الدرس في شرح العقيدة الواسطية 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش صفة المحبة لله تعالى مستشهدا بالآيات القرآنية، ويوضح تفاوت محبة الله لعباده حسب أعمالهم. يفرق بين ما يصح إضافته لله من ألفاظ المحبة وما لا يصح.
يشرح بعض الآيات القرآنية التي تشير إلى صيغ العموم وتعليل الأمر بالإحسان، ويتطرق إلى تفاوت الناس في باب الإحسان ومحبة الله لهم. يشرح معنى التوبة ومحبة الله للتوابين.
يشرح معنى اسم الله التواب ويبين أنه يعني تعيين العباد على التوبة وقبول توبتهم، ومعنى اسم الله الودود وتفسير العلماء له. يتناول محبة الله لعباده واستدلال أهل السنة بآيات القرآن.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: انتهينا يا خوانا في الله في مسألة الإرادة، وانتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى صفة أخرى من صفات الله، وهي صفة المحبة. قال: وقولوا تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، قال: ﴿وَأَقْصِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، قال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُفُورُ﴾. فالمحبة من الصفات الثابتة لله جل وعلا، فالله يحب من يشاء من خلقه وعباده. فهو كما رأيت من الآيات يحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب المتقين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله. فالله يحب، وهذا الفعل مضاف إلى الله، فالله عز وجل يحب، ومثلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، المحسن يحبه الله عز وجل، ويحب المتقين، لماذا؟ لما كان من أعمالهم، يحبهم الله عز وجل، ومتثالهم يعمل عملا صالحا يكون محل رضا الرب ومحبة الرب. هذا المؤمن، الكافر ليس له حظ من محبة الله، فالله لا يحب الكافرين. بقي من كان مسلما عاصيا، خلط عملا صالحا وآخر سيئا، كيف يكون هذه علاقته معه؟ فهذا يحب من وجه، وما كان من إيمانه بالله، وكذلك هذا الرجل يبغض من وجه لما كان من معصيته وتمرده على ربه. وبهذا نعلم أن محبة الله لعباده تتفاضل، تتفاضل، فليست محبة الله واحدة لجميع خلقه، بل تتفاضل على حسب أعمالهم. فمثلا محبة الله سبحانه وتعالى لإبراهيم عليه السلام، ولنبينا أعظم محبة، جعلها الله لإبراهيم ولنبينا عليهما السلام. ومما يدلك على عظيم محبة الله لهما أن الله عز وجل عبر عن هذه العلاقة بالخلة، عبر عنها ربنا جل وعلا بالخلة، والخلة تعتبر من أعلى مراتب المحبة، الخلة تعتبر من أعظم مراتب المحبة. فهذا يدلك أولا على أن المحاب تتفاوت، ما كان من محبة الله لعباده تتفاوت، فمنهم من بلغ عند الله المحبة العظمى كحال إبراهيم ونبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا يجرنا إلى مسألة، إخواني في الله، أن نعلم أن المحبة لا أقول في أشخاصها، لا في ذاتها، المحبة عبارة عن درجات وعبارة عن مراتب. فهل كل أنواع المحبة تثبت لله؟ يعني بعض الناس المبتدعة يقولون: إذا كان في إثبات المحبة لله عز وجل، إذن نثبت جميع مردفات المحبة، نثبتها لله، هل هذا صواب؟ الجواب: لا، غلط، ليست كل مفردات المحبة تضاف إلى الله وتجعل صفة من صفات الله. ما نثبته من مردفات المحبة إلا ما أثبته الله لنفسه. المحبة، إخواني في الله، درجات، هناك الخلّة، هناك العشق، هناك الهوى، هناك التتيّم، أنا بك متيّم، هذه الأوصاف تبقى ثمان درجات ونحو ذلك، عددها العلماء في أهل التربية والسلوك والتعاملات، كلها من درجات المحبة. كل هذا: العشق محبة، الهوى محبة، الخلّة محبة، التيم محبة، العلاقة، أنا متعلّق بك، هذه محبة. طيب، هل معنى هذا أن كل ذلك يثبت لله؟ يقال: لا، ما يثبت كل ذلك لله، الذي جاء في شرع الله عبارة عن ثلاثة أشياء: المحبة، والخلة، والود. المحبة، والخلة، والود، المودة نوع من وعي المحبة، وهي من درجاتها، هذه ثابتة لله فقط، هذا الذي نثبته لله. ﴿وَمَا عَدَى ذَلِكَ لَا يُثْبَتْ﴾. فلا يقال مثلا أحد يعبر أن الله يعشق عباده، أو يقول بعضهم: أنا عاشق لله، ما يجوز، هذه العلاقة. أو يقول: أنا في هوى الله، كما يعبر بعض في كرامات المتصوفة، يقول: فلان في هوى ربه، في هوى ربه، يعني أراد بالهوى درجة من درجات المحبة، يقول: هذا لا يجوز التعبير، لا تعبر بهذا التعبير، هذا تعبير باطل. هذا كثير ما يفعله المبتدعة: الهوى والعشق، وإنما الذي يضاف إلى الله عز وجل من صفات هذا الباب، هذه الألفاظ الثلاثة: المحبة، والخلة، والود. سيجعل لهم الرحمن مدى، صفة المحبة، إخواني في الله، من الصفات الثابتة لله، وما أنكرت إلا على يد المبتدعة. ويذكر العلماء أن أول من أنكر صفة المحبة هو جعد بن درهم، هو جعد بن درهم، هو أول من أنكر صفة المحبة، وقد كان في مكة، فأنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، فأنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، أو أنه أول من أظهر إنكار هذه الصفة، أنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، أن الله أحب إبراهيم، لا أنكر هذا. فقام خالد القسري، وقد كان والي مكة حينها، بقتله. ثم قام جهم بن صفوان، وأخذ نفس المسألة، وأنكر الصفات عموما، ومنها صفة المحبة. قام جهم بن صفوان من بعد جعد، أخذ هذه المسألة، ومن هو أعم منها، أنكر جميع الصفات، كذلك نال جزاءه، فقتل، قتله سلم بن أحوز، أو أحوذ، سلم بن أحوز، أو أحوذ، ولي خراسان، هذا الرجل قام بقتل جهم. ثم ما بطل المبتدع على هذا من المعتزلة والأشاعر، ساروا على هذا، لكن ما أنكروا صفة كلية، لا، لكن أولوها، أولوها. فعندهم أن الله لا يحب، لا يحب، وإنما المحبة هنا لها تأويل، لها تأويل. لنا قد يقول قائل: إذا أنتم تقولون بأن الله لا يحبك، كيف ستفعلون مع هذه الآيات؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، هذه آيات محكمة، كيف تفعلون معها؟ قالوا: لا، هذه الآية صحيحة، هذه آية قرآنية، لكن ما معنى المحبة هنا؟ هنا يدخل التأويل، يدخل التحريف، فيقولون: أن معنى المحبة هنا هي بمعنى الإنعام والإكرام والإحسان، هكذا يفسرون المحبة بمعنى الإكرام والإنعام. إذا فتحت بعض الكتب التفاسير التي يفسرها من عنده لوثة أشعرية، تجد هذا، مثل التفسير الجلالين، اقرأ تفسير جلالين عند آيات المحبة، تجد مثل هذه العبارات: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، أن ينعم عليهم، ينعم عليهم، يحسن إليهم، يكرمهم، ما يذكر لك يحبهم، لا، ما يثبتون صفة المحبة، يبعدون هذه الصفة عن الله، فيتأولونها بما سمعت. والمعتزلة كذلك: ﴿يُحِبُّ اللَّهُ كَذَا﴾، بمعنى ينعم، بمعنى يكرم، يأتون بأثر الصفة، بأثر الصفة، فلا يأتون بالصفة، كل ذلك هروبا منه من إثبات صفة المحبة، لماذا؟ يقول: أن هذه الصفة إذا أثبتناها شبهنا الله بخلقه، وغير ذلك من الشبه. طيب، إذن هذا، إخواني في الله، مقدمة سريعة في مسألة المحبة، نأتي الآن إلى تفسير الآيات التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾، هو الأمر بالإحسان، الأمر بالإحسان، أمر الله بالإحسان. وأحسنوا، طيب، أين المعمول؟ أين المعمول؟ نحسن مع من؟ نحسن مع من؟ قال: الله، ربنا: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾، من يا رب؟ أحسن مع نفسي، وأحسن مع والديك، وأحسن مع إخوانك، وأحسنوا. إذا وجدت يا عبد الله مثل هذه النصوص القرآنية أن المعمول لها مفعولها يحذف، اعلم أن القصد من ذلك العموم، القصد من ذلك العموم، أي أن الله يأمرك بالإحسان مع كل أحد. وأحسنوا، وأحسنوا، تحسن مع نفسك، نعم، تحسن مع إخوانك، نعم، مع قرابتك، نعم، مع والديك، نعم، تحسن مع كل من أمرك الله بالإحسان معه، فهذه من صيغ العموم. قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ﴾، إن حرف توكيد ونصب، لكن هنا مسألة، فائدة كذلك، تعتبر من القواعد المفيدة في علم التفسير، أن هذا الحرف: إن، إن جاء، يعني رأيته بعد أمر أو نهي، اعلم أن القصد منه تعليل، القصد منه تعليل. وأحسنوا لماذا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فإذا وجدت أمر ثم بعده إن، وجدت نهي ثم بعده إن، فإنما بعد إن تعليل، تعليل، لماذا أنا أحسن؟ لأن الله يحب ذلك، لأن الله يحب ذلك. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾، يحب فعل مضارع، ففيه إثبات هذا الفعل لله، والفعل مأخوذ من مصدر أحب، يحب، محبة، إذن نثبت الفعل ونثبت المصدر، فنثبت أن الله يحب، ونثبت المحبة، نثبت الفعل ونثبت المحبة. فالله عز وجل يحب سبحانه، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فمن أحسن مع الناس، من أحسن مع نفسه، من أحسن مع خلق الله، فالله عز وجل يحبه. طيب، الناس، إخواني في الله، في باب الإحسان، هل كلهم سواء؟ أنا محسن، أنت محسن، أنت محسن، ذاك محسن، الكل يحسن، نحرص على الطرق باب الإحسان، السؤال: هذا الباب باب الإحسان، هل الناس كلهم سواسية فيه؟ الجواب: لا، الناس يتفاوتون. طيب، فكيف تكون محبة الله ونحن في باب الإحسان نتفاوت؟ فيقال: بأن الله يحبنا على قدر إحساننا، الله عز وجل يحبنا على قدر إحساننا، فمن عظم إحسانه كثرت محبته، ومن قل قلت. بهذا تعلم أن صفة المحبة تتفاوت، أنها تتفاوت، فهي ليست درجة واحدة. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، كذلك ما ذكر في المسألة الأولى من الأحكام. وأقسطوا، أي الأمر بالعدل، هو أمر بالعدل. وأقسطوا، نقصط مع من؟ ليس عندي المعمول، إذا ماذا يفيد؟ العموم، أي نقصط مع كل أحد، نقصط مع كل أحد، مع القريب، مع البعيد، مع الصديق، مع الغريب، مع الجار، مع الزميل. إن ماذا تفيد؟ الحرف إن بعد الأمر ماذا يفيد؟ التعليل، لماذا نقصط؟ لأن الله يحب، يحب، هذه الصفة، يحب هؤلاء. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾، في إثبات لصفة ماذا؟ المحبة، بأن الله يحب. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، هنا في قول تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا﴾، ما هنا شرطية، ما هنا شرطية، بمعنى: إن استقاموا لكم فاستقيموا لهم، ما هنا شرطية، فيكون معنى الآية: إن استقاموا لكم فاستقيموا لهم، يكون الجزاء من جنس العمل. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، وما هي التقوى؟ التقوى كما يقول العلماء: اسم جامع لطاعة الله واجتناب معصيته، اسم جامع لطاعة الله واجتناب معصيته، وهي أصلها من الاتقاء، أنك تتقي، فتطلق التقوى على هذا، اسم جامع لطاعة الله واجتناب معصيته. ولما كان الناس، إخواني في الله، في باب التقوى يتفاوتون، يتفاوتون تفاوتاً عظيماً، كانت محبة الله فيهم تتفاوت، كانت محبة الله فيهم تتفاوت. قال رحمه الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، إن الله، توكيد، توكيد، توكيد، توكيد، هذا الفعل. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾، يحب، من سبحانه، يحب التوابين، التواب، صيغة مبالغة، صيغة مبالغة، من تائب، تائب، فهو التواب، اسم فاعل من ماذا؟ من التوبة، اسم فاعل من التوبة، فهو كثير ما يرجع، كثير ما يرجع إلى ربه، يتوب ثم يتوب، هذا التائب يتوب، يتوب، فتكرر منه التوبة، فالله يحبه. وهذا مسلك تربوي، يا عبد الله، هذا مسلك تربوي، الإنسان في هذه الدنيا هو حَرِبٌ للخطأ والزلل، فهذا ربما يقع في زلة، فيتوب، يقع في زلة، فيتوب، يقع في زلة، فيتوب. فقد يقول بعض الناس: إلى متى؟ فيتيه الشيطان، ويقول: تسأل هذا السؤال، يا ما تستحي على شرفك، تضيع، إلى متى أنت منافق؟ هكذا يجيب الشيطان، تتوب ثم تتوب، ما تستحي، يا أخي، خلاص، يا أخي، خرج، خرج، خرج، خرج من هذا المضمار، أنت مضمارك هناك مع الصالحين، هناك، هذا مقامك. ولهذا كم نرى، إخواني في الله، من كثير من أهل الصلاح، من ربما يسقط في هذه الدوامة، أن الشيطان استزل له، لكثرة ما يقع من معصيته، مع وجود التوبة، يلمزه بالنفاق، بأنك منافق، ما تصلح أن تماشي الصالحين، بل حتى تقول: عيب، تقول: يا رب اغفر لي، ما تغفر لك ربك، خلاص، أخي، أنت حقيقة أمرك مريض. وهذا، إخواني في الله، من مداخل الشيطان على الإنسان، أن يغلق عليه باب التوبة. والله عز وجل بالعكس، لا يعد هذا نفاقا، بل يعد هذا توبة وإنابة، وهي من أعظم الأعمال المحبوبة عند الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾. وكما جاء في الحديث في البخاري: «إن العبد إذا أذنب ذنبا، يقول: يا رب إني أذنبت ذنبا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». قال رسول الله: «فغفر الله له». ثم أذنب ذنبا، عود الكرة، قال: «يا رب إني أذنبت ذنبا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي». «فغفر الله له». ثم أذنب مرة أخرى، قال: «يا رب إني أذنبت ذنبا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي». قال رسول الله: «فقال الله: اعمل ما شئت، قد غفرت لك». هل معنى ذلك: اعمل ما شئت أنك تستمر في المعاصي؟ لا، استمر على هذا المنوال، وهو الانكسار بالتوبة، الانكسار بالتوبة، بالتوبة الصحيحة، طبعا التوبة المختصة، التوبة الصحيحة، بشروطها، بضوابطها، من الندم، الإقلاع، عدم العودة، هذه التوبة الصحيحة. الواحد يتوب من معصيته توبة صادقة مع الله، ثم ما يجد إلا وقد زلت قدمه في ساعة ضعف إيمانه، وقوي عليه شيطانه، عليه أن يتوب، فإن تاب غفر الله له، ثم يتوب غفر الله له. فما دام هذا حالك: ذنب مع توبة، ذنب مع توبة، ذنب مع توبة، فإنك يا عبد الله محل مغفرة الرب عز وجل، فالله عز وجل يغفر لك. طيب، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، تابا هو الرجوع من شيء لشيء، هذا في اللغة العربية، الرجوع من شيء إلى شيء، مثل ماذا؟ مثل كلمة: ثابا، ثابا، مثل كلمة: آبا، فعندي: تابا، ثابا، آبا، هذه الكلمات معانيها متقاربة، وهو الرجوع. يقول: فلان ثابا إلى رشده، أي عادا إلى رشده، فلان آئب إليكم، أي عائد إليكم، راجع إليكم، ثابا، تابا، آبا، هذه كلها مردفات لمعنى ماذا؟ الرجوع. طيب، إذن التواب هو الذي تقع منه التوبة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾. ومن أسماء الله: التواب، فما معناها؟ فعندي الآن قلنا: أن التواب، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، هو اللي التائب يعود من معصية إلى توبته، إلى طاعة ربه، هذه توبة، هذا تائب. ومنه التواب: كثير التوبة. طيب، من أسماء الله: التواب، ما معناها؟ انتبه هنا في أسماء الله تحترف الأمور. قال علماء: من أسماء الله التواب سبحانه وتعالى، وتعلق هذا الاسم من جهتين، تعلق هذا الاسم في العبد، تعلق هذا الاسم في عبد من عباده، يكون قبل الذنب وبعد الذنب، أو قل: قبل التوبة وبعد التوبة، هذا أفضل، قبل التوبة وبعد التوبة. فالله تواب على عباده، أو قل: الله تواب على عبده، يكون هذا الاسم يظهر في جهتين اثنتين من عبده، إما من جهة قبل التوبة، فالله تواب على عبده، كيف يكون قبل التوبة؟ أن الله يعينه على التوبة، فالله تواب بمعنى يعينك على التوبة، ما يكون من رجوع الناس إلى ربهم، توبتهم وأوبتهم، إنما هذا من الله عز وجل، هو الذي يسر، هو الذي أعان، هو الذي أخذ بقلبك، وهو الذي ماذا؟ أخذ بجبهتك وبجبينك إلى مرضاته دائما، فتجد هذه التوبة، هذه التوبة، جاءت من عند الله عز وجل، لماذا؟ لأن الله وفّقك إليها، فهذا هو من جهة اسم التواب، أن الله يعين عباده على التوبة. والجهة الثانية في التوبة من اسم التواب: أن الله يقبل التوبة من عباده، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، كلما العبد أذنب فتاب، قبل الله توبته، كلما أذنب تاب، قبل الله توبته، قبل الله توبته، قبل الله توبته. هل لهذا حد كما سمعتم؟ ما هناك حد، يمضي، لو أذنب مئة ذنب وتاب توبة النصوح على كل ذنب، فالله عز وجل يقبل توبة، فهو التواب سبحانه، فهو التواب. قال: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وهو التطهر، وهو التطهر من أنواع النجاسات الحسية والمعنوية، من حرص على التطهر، النجاسات الحسية، مثل النجاسات العينية، كالبول والدم، على قول من يقول بنجاسته، أو كذلك البراز، هذه نجاسات حسية، فمن كان يمتثل هذا الباب من غير وسواس، من غير وسوسة، هذا مرض، لكن يتطهر من النجاسات، فالله يحبهم. أو تطهر من النجاسات المعنوية، من الحقد والحسد والضغينة والشحناء والبغضاء، فالله كذلك يحبهم. قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، هذه الآية نزلت في وفد نصارى نجران، هذه الآية نزلت في وفد نصارى نجران، عندما زعموا أنهم يحبون الله، حين زعموا أنهم يحبون الله، فقال الله لنبيه، مخاطباً لهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، المحبة ليست الدعاء، المحبة ليست الدعاء، وإنما عمل، برهان، ومن البراهين التي تدل على صدق محبتكم لربكم باتباعي، أي باتباعي رسول الله عليه الصلاة والسلام. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، أي أنكم باتباعكم لي، باتباعكم لي، ليس فقط أنكم وقع الذي تريدون، أنكم تحبون الله، بل إن الله يحبكم. ولهذا من العبارات السلف التي اشتهرت عنهم، قالوا: «ليس الشأن أن تحب، ولكن الشأن أن تحب». ليس الشأن أن تحب، ولكن الشأن أن تحب، هذا الشأن، هذا الأصل، هذا المهم، ليس المهم أنك تحب، هذا ليس مهم، أعظم من ذلك أهمية، وهو أنك تحب، أنهم يحبونك، أنهم هم يحبونك، هذا الأهم. فكم من الرجل يدعي أنه يحب لرسول الله، لكن هل رسول الله يحبه؟ كم من شخص يدعي أنه محب للدين؟ هل الدين يحبه؟ كم من أحد يدعي أنه يحب الله؟ هل الله يحبه؟ ليس الشأن أن تحب، لكن الشأن أن تحب. وفي هذه الآية إثبات لماذا؟ لصفة المحبة، ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، هذه الآية استدل بها أهل السنة والجماعة على أن الله يحب ويحب، هذه الآية استدل بها أهل السنة على أن الله يحب ويحب، فهناك علاقة بين الله وبين عباده، فالله يحب عباده، وعباده يحبونه، ما الدليل على هذه العلاقة؟ هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، صفتهم يحبهم هو، ويحبونه هم، فتبادل في العلاقة، هذه عقيدة يذكرها أهل السنة، وهي من صميم اعتقادهم في مسألة المحبة، أن الله يحب ويحب. المبتدع خالف، المعتزلة والأشاعر خالفوا، نأتي إلى المعتزلة، ماذا قال المعتزلة؟ المعتزلة قالوها صراحة، قالوا: الله لا يحب ولا يحب، الله لا يحب ولا يحب، هذا قول معتزلة، الله لا يحب خلقه، وخلقه ما يحبون الله، ما تتم هكذا العلاقة. الأشاعر وافقوا في أمر وخالفوا في أمر، الأشاعر قالوا: بأن الله يحب ولا يحب، الأشاعر قالوا: بأن الله يحب ولا يحب. وأهل السنة بأن الله يحب ويحب، فهذه ثلاثة فرق في هذه القضية. الأهل السنة انتهينا، كلام واضح، بدليل الكتاب والسنة، ما في أي إشكال في مذهبهم، الله يحب ويحب. الثانية: المعتزلة، قالوا: بأن الله لا يحب، هذا قد مر معنا، ينكرون صفة المحبة، وماذا يفسرون آيات المحبة؟ بأن الله يحب الصالحين، يحب المتقين، يحب المتطهرين، على ماذا يفسرونها؟ على أن الله ينعم، الله يحب المتطهرين، ينعم على المتطهرين، الله يحب التوابين، يكرم التوابين، فالمعتزلة والأشاعر كلمة: أن الله يحب كذا، بمعنى ينعم، يكرم، يحسن. وأما أن الله لا يحب، طيب نقول لهم: طيب، فكيف تقول مثل هذه الآية؟ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، أخبر ربنا أن هذه الطائفة هم يحبون الله، فما تقول يا معتزلة؟ وأنتم تصرحون بأن الله لا يحب. قالوا: نعم، المقصود بأن الله يحب، أي أن هؤلاء يحبون دينه، ويحبون طاعته، ويحبون أوامره، أولوها، فما عندي أن عبد يحب الله، يحبه سبحانه ذاتا، لا، وإما يحب دينه وطاعته وما كان من نحو هذه الكلمات. فالمعتزلة أغلقوا باب المحبة، فالعبد يحب الله بمعنى يحب دينه وشريعته وأوامره، والله يحب عباده بمعنى يكرمهم ويعطيهم، هل عندي محبة؟ ألغوها، المحبة عندي فقط اسم، لكن المعنى خاوي وعاري، هذا المعتزلة. أما الأشاعر، على المنوال الأول، قالوا: بأن الله يحب عباده، لا، لا، ما نثبت صفة المحبة، فقالوا: الله يحب عباده كما قال المعتزلة: يكرمهم، يحسن إليهم، يمن عليهم، يغدق عليهم، يثبتون بالأثر، وأما أن العبد يحب الله، قال: ما في مانع، هم وافقوا في هذا، قال: ما في مانع، عبد يحب ربه، ما في إشكال، لا بأس في هذه القضية، وافقوا. فالأشاعر وسط، فقالوا: أما الله يحب عباده، لا، وأما العبد يحب ربه، قال: ما في شيء، قال: لأن المحبة في صفة قائمة في العبد، ما عندنا مشكلة في هذا الموضوع، ما عندنا مشكلة في هذا الموضوع. فهذه كلام المعتزلة والأشاعر، وعلمت ما يتعلق بقول أهل السنة والجماعة. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، في إثبات لصفة المحبة، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾. ثم قال: والآية الأخيرة: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، وهو الغفور الودود، الودود اسم من أسماء الله، اسم من أسماء الله، وهذا الاسم أصله من التودد والمودة، أصله من التودد والمودة، وهي من درجات المحبة التي تثبت لله، كما قلنا في هذه الدرجات من درجات المحبة، تثبت المحبة والخلة والمودة. فربنا من أسمائه الودود، وهو الغفور الودود. وأصله من التودد والمودة، فما معنى الودود؟ أكثر العلماء يميلون إلى أن ودود هذا الاسم، وهو وزن فعول، بمعنى ودود، بمعنى واد، أي بمعنى فاعل، ودود بمعنى فاعل، أي أنه ماذا؟ واد، أي أنه يود عباده، يود عباده، بمعنى يحب عباده، بمعنى واد، فهو ودود بمعنى محب، بمعنى محب. وهذا يقول إمام الطبري في تفسيره عند هذه الآية: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، قال: هو ذو المغفرة، هو ذو المغفرة لمن تاب إليه، وذو المحبة له، وذو المحبة له، أي أنه يود غيره، يودهم، بمعنى يحبهم. فهناك ودود، وهو وزن فعول، يأتي بمعنى فاعل، أي واد، أي يود غيره سبحانه وتعالى، أي يحب غيره. ومنهم من قال: وهذا قول كذلك يذكر عن أهل السنة، أن ودود ليس المغفرة بمعنى الفاعلية، بل معنى المفعولية، فيكون هنا ودود بمعنى مودود، على معنى مفعول، مودود. ما معنى مودود؟ هنا سيكون إذا قلنا: أن اسم الودود بمعنى مودود، بمعنى أن الود وقع عليه، الود وقع عليه، بأن الله يتودد عباده إليه، يتودد عباده إليه، إليه، ويتقربون إليه بالمحبة والود، فدل هذا الإسم على منطلق دعوة أهل السنة والجماعة، أن اسم: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، وهو مأخوذ من المودة والتودد، إما أن يكون بمعنى الفاعلية، أو بمعنى المفعولية. فإن حمل على معنى الفاعلية، بمعنى أن الله عز وجل هو الذي صدر منه فعل الودود، فهو واد، بمعنى يحب. وعلى المعنى الثاني: أن الودود مأخوذ على معنى المفعولية، بمعنى أنه مودود، أي أنه يود، يود، أي يحب. فعلى هذا القول، وعلى هذا القول، نأتي إلى القاعدة التي سبقت سمعتموها: بأن الله يحب ويحب، يحب ويحب، فهو يود ويود سبحانه وتعالى. وهذا طبعا لا يقول به إلا أهل السنة، وأما ما سمعتموه من المعتزلة والأشاعرة، فإنهم لا يقولون بهذه العلاقة. هذا، إخواني في الله، خلاصة ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من آيات حول مسألة المحبة إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.