، ولكن شرقوا أو غربوا. هذا ما يذكر في هذا المقام. وبقي مسائل متعلقة بأداء بقضاء الحاجة تترك بإذن الله في درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.