الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 549، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» الذي يبين معنى المبشرات بأنها الرؤى الحسنة أو الصالحة، والحديث صحيح ويوجد في الصحيحين.
الرؤى ليست دليلاً شرعياً في الإسلام، وإن كانت تبشر بخير وتعتبر جزءاً من النبوة، ولا يجوز العمل بها كدليل شرعي أو ابتداع عبادات جديدة بناء عليها.
الرؤى الصالحة جزء من النبوة وتعتبر مبشرات بخير، وتفسيرها يعتمد على ما جاء عن النبي وتفسير بعض الصحابة والسلف، مع وجود ضوابط لتفسيرها يتناولها العلماء بحذر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يونس بن محمد، وهو المؤدب، قال: حدثنا حماد، يعني ابن زيد، حماد بن زيد بن درهم، ويكنى بأبي إسماعيل، وهو بصري. مثل حماد بن سلمة وحماد بن زيد، أحفظ في الحديث من حماد بن سلمة، لكن حماد بن سلمة أقوى في السنة وأعرف بالسنة من حماد بن زيد. وقد صنف حماد بن سلمة بعض المصنفات في التوحيد وغيره، وأما حماد بن زيد فهو حافظ كبير يشبه بسفيان الثوري في الحفظ. وكان من أئمة البصرة المعروفين أو حفاظ البصرة المعروفين، حتى أنه إذا افتخر أهل الكوفة بحفاظهم فيقولون: هاتوا حفاظكم، يقولون لهم: هاتوا حفاظكم، وجنبوا حماد بن زيد وأسماعيل بن علية، لأنه ليس هناك من مثلهم من حفاظ أهل الكوفة. أي: ليس المراد سفيان الثوري، فسفيان يعتبر من طبقة أرفع، لكن من ناحية تقسيم الطبقات فهو في طبقة حماد بن زيد وحماد بن سلمة. قال: حدثنا عثمان بن عبيد الله الراسبي، وهو بصري ثقة، قال: سمعت أبا الطفيل، قال: سمعت أبا الطفيل، وهو عامر بن واثلة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات». قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤية الحسنة أو الرؤية الصالحة». قال: هذا حديث صحيح. وعثمان بن عبيد الله الراسبي مترجم في الجرح والتعديل وتعجيل المنفعة، ووثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: «المستقيم الحديث». وهذا الحديث هو في الصحيحين، لكنه من غير حديث أبي الطفيل، فلهذا ذكره الشيخ. لأن العلماء دأبوا على أن حديث الصحابي يعتبر حديثا مفردا. فأهل الحديث يجعلون حديث الصحابي حديثا مفردا، ولو كان بنفس المتن، ولو كان بنفس المتن، لكنه عن صحابي آخر. فمثلا حديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، هذا جاء عن سبعين من الصحابة. قال ابن منده: عن سبعين من الصحابة، وبعضهم قال: أكثر. فهؤلاء يجعلون كل حديث عن صحابي حديثا مفردا. معنى ذلك: لو كان أحد يحفظ هذه الطرق كلها أو هذا الحديث، يجعلونه كل واحد حديثا بذاته. فإذا رواه مثلا عشر من الصحابة، فيجعلونه عشر حديث، لكن إن كان الصحابي واحدا فهو حديث واحد، ولو تعددت الطرق. هذا الحديث فلهذا الشيخ هنا ذكر حديث أبي الطفيل، مع أنه موجود في الصحيحين: «لا نبوة بعد إلا المبشرات». إن كان موجودا بالمعنى، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات». قال: ومن مبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤية الصالحة يراها الرجل أو ترى له». الرؤية صالحة يراها الرجل أو ترى له. أي: يراها غيره، يرى رؤيا له. فهذه الرؤية الصالحة من الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين. فأما حديث أنس: «الرؤية الصالحة من الله والحلم من الشيطان»، فإذا رأى أحدكم رؤيا فليحدث بها من أحب، وإذا رأى حلما فإنه يستعيذ ويدخل عن يساره ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه لا يضره. فلهذا فالمبشرات أو الرؤية الصالحة، وخاصة في آخر الزمان تكون صادقة. والنبي عليه الصلاة والسلام أيضا أول ما بشر بهذا الرؤية الصالحة، كان إذا رأى رؤية جاءت مثل فلق الصبح. كما قالت عائشة رضي الله عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى رؤية رآها كأنه يرى الصباح، معنى واضحة جدا. وأيضا كذلك رؤية الأنبياء وحي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رؤية الأنبياء حق»، معنى: تعتبر أن الوحي، بخلاف رؤية غير الأنبياء، تعتبر ليست بوحي. ولهذا ذكر العلماء إجماعهم، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكره ابن أبي العز وغيره: أن العلماء أجمعوا على أن الرؤى ليست من الأدلة الشرعية. على أن الرؤى ليست من الأدلة الشرعية، ولم يجعلها من الأدلة الشرعية إلا أهل التصوف. بل إن بعض أهل التصوف أنكر هذه الرؤى أن تكون دليل شرعي، كما حصل ذلك من زيني دحلان الذي ألف في الرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ورد عليه ذلك الهندي السهارنفوري، وهو عالم كبير ومحدث، ورده كان ردا عظيما وفيه فوائد كثيرة، سماه: «صيانة الإنسان من وساوس دحلان». فهي مبشرات، الرؤية الصالحة مبشرة، لكن ليس الدليل، لا يعمل على أنها شرع، ليس مثل هذا التصوف. إذا قلت له: من أين دليل هذه المسألة؟ يقول لك: السيد الفلاني رأى رؤية وأنه كذا وكذا. مثل: صلاة الخمسة الفروض في آخر جمعة من رمضان، هذه منتشرة عندنا في حضرموت وفي إندونيسيا وفي أماكن كثيرة، يصلون في آخر جمعة خمس صلوات يسمونها الخمسة الفروض. أن يصلوا الظهر جماعة بعد الجمعة، بعدما يصلون الجمعة تقام هذه الصلاة، يصلون الظهر أربع ركعات والعصر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات والعشاء والفجر. وقالوا: هذه الخمسة الفروض تعطيك سنة كاملة ضمان، مثل الضمان، سنة تغطي النقص الذي في صلاته. إذا تركت صلاة أو كذا تغطي هذا النقص. هذه الصلوات الخمس هذه فروض، وإذا سألتهم عن الدليل قالوا: هذه رؤية رآها السيد الفلاني، بعض العلويين قديما رأى رؤية أنه يصلي هذه الصلوات، فجعلوها دينا يدان به. ولهذا تجد بعض من مثلا عنده تصوف، لكن ينكر بعض الأشياء هذه أو أنه يبتعد عن مثل هذه الأشياء. مرة سأل مفتي حضرموت، كان عندنا واحد مفتي حضرموت، وهما من أهل التصوف، لكنه معنا يحاول أنه يمشي على الأدلة. فسألوه عن هذه الصلاة، صلاة الخمسة فروض، فقال: هذه الصلاة ليس لها دليل، لكن الله عز وجل يقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾، وهذا دليل فاسد. هل كل واحد يصلي بأي صلاة لا ينكر عليه؟ فتح لباب البدعة، فتح لباب الاختراع في الصلوات. كل واحد سيأتي له بصلاة مثل ما فعل أهل التصوف، أهل الطرق، تجد عند كل طريقة من الطرق صلاة، مثلا الرفاعية عندهم صلاة الفاتحة، العلوية مثلا عندهم صلاة الصلاة الألفية أو الرجبية. أو أيضا كذلك هكذا تجد في كل فرقة من فرق التصوف أو طريقة من طرق التصوف يجعلون له صلاة خاصة بهم، يجعلون لهم صلاة خاصة بهم. وهذا فتح لباب الابتداع في دين الله. فهؤلاء لم يكتفوا بالأذكار التي يتم بها ويخترعونها، لأن كل طريقة لها ورد يسمونه ورد، معنا ذكر معين يعرف باسم هذه الطريقة. بل وجعل بعضهم أيضا صلاة صلاة خاصة بهذه الطريقة، كما قلنا عند الرفاعية أو الأحمدية عندهم صلاة الفاتح، أن يصلوا ركعتين ويقرؤون بدعاء كبير: «اللهم أنت فاتح لما أغلق وكذا». فهذه كل اختراعات لا أصل لها. فالمهم أن الرؤية وإن كانت من المبشرات، هي ليست وحيا يعمل به، لكنها تبشر فقط. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هي جزء من 46 جزء من النبوة»، هي 46 جزء من النبوة. فالنبوة وحي، وهذه ليست وحيا، لكنها تبشر بخير. الغالب أن الرؤية تكون واقعية، ولكن هل يعمل بها وهل تطبق؟ هذا لا ينبغي، ولا تكون دليل على التطبيق. يعني يفرق بين الأمرين، ممكن أن الإنسان يستبشر بهذه الرؤية وأنها رؤية خير، لكن ليس معنى ذلك أنه يطبق ما فيها. أحيانا بعض الأشياء ممكن أن يطبقها لعدم مخالفتها للشرع، أما يأتي بأشياء يظن أنها شرعية بسبب هذه الرؤية فهذا ليس صحيح. لكن قد تكون مثلا في الحياة، مثلا رأى إنسان أنه يزور ابن عمه ويزور خاله، وأنه يفتح له شيئا من الخير بزيارة خاله مثلا، فهذا لا بأس أنه يطبق مثل هذا. أو إنسان مثلا يرى علاج، يرى علاجا لابنه مثلا عشبة معينة أو كذا، فهذا ممكن أنه يأتي بهذه العشبة، لأن الأمر الذي حصل هو مباح وجائز، وهو التداوي مثلا بالأعشاب وبغيره. فمثل هذه الأشياء التي هي مباحة أو جائزة أو قد تكون أحيانا شرعية، فلباس بفعلها لأجل هذه الرؤية. أما أنه يخترع شيئا في الدين ويعمل شيئا لم يثبت لأجل رؤية، فهذا غير صحيح. فلهذا فقوله: «المبشرات»، أي: تبشر بخير، ما بقيت إلا المبشرات التي تبشر بخير، ومنها الرؤية الصالحة. فالأكثر المبشرات هي الرؤية الصالحة، وهي جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة. وكيف يعرف أنها رؤية صالحة أو ليست صالحة؟ غالبا كما ذكر العلماء في ضوابط الرؤية الصالحة: أنها تكون يرى شيئا حسنا من الإسلام. إذا رأى شيئا من الإسلام فهذا غالبا أنه رؤية حسنة، مثلا رأى أنه يصلي، رأى أنه يتوضأ، رأى أنه يحج، رأى أنه يلبي، وغيرها من هذه الأشياء الشرعية أو العبادات. فهذا يعتبر رؤية حسنة. إذا رأى ما يكون من الإسلام أو في عبادات الإسلام أو غيره أو ما يتعلق بذلك، فغالبا أنه يكون حسنا. وأيضا كذلك أخذ العلماء بعض الرؤى التي فسرها النبي عليه الصلاة والسلام، مثل: الغل في الرؤية، القيد في الرؤية، ثبات، كما أولها النبي صلى الله عليه وسلم أولها بالثبات على الدين. شرب اللبن أيضا يدل على الفطرة، وهكذا على ما جاء في هذا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام وتفسيرها. وأحيانا أيضا يعتمد بعض المفسرين على بعض تفسير بعض الصحابة وبعض السلف. واشتهر عن ابن سيرين أنه يفسر الرؤى، والناس كانوا يأتونه لتفسير رؤاهم. لكن كثير مما جاء عن ابن سيرين من غير أسانيد صحيحة، الكتاب الذي ينسب إليه وهو كتاب «تفسير الأحلام»، كتاب جمعه بعض المتأخرين على ما جاء عن ابن سيرين. لكن كما قلنا: أكثر أو كثير من الأسانيد التي جاءت عن ابن سيرين غير صحيحة. صحيح أن ابن سيرين اشتهر بتفسير الرؤى، فكل من معه شيء ذكره عن ابن سيرين. وهكذا يحصل، تجد مثلا في القضاء، ينسبونها إلى إياس بن معاوية. وكذلك أيضا في غيره، حتى في الحديث، الإمام أحمد رحمه الله قال: «أهل البصرة الضعفاء منهم إذا أسندوا قالوا: ثابت عن أنس». وأهل المدينة إذا أسندوا قالوا: «محمد بن المنكدر عن جابر». يبين الإمام أحمد أن بعض الواهمين من الضعفاء إذا ما وجد هذا الحديث أو حفظ هذا الحديث، لكن لا يدري من أين أسنده إلى ثابت عن أنس. وأيضا أهل المدينة يقولون: بن المنكدر عن جابر، وهكذا. فتجد الناس يتعلقون بمن اشتهر عنده الشيء. وكذلك ابن سيرين تعلقوا به في الرؤى، كلما جاءت الرؤية قالوا: ابن سيرين فسرها كذا. وهذه الرؤى من باب التفسير، جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنها متى فسرت وقعت، أي: تفسيرها. فلهذا لا ينبغي أن يفسر إلا من عرف تفسير هذه الرؤى أو قرب أو عرف أكثرها. فهذا غالب الضوابط التي يعرف بها الرؤية الصالحة من غيرها. وهناك بعض الضوابط أيضا، لكن ليست لها مستند، لكن يتداولها علماء الرؤى أو من يفسر الأحلام. هناك كتاب سماه «قواعد في الرؤى» لبعض الخرسانيين، ذكر ضوابط كثيرة في الرؤى، وبعضها لا مستند له. والله تعالى أعلم.