الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 90، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المؤلف أحاديث نسبت إلى النبي محمد حول محبة العرب ويشكك في صحتها بسبب ضعف رواتها. لا توجد أحاديث صحيحة في هذا الباب عن النبي، بينما قد توجد آثار عن الصحابة.
يناقش حديث سلمان الفارسي الذي يدل على تفضيل العرب لاختيار النبي لهم للإمامة، واستعراض آراء الفقهاء في دلالة الحديث على الكفاءة في النكاح وتقديم الأفضل في الصلاة.
فضل العرب يعود إلى كونهم أكثر علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، وليس لذواتهم، وإنما لأوصافهم وأخلاقهم وأعمالهم، ويظهر هذا الفضل في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، ذكر مؤلف شيخ الإسلام مسألة محبة العرب، كذا ذكر بعض الأحاديث التي ذكرها حرب الكرماني، لكنها ضعيفة. من ذلك حديث جابر بن عبد الله قال: وقد جاء ذلك مصرحا في حديث آخر رواه الطاهر السلفي في فضل العرب، من حديث أبي بكر بن أبي داود. قال: حدثنا عيسى بن حمد زغبة، وعيسى بن حمد اعتبر حافظ، قال: حدثنا علي بن الحسن الشامي، وهذا هو آفة هذا الحديث، قال: حدثنا خليد بن دعلج، وأيضا خليد فيه ضعف، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن جابر، والحسن أيضا لم يسمع من جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حب أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهما من الكفر، وحب العرب من الإيمان، وبغضهم من الكفر». وهذا الحديث لا يصح. قالوا: قد احتج الحرب الكرماني وغيره بهذا الحديث، ذكروا لفظه: «حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق وكفر». وهذا في مستدرك الحاكم، لكن أيضا لا يصح. قال: وهذا الإسناد وحده فيه نظر، لكن لعله روي من وجه آخر. وإنما كتبت لموافقته معنا حديث سلمان، فإنه قد صرح في حديث سلمان بأن بغضهم نوع كفر، ومقتضى ذلك أن حبهم نوع إيمان، فكان هذا موافقا له. وكذلك قد رويت أحاديث النكارة ظاهرة عليها، مثل ما رواه الترمذي من حديث حصين بن عمر، وحصين بن عمر أحمسي وهو ضعيف جدا أو متروك، عن مخرق بن عبد الله، عن طارق بن شهاب، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنلهم مودتي». قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حصين بن عمر الأحمسي، عم مخارق، وليس حصين عند أهل الحديث بذاك القوي، بل هو متروك الحديث، كما قال الحافظ. قال البخاري: منكر الحديث. هذه تدل على ضعفه. قال: قلت: هذا الحديث معناه قريب من حديث سلمان، فإن الغش للنوع، وحديث سلمان أيضا كما ذكرنا أنه ليس صحيحا. حديث سلمان أيضا فيه ضعف، فقابوس بن أبي ظبيان فيه أيضا ضعف، عفو النساء وغيره، فلهذا فحديث سلمان أيضا فيه ضعف. وهذه الأحاديث الشواهد كلها لا يصح منها شيء، وأكثرها ضعيف. قال: قلت: هذا الحديث معناه قريب من حديث سلمان، فإن الغش للنوع لا يكون مع محبته، بل لا يكون إلا مع استخفاف أو مع بغض، فليس معناه بعيدا. لكن حصين هذا الذي رواه قد أنكر، قد أنكر أكثر الحفاظة حديثه. قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال ابن مدين: ليس بالقوي. روى عنه مخارق عن طارق حديثا منكرا. وقال البخاري وبزار: منكر الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف جدا. ومنهم من يجاوز به الضعف للكذب. وقال ابن عدي: عامة حديثه معاضين ينفرد عن كل من روى عنه. قلت: ولذلك لم يحدث أحمد ابنه بهذا الحديث في الحديث في المسند، فإنه قد كان كتبه عن محمد بن بشر عن عبد الله بن عبد الله بن الأسود عن حصين، كما رواه الترمذي، فلم يحدثه به. وإنما رواه عبد الله عنه في المسند. وجادة، وجادة معنى يقول: وجدت في كتاب أبي كذا. وكان أحمد رحمه الله على ما تدل عليه طريقته في المسند، إذا رأى أن الحديث موضوع أو قريب من الموضوع لم يحدث به. ولذلك ضرب على حديث رجال فلم يحدث بها في المسند، معنى كانت في المسند ثم لم يحدث بها، مثل الحديث قائد بن فائد، فإنه لم يحدث بها، أو أمر بالضرب عليها، أمر بمسحها من المسند. قال: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». وتقرأ أيضا الكاذبين، أنا بالجمع والمثنى. قال: وكذلك روى عبد الله بن أحمد في مسند، قال: حدثنا إسماعيل أبو معمر، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن زيد بن جبيرة، وزيد بن جبيرة هذا أبو جبيرة أيضا متروك، وهو آفة هذا الحديث، عن داود بن حسين، عن عبيد الله بن رافع، عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبغض العرب إلا منافق». وزيد بن جبيرة إن له منكر الحديث، وهو مدني، ورواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين مضطربة، على إذا روى إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين، وخاصة عن العجازيين، فروايته منكرة، ضعيفة جدا. قال: وكذلك رواه أبو جعفر محمد بن عبد الله الحافظ الكوفي المعروف له مطين، وهذا حافظ من حفاظ أهل الكوفة، يقال له مطين، وهو محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ، قال رحمه الله: قال حدثنا العلاء بن عمر الحنفي، وهو متروك، قال: حدثنا يحيى بن يزيد الأشعري، وهو أيضا ضعيف، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي. وهذا الحديث مشهور، لكنه لا يصح. قال الحافظ السلفي: هذا حديث حسن. قال: فما أدري أراد حسن إسناده على طريقة المحدثين، أو حسن متنه على الاصطلاح العام. والظاهر هذا، لأنه من ناحية إسناده فهو لا يصح، فيه رجل متروك، ورجل ضعيف. قال: وأبو الفرج بن الجوزي ذكر هذا الحديث في الموضوعات، وقال: قال العقيل: لا أصل له. وقال ابن حبان: يحيى بن يزيد يروي المقلوبات عن الأثبات، فبطل الاحتجاج. والله على أن كل هذه الأحاديث لا تثبت في أن محبة العرب لها شيء في الإيمان. والصحيح أنه لم يثبت شيء في هذا الباب عن النبي عليه الصلاة والسلام. ممكن عن الصحابة، لكن عن النبي لم يثبت شيء مما يدل على فضل العرب أو على محبتهم. قالوا أيضا في المسألة ما روى أبو بكر البزار، قال: حدثنا إبراهيم سعيد الجوهري، وهو حافظ كبير، قال: حدثنا أبو أحمد، وهو الزبير أيضا من أصحاب سفيان الثوري، قال: حدثنا عبد الجبار بن العباس. وعبد الجبار من العباس كوفي، لكنه بعض العلم غمزه في حفظه، لكن أكثرهم وثقه، خاصة حاتم وثقه، وهو ثقة. قالوا: كان الرجل من أهل الكوفة يميل إلى الشيعة. معنى عبد الجبار من العباس يقول أبو أحمد الزبير، قالوا: وهو صحيح الحديث، مستقيم، أو ظاهر كلام البزار. معنى كلام البزار هذا يقول أن هذا الرجل عبد الجبار من العباس رجل من أهل الكوفة يميل إلى الشيعة، لكنه صحيح الحديث. قال: عن أبي إسحاق، عن أوس بن ضمعج، وأوس هذا أيضا ثقة، مخضرم من كبار التابعين، أو مخضرم معنى حضر الجاهلية، قال: عن أوس بن ضمعج، قال: سلمان: فضلكم يا معاشر العرب لتفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم، لا ننكح نساءكم، ولا نؤمكم في الصلاة. قالوا: هذا إسناد جيد. وأبو أحمد هو والله محمد بن عبد الله الزبير من أعيان العلماء الثقات. وقد أثنى عليه شيخه والجوهري وأبو إسحاق السبيعي، أشهر من أن يثنى عليهم. وأوس بن ضمعج ثقة، والحديث مسلم. وهذا ممكن يستدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم فضل العرب، لأن سلمان قال: فضلكم يا معاشر العرب لتفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم. وهذا إسناده الصحيح. قالوا: قد أخبر سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل العرب، فإما إنشاء وإما إخبارا، فإن شاءه في حكم لازم، وخبره حديث صادق. وتمام الحديث قد روى عن سلمان من غير هذا الوجه، رواه الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي ليلى الكندي، وهذا أبو ليلى الكندي ظاهر معنى وثقه الحافظ ابن حجر، وأنا ذكر أنه ثقة، قال: عن سلمان الفارسي، أنه قال: فضلتم يا معاشر العرب باثنتين: لنا أمكم، ولا ننكح نساءكم. والظاهر يريد ليس أنه الإمامة في الصلاة، وإنما الإمام العام، أنه يريد قريشا. ولا ننكح نساءكم، الله أعلم أنه يريد الكفاءة، لكن صحيح أن الكفاءة في النسب لم يصح منها شيء. قد يراد به مثلا أن الله عز وجل حرم نساء المسلمين على أهل الكتاب، ونسب نفسه لأهل الكتاب على أساس أنه كان قبل الله. قال: رواه محمد بن عمر العدني وسعيد في سنن وغيرهما. وهذا محتج به أكثر الفقهاء الذين جعلوا العربية من الكفاءة بالنسبة إلى العجم. واحتج به أحمد في إحدى الروايتين على أن الكفاءة ليست حقا لواحد معين، بل هي من الحقوق المطلقة في النكاح حتى إنه يفرق بينهما عند عدمها. واحتج أصحاب الشافعي وأحمد بهذا على أن الشرف مما يستحق به التقديم في الصلاة. ومثل ذلك ما رواه محمد بن عمر العدني، قال: حدثنا سعيد بن عبيد، قال: أنبأ علي بن ربيعة، وعلي بن ربيعة والبي وهو ثقة، عن ربيع بن فضل، أيضا ربيع بن فضل من أهل الكوفة، لكنه مجهول، قال: أنه خرج في اثني عشر راكبا، كلهم قد صحب محمدا صلى الله عليه وسلم غيره، وفيهم سلمان الفارسي، وهم في سفر، فحضر الصلاة، فتدافع القوم أيهم يصلي بهم، فصل بهم رجل منهم أربعا. فلما انصرف، قال سلمان: ما هذا مرارا نصف المربوعة، قال مروان: يعني نصف الأربع، نحن إلى التخفيف أفقر. فقال له القوم: صلي بنا يا ابن عبد الله، معنا إن قدم رجل صلى بهم أربعا، وهم في سفر، وإنما الذي ينبغي نصلي ركعتين. فقال: صلي بنا يا أبا عبد الله، أنت أحقنا بذلك. فقال: لا، أنتم بنو إسماعيل، لامة، ونحن الوزراء. قال: في المسألة آثار غير ما ذكرت، في بعضها نظر، وبعضها موضوع. وأيضا فإن عمر الخطاب لما وضع ديوان العطاء، كتب الناس على قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم، فأقربهم نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما انقضت العرب ذكر العجم، هكذا كان ديوان على عهد الخلفاء الراشدين، وسائر الخلفاء بني أمية ولد العباس، إلى أن تغير الأمر بعد ذلك. وسبب هذا الفضل والله أعلم، اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح. إن هذه النتيجة التي أراد أن يبينها الشيخ: أن تفضيل العرب ليس بذواتهم، ليس بذواتهم، وإنما بأوصافهم، لأن العلم أكثر فيهم، والعمل الصالح، فلهذا فضلوا بهذا. والله أعلم. إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكتفي في درس الليلة. شكرا.