الدرس في كتاب البيوع 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتم تعريف الربا والصرف في اللغة والشرع، مع بيان تحريم الربا وأدلته من القرآن والسنة، والتركيز على ربا الفضل وتحريمه في بيع الجنس بجنسه أو بجنس مثله. يتم شرح الشروط المطلوبة في مثل هذه البيوع.
يتم تناول شرح مفهوم ربا الفضل في المكيل والموزون والمطعومات، مع بيان اختلاف العلماء في العلة الجامعة التي تجمع بين الأصناف التي يجري فيها الربا، حيث ذهب كل مذهب إلى رأي مختلف حول العلة في الذهب والفضة والأصناف الأخرى.
يتم بيان العلة في الأشياء في النقد وهي الثمنية، مع ذكر آراء العلماء المختلفة حول العلة في المطعومات والموزونات، حيث اختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن العلة في الموزونات هي الثمنية.
بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الربى والصرف. الربى في اللغة هو الزيادة، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿فإذا أنزلنا عليه الماء اهتزت وربت﴾، ما زادت. وفي الشرع الربى هو زيادة في شيء مخصوص، ما زيادة في شيء مخصوص. وهو الأحكام التي جاءت في الربى جاءت في الكتاب والسنة. ومعلوم أن الربى محرم من أشد المحرمات. قال الله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربى﴾. وقال أيضا: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾. وذكروا النبي عليه الصلاة والسلام في السبع الموبقات. وفي حديث جابر: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربى ومكله وكاتبه وشاهديه»، فقال: «وهم سواء» أي في الإثم. وجاء أيضا في البخاري نحوه من حديث أبي جحيفة. وآكل الربى هو الذي يأخذ الزيادة، هذا آكل الربى. وموقله هو الذي يدفع له الربى. وقوله هنا: باب الربى والصرف. الصرف هو بيع نقد بنقد، دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير أو دراهم بدنانير، هذا يسمى صرف. وعن بيع نقد بنقد سواء كان من جنس واحد أو من أجناس مختلفة. قال: يحرم الربى الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه. الربى الفضل جاء النهي عنه في الأحاديث، وهي متكاثرة. وقد قال بتحريمه عامة العلماء، وإنما فيها شيء من الخلاف في زمن الصحابة عن ابن عباس، وقال أيضا بعض التابعين. ثم استقر كلام العلماء وإجماعهم على تحريم ربا الفضل. ومن الأدلة التي جاءت في تحريم ربا الفضل حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف ما شئتم إذا كان يدا بيد». وجاء كذلك عن عمر في الصحيحين، وعن أبي سعيد وغيرهما النهي عن ربا الفضل، وهو بيع الجنس بجنسه أو بجنس مثله. فإذا كان بيع جنس بجنسه يشترط فيه شرطان: المثلية والتقابض، يكون مثلا بمثل ويتقابضوا في المجلس، فهذا ربا الفضل إذا كان من جنس بجنسه. وإذا كان من غير جنسه لكن نقدا أيضا اشترط التقابض. هناك حديث جاء في البخاري ومسلم حديث ابن عباس: «لا ربا إلا في نسيئة»، لا ربا إلا في نسيئة. لكن حمله العلماء على أنه لا ربا شديد أو الربى الشديد يكون في ربا النسيئة، فهو لا يعارض منطوق الأحاديث. لأن هذا مفهومه أنه لا ربا أو أن ربا الفضل ليس ربا، هذا مفهوم. لكن المنطوق دل على أن ربا الفضل محرم، فيحمل على لا ربا أعظم وأقبح وأشد من ربا النسيئة، مثل ما يقال مثلا: لا عالم في المدينة إلا زيد أو إلا فلان، فليس معناه أنه ليس هناك علماء، في علماء. لكن هذا العالم مميز بشيء. وقد يقال أن ربا الفضل حرم لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة، فيقال: تحريم ربا الفضل من باب سد الذرائع. وأما ربا النسيئة فتحريمه تحريم أصلي. فقوله هنا: ربا الفضل في مكيل. المكيل معروف أنه يكون صاعا أو مدا أو وسقا، هذه المكيلات المعروفة عند العرب. وموزون الوزن يكون بالميزان، غالبا كانوا يزنون النقد يزنونه بالجرامات، وكان قديما أيضا يزنونه بالأرطال. وقوله هنا: في مكيل، ظاهر كلامه أنه سواء كان الكيل مطعوما كالبر والشعير والتمر أو كان غير مطعوم كالأشنان مثلا أو السدر. ويدخل في ذلك أيضا كثير من الأدوية. فمعنى كلام المؤلف أن كل مكيل يدخل في الربا، والموزون كذلك سواء كان مطعوما كالسكر مثلا واللحم واللبن أو غير مطعوم كالذهب والفضة. وهذا هو معنى مذهب الحنابلة هنا. ومعلوم أن كما قلنا أن أكثر أو عامة العلماء أجمعوا على تحريم الربا، ربا الفضل في الأصناف الستة هذه التي ذكرت في الحديث: الذهب والفضة والشعير والتمر والبر والملح، هذه ستة أشياء اتفق العلماء على أن الربا يجري فيها. وكذلك أيضا أجمعوا على أن الربا النسيئة فيها. لكن اختلفوا هل يقاس عليها غيرها أم لا. فقالت الظاهرية، وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة، وكذلك قال به بعض المعاصرين كالشيخ الباني، شيخنا مقبل: على أنه لا يقاس عليها غيرها. معنى هذا: فقط الستة أشياء يجري فيها الربا، الربا النسيئة وربا الفضل. فالظاهرية جروا على عادتهم في نفي القياس. وذهب جمهور أهل العلم أو جماهير أهل العلم إلى القول بالقياس، وأن هناك أشياء تلحق بهذه الستة الأشياء. لكن اختلفوا في العلة الجامعة ما هي العلة الجامعة التي تجمع الأشياء التي يجري فيها الربا والتي لا يجري فيها الربا. فقالت الحنابلة والحنفية: الحنابلة والحنفية قالوا في علة الذهب الفضة هي الوزن، الذهب الفضة علتهما الوزن. وفي الأصناف الأربعة الباقية علتها الكيل. الذهب الفضة علتهما وما كان مثلها علتهما الوزن أنها توزن، والمطعومات علتهما أو علتها الكيل. فقالوا: كل مكيل أو موزون سواء كان مطعوما أم غير مطعوم فإنه يحرم فيه الربا. وأما المطعوم المعدود مثلا كالبيض هذا معدود، البيض. معنى ما يدخل في الربا. لكن يدخل الخضروات تدخل أنها مكيلة أو موزونة، والفواكه كذلك. وأما المالكية فقالوا في علة الأصناف الأربعة، الأصناف الأربعة معنى المطعومات. قالوا: العلة فيها الاقتيات والادخار، الاقتيات والادخار. الاقتيات معنى ما يكون قوتا للإنسان يأكلوه قوتا. على المراد أنه يكون من الأطعمة المهمة أو الأصلية للإنسان. وأما المدخر فهو ما يدخر إلى الأمد المبتغى منه عادة، ما يذهب إذا ادخر، ليس مثلا مثل الفواكه أو الخضروات، فإنها ما تدخر. فلهذا يرون المالكية أن الفواكه والخضروات ليست فيها ربا لأنها لا تدخر. ويدخل أيضا في معنى القوت إصلاح القوت، ما يصلحه القوت وهو الملح ونحوه، لأن الملح ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من أصناف. فيدخل ما كان نحوه مما يصلح به القوت. فهذا علة ربا الفضل عند المالكية. وذكروا أيضا علة أخرى زائدة في النسيئة، قالوا: الطعم على غير جهة التداوي، كل مطعوم على غير جهة التداوي يدخل فيه الربا. وأما إذا كان مطعوما على جهة التداوي فلا يدخل، مثل العسل. وأما الشافعية اختلفوا مع المالكية في بعض الأشياء، فقالوا: العلة هي الاقتيات، تفكه كان أو تداويا. كل ما يؤكل قوتا سواء كان من باب التفكه أو من باب التداوي فيدخل فيه العسل. فكل مطعوم سواء كان مكيلا أو موزونا أو لم يكن مكيلا أو موزونا. ما قالوا: العلة الطعم، ليس الاقتيات قصود الطعم. قالوا: العلة الطعم، كل مطعوم عندهم يجري فيه الربا. واستدلوا برواية في حديث أبي سعيد الطعام بالطعام. لكن في لغة الصحابة رضي الله عنهم يطلقون الطعام على الشعير. لهذا قال: «وكان طعامنا يومئذ الشعير»، فلهذا يحمل قوله: الطعام بالطعام أي الشعير بالشعير. وأما عند الإمام أحمد رواية أن العلة في أصناف الربا الكيل والطعم، فإذا كان مكيلا مطعوما فإن الربا يثبت فيه، مكيلا مطعوما. أن هذا مقيد أكثر مكيلا مطعوما. وهذا القول اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. لكن ابن القيم قيد هذا القول بأن يكون قوتا أن يكون قوتا أو ما يصلح القوت مثل الملح أو البهارات، أن يكون قوتا أو ما يصلح القوت. لكن مكيلا ومطعوما، مكيلا ومطعوما وقوتا وما يصلح القوت. وهذا أولى العلل، هذا أولى العلل. لأن هذه ليست فيها توسعة كثيرة، بخلاف العلل الأخرى فيها توسعة في العلة. فالآن مثلا عندنا أنه مكيل ومطعوم، لكن يكون قوتا أو ما يصلح القوت، مكيل ومطعوم. يدخل في ذلك اللحم مثلا، يدخل في ذلك اللبن، وهو مكيل ومطعوم، وكذلك قوتا أو ما يصلح القوت ومطعوما. فهذا كما قلنا أقرب المذاهب، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه وابن القيم، وهو جمع بين ما ذكره الشافعية والحنابلة والحنفية. إلا أن المالكية زادوا في العلة الادخار. لكن زاد شيخ الإسلام وابن القيم أنه أيضا يكون قوتا أو ما يصلح القوت، هذا في المطعومات. وأما العلة في الموزونات في الذهب الفضة فأيضا فيها الخلاف ما هي العلة في الذهب الفضة. والصحيح من أقوال العلماء لأن الشافعية والمالكية قالوا العلة هي الثمنية، وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم. كذلك يرجحها جماعة من هذا العلماء كالشيخ ابن عثيمين: على أن العلة هي الثمنية. وأما قول الحنابلة أن العلة هي الوزن، ليست صحيحة. بل العلة هي الثمنية، لأن هذه الذهب الفضة وما يقوم مقامهما يعرف بثمنه، يعرف بثمنه وتماثله. فالذهب الفضة نقدان وهو قيمة الأشياء وأثمانها. لهذا الأوراق النقدية هذه حتى لو لم نقسها على أن أصلها ذهب، فهي أوراق ثمنية، تدخل في الذهب في الطبع، العلة الثمنية. يعني تكون أجناس ربوية يجري فيها ربا الفضل وربا النسيئة. وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة. ولأن الآن البنوك اعتمدت هذه الأوراق على أنها نقد، ثمن فلهذا صار ثمنا للأشياء. وإن كانت مثلا إذا ألغتها الدولة صارت أوراقا، ألغتها الدولة صارت أوراقا. لكن عند تقريرها تكون أثمانا، تكون أثمانا. فهذه المسألة التي تنازع فيها العلماء كثيرا، وخلاصة ما يذكر كما قلنا: أن العلة في المطعومات هو الكيل والطعم مع الاقتيات، الكيل والطعم مع الاقتيات. وأما في الأشياء في النقد فالعلة هي الثمنية، العلة هي الثمنية. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة. والله تعالى أعلم.