الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 552، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الحديث النبوي تمني الرجوع إلى الدنيا بعد الموت، ويبين أن الندم بعد الموت لا ينفع. يُظهر الفرق بين المؤمنين الصالحين والكفار والمنافقين في هذا السياق.
يُنبه على أهمية التفكير في حسن الخاتمة ويحذر من التهاون في الأعمال الصالحة والتعلق بالأماني، مشيرًا إلى أن الأجل محيط بالإنسان وقد يأتيه في أي لحظة.
يشرح أن الله يوفق العبد على ما يحبه، ومن أحب شيئًا مات عليه، ويبين فضل الشهادة في سبيل الله حيث يتمنى الشهداء العودة ليقاتلوا مرة أخرى لما يجدونه من النعيم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: مسند عبادة بن الصامت رضي الله عنه. قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى: أخبرنا هارون بن محمد بن بكار، وهو من مشيخة النسائي الثقات، قال: حدثنا محمد بن عيسى، وهو ابن القاسم بن سميع، قال: حدثنا زيد بن واقد، عن كثير بن مرة، وهو شامي، أن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه حدثهم - وعبادة سكن الشام، وهو من الأنصار - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما على الأرض من نفس تموت ولها عند الله خير تحب أن ترجع إليها ولها الدنيا إلا القتيل، فإنه يحب أن يرجع فيقتل مرة أخرى». هذا حديث حسن. فهذا الحديث معناه: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما على الأرض من نفس تموت ولها عند الله خير» - معناه نعيم تتنعم به في الجنة - قال: «تحب أن ترجع إليها ولها الدنيا»، أن ما تحب أن ترجع إلى الدنيا، بخلاف من لم يجد الخير، يتندم على ذلك، وأيضا يطلب من الله عز وجل أن يرجعه إلى الدنيا. في آيات كثيرة ذكر ربنا جل وعلا تمني الكفار وأهل العذاب، يتمنون أن يعود إلى الدنيا، وأنهم سيعملون الصالحات. وكذا كما قال الله عز وجل: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون﴾، أي قد أيقنا بوعدك يا رب، قد أيقنا بكلامك، فارجعنا نعمل صالحا. وأيضا قال الله عز وجل على أهل النار، وهم يصطرخون فيها: ﴿ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾. فالله عز وجل قال لهم: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير﴾. أي قد جاءكم ما ينذركم، سواء كان هذا النذير القرآن أو السنة أو الواعظ أو غيره مما ينذر. وقيل أيضا: الشيب. فالله عز وجل عمر الإنسان في هذه الأرض وقتا يتدارك فيه نفسه، فإن لم يتدارك نفسه ذلك الوقت كله، وهو في غيه، فلا يستطيع بعد ذلك أن يتدارك نفسه بعد الموت. وقال الله عز وجل: ﴿كلا بل هي كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾، فلا رجعة بعد ذلك. فكل من تندم وأراد أن يرجع، فلا يفيده الندم. وقال الحسن البصري رحمه الله لرجل كان يقول: يا أبا سعيد، الناس يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ويحسنوا العمل. فقال: فما بالك أنت إذا مت وأردت أن ترجع إلى هذه الدنيا حتى تعمل؟ قال: نعم يا أبا سعيد. قال: فاعمل الآن، أي فكر في نفسك أنك مت وأردت الرجوع لكي تعمل الصالحات، افعل ذلك قبل أن تموت؛ لأن بعد الموت لا رجعة، لكن الآن افعل ما قد تتمناه من قبل، ما قد تتمناه أيضا بعد الموت، يفعله الآن، الآن يعزم على طاعة الله وعلى مرضاته، وعلى أيضا كذلك الاجتهاد في الخير. فهذه فرصتك الآن، فرصة العمر، وأيضا خاصة فرصة الشباب، فرصة القوة، وأيضا النشاط. ولهذا فالشاب الذي ينشأ على طاعة الله جل وعلا يكون له أجر عظيم، من السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «شاب نشأ في طاعة الله». فلهذا الواجب على المسلم أنه يتخذ مثل هذه الفرص، ويتذكر أن الموت عاتيه، والموت لا يعرف صغيرا ولا كبيرا. الموت لا يعرف أن هذا صغير وهذا كبير. بعض الناس يمني نفسه أماني، يقول: أنا شاب، لازلت في مقتبل العمر، وأيضا لي عمر طويل، لعن سأتمتع بشبابي وأفعل وأفعل. ولا يدرك المسكين أن العجل لا يعرف صغيرا ولا كبيرا، ولا يضمن الإنسان نفسه في هذه الحياة، قد يأتيه الموت في أقرب ساعة، قد يأتيه الموت في مكانه. خاصة تجد أن الآن يكثر فيها موت الفجأة، وموت الفجأة رحمة للمؤمنين وعذاب للكافرين. وجاء حديث أنه من علامات الساعة، لكنه لا يصح. لكن قد كثر هذه الأيام موت الفجأة، وخاصة في وقت الصيف يكثر أكثر. وهذا من الله. فقد تجد رجلا شابا في بداية شبابه، ويقولون: قد مات معنا فجأة. فلهذا لا يأمن الإنسان على نفسه في هذه الحياة، ولا يتبع الأماني، فإن الأجل يحيط بالإنسان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: لما خط خطا طويلا، وقال: «هذا الأمل»، ثم خط خطا مربعا، وقال: «هذا الأجل»، وخط في داخل المربع أو خارج المربع خطوطا صغيرة، فقال: «هذه العوارض»، كلما أخطأه عرض نهشه الآخر. العوارض التي لا تجعله يتذكر الموت، أن تكون معنا، أدخلها في الوسط، تريد أن تنسيه الموت. فدنيا الشهوات، كذا الملذات وغيرها، هذه الأعراض تريد أن تلهيه عن الموت، والموت محيط به، وهو الأجل محيط به، لا يستطيع أن يكمل أمله، ولا يستطيع أن يكمل أمانيه، يأتيه الأجل فيبغته. وجاء في حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام كان معه ثلاث أعواد صغيرة، فوضع عودا، وقال: «هذا الإنسان»، ثم وضع عودا قريبا منه، وقال: «هذا أجل»، ثم وضع عودا بعيدا، وقال: «هذا أمل». فإذا أراد أن يذهب إلى أمله اعترضه الأجل. فالأجل معترض عليه، وواقف في طريقه. فلهذا المؤمن يعلم هذا الأمر، فيعلم أن الأجل محيط به، وقد يأتيه في أي ساعة. فلهذا يجتهد أن يختم الله عز وجل له بالحسنة، يسأل الله عز وجل، ونسأله سبحانه وتعالى أن يختم لنا بالحسنة، ويجتهد في الأعمال الصالحة؛ لأن الذنوب تخونه في وقت يكون أحوج إلى ذلك الوقت في الخير وفي غيره، فتخونه هذه الذنوب. ولهذا من العلماء الفقهاء الذين يعرفون مثل هذه الأمور أبو عبد الله سفيان الثوري رحمه الله، بكى ليلة كاملة لما حضره الموت، فقالوا له: يا أبا عبد الله، تبكي من الموت؟ فأخذ عودا، وقال: الموت عندي أهون من هذا، ولكن أبكي على سوء الخاتمة، أنا أخاف أن أختم عملي بسوء. فحسن الخاتمة من الأمور العظيمة التي ينبغي المسلم أن يتفكر فيها. فإن العبد إذا ختم له بالحسنة، فهو من الصالحين. فالله عز وجل إذا حبى عبدا، عسله. قال: وما عسله؟ قال: يقدر له عملا صالحا يتوفاه عليه، أنه يجعل الله عز وجل له عملا صالحا يعمله، ويموت على هذا العمل الصالح، هذا نعمة عظيمة. ولهذا تجد أن كثيرا من أهل الصلاح يموتون على الأعمال الصالحة التي هم يحبونها. فطالب العلم مثلا يموت على طلب العلم، وهو يطلب العلم. لهذا تجد في بعض تراجم العلماء: يموت وهو يطلب العلم. ابن جرير الطبري مات وهو يقرر، أو أراد أن يكتب مسألة في الفرائض، وهو ذلك الإمام الكبير الذي بلغ شأنه ما بلغ. فلما ذكرت له هذه المسألة، وهو في مرض الموت، أخذ الدواة وأخذ القلم، أو أخذ الورقة وكتب هذه الفائدة في الفرائض، ثم قضى، أي مات. كذلك أبو زرعة الرازي، ذكر عنده حديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». فأرادوا أن يأتوا بإسناد الحديث، لم يستطيع أن يأتوا به، إما أنهم استعجلوا، أو أنهم عملوا ذلك من باب أنه يأتي به هو. فقال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن عريب - أو عن صالح بن عريب - عن أبي الخليل، عن معاذ بن جبل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله». فلم يكملها، فكان آخر كلامه: «لا إله إلا الله»، وقضى ومات بعدها. وهكذا أيضا أبو حاتم صاحبه، قال ابنه عبد الرحمن: قرأت على أبي، كنت أقرأ على أبي في وقت احتضاره، فقلت: عبد الغافر - أو عبد الغافر بن عبد القاهر - الصحابي. قال: فقال لي بكلمة ضعيفة: إنه ليس صحابي. فقلت: يا أبي، أعرب ما سمعت. فقال: نعم. ثم قضى، أي مات في هذه الحالة. فتجد أن الله عز وجل يوفق العبد على ما يحبه. وهناك حديث، لكنه لا يصح: «من مات على شيء، أو من أحب شيئا مات عليه». من أحب شيئا مات عليه. وكذلك أيضا الخاتمة السيئة غالبا تكون على العمل الذي يحبه هذا السيئ، فمن أحب الزنا مات عليه، من أحب السرقة مات عليه، وغيرها من هذه الأمور. وهذا غالبا، ليس دائما، غالبا يكون هكذا. فلهذا الإنسان يحب أن يجتهد في محبة الخير، محبة الصلاة، محبة طلب العلم، محبة الصيام، وغيرها من هذه الأمور. ولهذا عثمان رضي الله عنه كان يحب الصيام والقرآن، ومات وهو في يده القرآن، صائما. ورأى النبي عليه الصلاة والسلام تلك الليلة، وهو يقول له: «يا عثمان، صم وأفطر عندنا». قال: يا عثمان، صم وأفطر عندنا، ستصوم، ستقتل وأنت صائم، وإفطارك عندنا، أي في جنة الله جل وعلا. فلهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما على الأرض من نفس تموت ولها عند الله خير تحب أن ترجع إليها ولها الدنيا إلا القتيل، إلا من يقتل في سبيل الله، فإنه يحب أن يرجع فيقتل مرة أخرى». معنى من وجد النعيم اكتفى به، إلا الذي يقتل في سبيل الله، فإنه يجد أشياء عظيمة، حتى أنه يتمنى أن يرجع ويقتل في سبيل الله، مما يجد من الحفاوة في ذلك. وقد جاء هذا كما ذكرنا أكثر من مرة، ما جاء عن عبد الله بن عمر بن حرام أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لجابر ابنه: «يا جابر، إن الله عز وجل لم يكلم أحدا كفاحا - أو إن الله عز وجل كلم أباك كفاحا - وقال: يا عبدي، سل، أنا سل الذي تريده». فقال عبد الله بن عمر بن حرام: يا رب، أريد أن أرجع إلى الدنيا فأقتل في سبيلك، أريد أن أرجع إلى الدنيا فأقتل في سبيلك. فقال: ﴿إنها كلمة هو قائلها وأنهم إليها لا يرجعون﴾، أي إلى الدنيا. فلو كان أحد يرجع، لأرجعه الله عز وجل، لكن هذه كلمة الله عز وجل قالها: ﴿إنما كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. فالذي يموت لا يرجع إلى الدنيا، وهذا باتفاق المسلمين، إلا من كان من أهل الباطل من أهل الرافضة الذين يعتقدون الرجعة، وهي باطل، سواء كانت الرجعة إلى إمامهم أو رجعة إمامهم، أو الرجعة إلى كل أحد، يظنون أن الروح ترجع إلى صاحبها أو إلى آخر، لكن هو نفسه مثل ما يعتقد بعض الملحدين أو بعض أيضا كذلك من الليبراليين وغيرهم: أن النفس تعود إلى صاحبها، أن النفس تعود إلى صاحبها، لكن بمسمى آخر، معنا اسم آخر، لكن هو نفسه، صورته نفسها، معنا ترجع إلى أحد أحفاده، معنا يكون هناك أحد من أحفاده يشبهه، فترجع هذه الروح إليه. وهذا كلام غير صحيح، وإن قاله بعض المسلمين، لكنه غير صحيح، وليس عليه آثار من علم، وإنما هي توهمات فقط، وإنما هي توهمات فقط، توهمها بعضهم. وقد يكون مثلا يحصل مثل هذا، يحصل مثلا أن يكون بعض أحفاده يأخذ اسمه، وكذلك يأخذ أيضا بعض أفعاله وأخلاقه، يعني يتزين بأخلاق جده إذا كانت حسنة، أو أيضا العكس، يأخذ أخلاق جده في الشر، ويأخذ اسمه أيضا كذلك، لكن هذا ليس معناه أنه أمر مضطرد، حتى يقال أن هذا فيه رجعة للروح. فالروح قد ماتت تلك الروح، وإنما هذه روح أخرى، وليست هي نفسها الروح الأولى. فلهذا الأصل أنه لا يرجع من مات، لا يرجع من مات أبدا. وهنا في هذا الحديث: أنه لا أحد يتمنى الرجوع سوى كان من أهل الخير أو لا أحد يتمنى الرجوع من أهل الخير، إلا من قتل في سبيل الله، وإلا من وجد نعيما في الآخرة، ركن إلى هذا النعيم. وكما جاء في الحديث: يقول: «ربي أقم الساعة»، لما يجد له من نعيم وحفاوة، إلا الذي يقتل في سبيل الله، يحب القتل في سبيل الله، لما يجده من أجر عظيم عند الله، فيحب مرة أخرى يقتل في سبيله. هذا معنى هذا الحديث، والله تعالى أعلم.