الدرس في آداب قضاء الحاجة 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية آداب قضاء الحاجة في الإسلام وتنظيم حياة المسلم. يُظهر كيف تعكس هذه الآداب محاسن الإسلام وتفوقه على غيره من الثقافات.
يتناول المقطع الأماكن المنهي عن قضاء الحاجة فيها مثل طريق الناس وظلهم، الماء الراكد، ومجرى الماء. يُحذر من إلحاق الأذى بالناس في هذه الأماكن.
يستمر في بيان الأماكن المنهي عنها مثل قارعة الطريق والجحر، ويُفصل علة النهي عن البول في الجحر لوجود حيوانات قد تضر الإنسان نتيجة لذلك.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا اليوم بإذن الله، إخواني في الله، ندخل في أدب جديد من الآداب الإسلامية التي اعتنت بها الشريعة اعتناءً ظاهرًا، ألا وهو ما يتعلق بآداب قضاء الحاجة، أو ما يعبر عنه بآداب الخلاء. وتكمن أهمية هذا المبحث، إخواني في الله، من أنه ما من أحد إلا وهو يحتاج إلى الدخول لقضاء حاجته، لربما في اليوم الواحد عدة مرات. زد على ذلك أن هذا الأدب، إخواني في الله، من الآداب التي تجلت فيها محاسن الإسلام، وذلك لما فيه بيان أن الإسلام اعتنى بطهارة المسلم بتنظيفه وتنقيته من الأنجاس والأوساخ والأقذار. وإذا أردت أن تتعرف على هذه الحسنة من محاسن الإسلام، قارنها بغيرنا من دول الكفر، وخاصة في بلاد الغرب، والذين كانوا عما قريب من أوسخ الناس. في هذا الدين، احمد ربك يا عبد الله على محاسنه، أن أعطاك ما فيه التطهير والتنظيف لك. كذلك تجلت محاسن الإسلام من خلال هذا الأدب في أن الإسلام نظم حياة المسلمين بشكل عام، فما أنت محتاج لشيء، ففي جميع أبواب الدين والدنيا قد جامع الإسلام ما فيه التهذيب والعناية بأمورك وشؤونك، من ناحية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وما يتعلق بمدخلك ومخرجك، وبيعك وشرائك، حتى ما يتعلق بقضاء حاجتك، جاء الإسلام بهذه التعاليم حتى كانت محل دهشة عند الكفار. فقد قال يهودي لسلمان الفارسي: «إن نبيكم علمكم كل شيء حتى الخراءة». نعم، كل شيء قد علمنا منه نبينا صلى الله عليه وسلم. فهذا الأمر، إخواني في الله، من الآداب العظيمة التي ينبغي أن يعتني بها المسلمون. وإن هذا الأدب من الآداب التي احتوت على مسائل كثيرة، وحسبنا في مثل هذه المقامات أن نهتم بالأمور التي يحتاج إليها المسلم والمسلمة. نبدأ أولًا بالأماكن التي تقضى فيها الحاجة، مع ذكر الأماكن التي لا ينبغي أن تقضى بها الحاجة. وهذا أمر لربما غفل عنه أناس، فليس كل محل يا عبد الله أردت أن تقضي فيه الحاجة فعلت، لا، وإنما هناك أماكن منعت عنها، وهذا المنع جاء من جهتين اثنتين: من جهة الشرع، ومن جهة العرف. أما الأماكن التي منع عنها الشرع، فمنها ما يتعلق بظل الناس، وطريق الناس. وقد جاء النهي عن قضاء الحاجة في هذين المكانين، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام، من حديث أبي هريرة: «اتقوا اللاعنين»، قالوا: «وما اللاعنان يا رسول الله؟»، قال عليه الصلاة والسلام: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم». قوله عليه الصلاة والسلام: «اتقوا اللاعنين»، أي اتقوا هذا المكان الذي هو مدعاة للعن، لعن الناس عليك. تتوالى لعائن الناس عليك لماذا؟ لأن هذه الأماكن يتأذى منها الناس، والناس لربما انهالوا على من فعل هذا الفعل بالسب والشتم والذم واللعن. فالمكان الذي يمر منه الناس، سواء أعبرنا عنه بطريق أو أعبرنا عنه بممر أو أعبرنا عنه بشارع أو أعبرنا عنه بمطرق أو بدرب، كل ما كان من طريق الناس، إياك يا عبد الله أن تقضي فيه الحاجة، هذا لا يجوز، بل هو محرم. ويندرج تحت هذا كل ما كان على هذا المنوال، مثل رمي القمامة والزبالة في طريق الناس. فهذا يدخل في النهي، ولهذا هذا الأمر يتعلق بفئتين اثنتين: بفئة المسلم الذي أمر بإلقاء النجاسة أو بإلقاء قضاء الحاجة، أنه يبتعد عن قارعة الطريق ويبتعد عن طرق الناس. والخطاب الثاني لمن تحمل مسؤولية تنظيم الشوارع والطرقات، فهؤلاء كذلك عليهم أن يسارعوا إلى تنظيف هذه القمامات والزبالات، ولا يجعلونها مرتعًا تتجمع فيها الأوساخ والأنجاس والأقذار. الأمر الثاني هو قضاء الحاجة في ظل الناس، وظل الناس هو الظل الذي ينتفع منه الخلق. فلا تأتي عند الظل الذي اعتاد الناس على الجلوس عنده وتحته ثم تقضي الحاجة، هذا ما يجوز، بل هذا منهي عنه. وهنا مسألة وهي: ظل الناس هذا يحتاج إليه الناس في الصيف، لكن في بعض الأماكن في الشتاء يتخذون أماكن يتشمسون فيها. فهل يجوز أن تقضي الحاجة في أماكن التشميس؟ الجواب: لا، لا يجوز، لأن العلة واحدة، وهو محل تجمع الناس. وقد قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: «وهذا قياس جلي، كما أن الظل لا يجوز أن تقضي الحاجة عنده، فكذلك أماكن التشميس لا يجوز أن تقضي الحاجة عندها، لأن كل ذلك فيه تجمع للناس وأذية لهم». فالمقصود، إخواني في الله، أن الظل الذي ينتفع الناس منه لا يجوز أن تقضي الحاجة عنده. لكن إذا كان هناك ظل لا ينتفع منه الناس، فلك أن تقضي الحاجة تحته. يدل على ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه قال: «كان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل». هذه الأماكن من أحب الأماكن التي كان نبينا يقضي الحاجة عندها. المكان الثالث، إخواني في الله، من الأماكن التي لا ينبغي أن تقضي الحاجة فيها هو الماء الراكد. ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه». وفي لفظة: «نهى رسول الله عن البول في الماء الراكد». فالماء الراكد والماء الدائم لا يجوز أن تبول فيه، وأعظم من البول أن تقضي الحاجة فيه، لا يجوز. وكذلك مجرى الماء، ثبت في السنن عند أبي داود وعند ابن ماجة من حديث معاذ بن جبل قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل». المكان الخامس هو الجحر، وهو ما تحفره السباع والهوام لنفسها. فبعض الناس لربما يأتي ويبول داخل الجحر، هذا لا يجوز. وقد ثبت ذلك من حديث عبد الله بن سرجس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الجحر». رواه الحاكم وصححه، وصححه الشيخ ابن هادي الوادعي رحمه الله. وقد علل العلماء هذا النهي بعلة كثيرة، منها: لعلك عندما تبول في الجحر قد يكون فيه هامة، فيه حية أو ثعبان، فربما إذا وجد من أثر البول خرج عليك وقفز وأنت لا تشعر، وقد يكون هذا في ظلمة. إلى هذا الحد نكتفي، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.