الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 551، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي عباد بن شرحبيل تجربته أثناء القحط عندما دخل حائطا وأكل من سنبله، ثم ضربه صاحب الحائط وأخذ ثوبه، فشكى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أمر النبي برد ثوبه وإطعامه.
يتناول الحديث حكم أخذ الثمار من البساتين، حيث يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن على صاحب الحائط أن يعلم الجاهل ولا يضربه إذا كان جائعا. يشرح شروط أخذ الثمار من البساتين.
يشرح المقطع أحكام إطعام الجائع ومسؤولية المسلمين في إعانة المحتاجين، ويبين أن إطعام الجائع ليس فقط تعاونا بل أيضا له أجر عظيم.
الوسق يعادل ستين صاعا، والصاع يقدر بكيلوين ونصف، فيكون الوسق مئة وخمسين كيلو، وهذا يفهم من الحديث النبوي حول مقدار الزكاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مسند عباد بن شرحبيل رضي الله عنه، عباد بن شرحبيل هو من بني غبر من أهل الحجاز، من قبائل الحجاز، وهو يعد من الصحابة الذين نزلوا الكوفة. قال أبو داود رحمه الله: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: أخبرنا أبي، وهو معاذ بن معاذ العنبري، وهو من أحفظ أصحاب شعبة، كانوا من الذين يحفظون حديث شعبة وكتابه عن شعبة صحيح. وكان إذا انتهى مجلس شعبة، أخذ معاذ بن معاذ زاوية من المسجد، وأخذ خالد بن الحارث زاوية من المسجد، فكتبا ما حدث به شعبة. قال: أخبرنا شعبة، وابن الحجاج العزدي العتكي أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، وهو بصري، لكن علمه كوفي، أنا أكثر مشايخه من أهل الكوفة. قال: عن نبي بشر، وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وهو يعتبر في عداد الكوفيين، قال: عن أبي بشر، عن عباد بن شرحبيل، قال: أصابتني سنة، معناه قحط أصابه قحط، ومعناه كأنه معه مزرعة أو كان في البادية، فلم يجد مرعى ولم يجد ما يأكله. قال: فدخلت حائطا من حيطان المدينة، ففركت سنبلا فأكلت، وحملت في ثوبي، فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «ما علمت إذ كان جاهلا ولا أطعمته إذ كان جائعا أو قال: ساغبا»، وأمره فرد عليه ثوبه وأعطاني وسقا أو نصف وسق من طعام. قالوا: حدثنا محمد بن بشار، وهو بندار، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت عباد بن شرحبيل، رجلا منا من بني غبر. بمعنى قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه. وهذا الحديث يذكر عباد بن شرحبيل رضي الله عنه أنه لما أصابه الجوع، فجاء إلى المدينة حتى يجد طعاما، فدخل حائطا من حيطان المدينة، أي بستانا، فدخل هذا البستان، ففركت سنبلا فأكلت سنبلا، معناه شيء من الحبوب، وغالبا إما شعيرا أو برا أو غيرها من الحبوب، ففركها وأكل وحمل في ثوبه. فلما جاء صاحب الحائط، فضربني وكان عباد في شبابه، بداية شبابه، قال: فضربني وأخذ ثوبي. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي وأخبره بالخبر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصاري: «ما علمت إذ كان جاهلا»، أن إذا كان مثلا لماذا تضربه؟ كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لماذا تضربه؟ علمه قد يكون جاهلا بالحكم، فعلمه «ولا أطعمته إذ كان جائعا»، إلا ضربته، فهو جائع وأخذ. وفي هذا الحديث كما قد ذكرنا قبل في مسألة الأخذ من الثمر، قلنا: إنه لا يجوز أن يأخذ الثمر إذا كان محوطا بحائط، فلا يجوز له أن يدخل الحائط ويأخذ بدون إذن. وإن كان ليس هناك حائط، وهذا الشجر على ممر الناس، فما سقط منه فهو للناس. وإن كان هذا النخل أو غيره ليس لأحد معين، فلأي أحد يأخذ، مثل هذه الأشجار التي على الطرق، فهذه غالبا يريدون بها زينة، فتثمر، فلا بأس أن يأخذ الإنسان من هذا التمر لأنه ليس لأحد. وأيضا أصحابها وضعوها ليس لأجل الطعام وإنما لأجل المنظر أو غيره. وإذا أذن له بالدخول في الحائط، أذن لك إنسان أن تدخل البستان، فهل لك أن تقطف؟ لا تقطف شيئا إلا بإذن. وأما ما سقط فلك أن تأخذه. وقد جاز النبي صلى الله عليه وسلم أخذ اللقطة للفقراء ولغيرهم، أخذ اللقطة يجوز، خاصة إذا كان بإذن، دخل البستان بإذن، فما كان سقط في الأرض يأخذه ويأكله. وأما ما كان في الشجر فلا يأخذه إلا بإذن صاحبه. وأما إذا كان جائعا ودخل البستان، فلم يجد أحدا، فهل ينادي صاحبه ثلاثا؟ فإن جاء صاحبه وإلا أكل، إذا كان جائعا جوعا شديدا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في اللبن، فإنه ينادي صاحبه هذه الناقة وغيرها ثلاثا، فإن لم يجبه أحد فليشرب من هذا اللبن، يأخذ لبن ويشرب لأنه جائع، وهذا من باب سقوط الواجب الكفائي. لأن هذا من المسلمين وهو جائع، ودخل إلى هذا الحائط فيأكل، فإن مات على جوع فهو أهل الإسلام عندهم طعام، فهم مسؤولون عنه. فلهذا فهذا تسقيط الواجب، مثل ما جاء في حديث المقداد بن الأسود، فقالوا: يا رسول الله إنا نمر على أناس ألا يقرون، معناه لا يضيفون، نأتي إليهم ولا يضيفون. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مررتم على أناس فلم يضيفوكم فخذوا حق الضيف منهم إذا وجدتم طعاما أو وجدتم شيئا كلوا». فخذوا حق الضيف منهم، حقا واجبا، فهذا يسقط وجوب إعانة هذا المسلم. أنا لو مات وهو جائع فقد تسبب في ذلك أيضا أناس لقيهم ولم يعطوه، فهم آثمون. فلهذا فالجائع الذي قد بلغ به الجهد من الجوع فيعطى من الطعام، يعطى من الطعام أولا من باب التعاون، وأيضا من باب الإطعام، وكذلك أيضا من باب الأجر الذي سيجده في إطعام هذا الإنسان. فتلك المرأة سقت كلبا فشكر الله لها فأدخلها الجنة، فكيف بمن يسقي إنسانا وخاصة إنسانا مسلما؟ فلا شك أن أجر أعظم. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام أنكر على هذا الأنصاري لما ضرب هذا عباد، فقال: «ما علمت إذ كان جاهلا ولا أطعمته إذ كان جائعا»، ثم أمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه ثوبه. ولذلك جاء في رواية عند أحمد، قال له: «ولك سوته إذ كان عاريا»، أنا ما أعطيته كسوة بدلا تأخذ ثوبه، أعطيه كسوة من عندك إذ كان عندك كسوة. قال: وأعطاني وسقا أو نصف وسق من طعام. والوسق هو ستون صاعا، أنا أعطاه طعاما كثيرا، وهذا إكراما للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: وسقا أو نصف وسق، أنا أعطى ستون صاعا أو ثلاثون صاعا من الطعام. ولو قلنا مثلا أن الصاع كيلوين ونصف، فالوسق سيكون معنى مئة وخمسين كيلو، وهذا شيئا كثيرا. فهذا ما يذكر بهذا الحديث، ونكتفي به والله تعالى أعلم.