كتاب الصيام 8

الدرس في كتاب الصيام 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام خروج المذي والمني عند التقبيل واللمس والنظر

يستعرض المقطع خلاف الفقهاء في خروج المذي بسبب التقبيل واللمس، حيث يرى الشافعي وأبو حنيفة عدم الإفطار بينما يراه مالك وأحمد مفطراً، ويرجح المؤلف عدم الإفطار استناداً إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم. كما يبين حكم خروج المني بالنظر والتلذذ، موضحاً أن الجمهور على عدم الإفطار ما لم يكن عن تعمد وسبب مباشر محقق للشهوة.

شروط الفطر المتعمد وحكم الجماع دون الفرج والوكز في الصوم

يشترط لفساد الصوم بالملفات أن يكون الفاعل عالماً ومتعمداً وذاكراً، ومن تعمد إخراج المني بالجماع دون الفرج أو بالتقبيل واللمس فسد صومه وعليه القضاء عند الجمهور دون كفارة. أما الوكز (المداعبة الشديدة) فإن أنزل منه فلا قضاء ولا كفارة عند الشافعي وأحمد وأكثر العلماء، بينما يراه مالك وبعض الحنابلة مفسداً للصوم.

أحكام المفطرات والنسيان وكفارة الجماع في نهار رمضان

يبيّن المقطع أن الأكل والشرب ناسياً لا يفسد الصيام بإجماع الأكثرين، بينما اختلفوا في تحقق النسيان في الجماع؛ والراجح أن الجماع العمد يوجب الكفارة المغلظة مرتبة (عتق، صيام، إطعام) وتسقط عن المعسر. لا كفارة على المرأة سواء طاوعت أو أكرهت، ويفسد صومها إن طاوعت فقط.

حكم إمساك من أفطر عمداً بقية اليوم

يتناول المقطع خلاف العلماء في وجوب إمساك من أفسد صومه متعمداً بقية اليوم، ويرجح القول بعدم الوجوب مستدلاً بقول ابن مسعود: «من أفطر أول النهار فهو في آخر النهار مفطر».

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنزلنا في مسائل المفسدات الصيام من كتاب المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة. قال المؤلف رحمه الله - محمد بن عبد الله الرئيم -: قال: مسألة عند الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأكثر العلماء: إذا قبل ولمس فأمدى لم يفطر، وبه قال شايع الزيدية والناصر منهم أيضاً، وعند مالك وأحمد يفطر، وبه قالت الإمامية ومن الزيدية الناصر والصادق أيضاً. هذه المسألة مسألة التقبيل وأيضاً لمس المرأة، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه أنه كان يقبل ويباشر، كانت تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «وكان أملككم لإربه» أي لحاجته في الجماع. فالتقبيل على الصحيح أنه جائز، جائز للصائم من يقبل، بل ويباشر إذا كان أملك لإربه، لكان يستطيع أن يملك نفسه ويملك شهوته فله ذلك، وأما إن كان لا يستطيع أن يملك نفسه وقد يقع في الحرام فالأولى له الابتعاد. فهنا ذكر مسألة: إذا قبل ولمس فأمدى، أنه خرج منه مذي، فهل يفطر؟ قال: لم يفطر عند الشافعي وأبي حنيفة، وعند مالك وأحمد في المشهور عنه أنه يفطر، والصحيح أنه لا يفطر لعدم الدليل على ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل ويباشر، ولا شك أنه هو القدوة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمادام أنه يقبل ويباشر فهذا أدعى بخروج المذي لأنه يأتي بهذه الأشياء، فليس هناك ما يدل على أنه مفطر، بل هناك ما يدل على أنه مباح وأنه جائز للرجل الصائم أن يفعل ذلك. قال: مسألة عند الشافعي وأبي حنيفة وأكثر العلماء: إذا نظر وتلذذ فأنزل لم يفطر، سواء كرر النظر أو لم يكرر، وعند مالك والحسن بن صالح: إذا كرر النظر فأنزل أفطر وقضى وكفر، وإن أنزل من النظرة الأولى أفطر ولا كفارة عليه، وعند أحمد في إحدى الروايتين عنه: عليه القضاء والكفارة، وفي الأخرى: عليه القضاء دون الكفارة. الآن هذه المسألة إذا أمنى، المسألة الأولى إذا أمدى، والمسألة الثانية هنا إذا أمنى، أي خرج منه مني بالنظر أو باللمس أو بالقبلة أو بغيرها من هذه الأشياء. وهنا ذكر مسألة النظر والتلذذ، فإذا نظر وتلذذ إلى زوجته مثلاً أو إلى شيء مما يتلذذ به فأمنى، فهل يفطر؟ قال: لا يفطر، قال: لا يفطر. وهنا مسألة الضابط في هذه المسألة: إن كان أمنى متعمداً وأخرج شهوته متعمداً أو بسبب مباشر أو بسبب مباشر يحقق الشهوة فهذا يفطر، لقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، فمن أخرج شهوته متعمداً فإنه يفطر، سواء كان أخرجها بيده أو أخرجها باحتكاك أو أخرجها بجمع، فإنه يفطر، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الجمع. وأما إذا كان ليس سبباً مباشراً أو محققاً في خروج الشهوة وخرجت، فإنه لا يفطر، مثل مثلاً كما قلنا النظر والتلذذ أو المباشرة أو التقبيل، فهذه الأشياء لا يفطر فيها الشخص، لماذا؟ لأنه ليس سبباً محققاً لخروج الشهوة، فلذلك من أخرج شهوته متعمداً أو بسبب محقق كالجماع وغيره فإنه يفطر، وأما إذا لم يخرجها بسبب مباشر أو تعمداً، فإنه لا يفطر، لأن النظر والتلذذ غالباً لا يفطر منه الإنسان أو لا يخرج منه المني، فلذلك فإذا خرج فهو لا يفطر لأنه لم يتعمد إخراجه. وقد ذكرنا قبل أن أن الفطر له شروط: أن يكون متعمداً، وأن يكون ذاكراً، وأيضاً أن يكون عالماً، عالماً متعمداً ذاكراً، فلا يحصل الفطر بشيء من المفطرات إلا إذا توفرت هذه الشروط الثلاث: أن يكون عالماً بأن هذا يفطر، وأن يكون كذلك متعمداً فعلاً، وأن يكون ذاكراً لا ناسيا، فإذا وجدت هذه الشروط في المفطر فإنه يفسد الصوم. قال: مسألة عند الشافعي: إذا وطئ أو إذا وطأ فيما دون الفرج وقبل أو لمس فأنزل فسد صومه. معنى ظاهر أن التقبيل واللمس تابع للوطء، أنه وطئ فيما دون الفرج، أما جامع امرأته لكن ليس في الفرج، فهنا يفسد صومه لأنه تعمد إخراج الشهوة، تعمد إخراج الشهوة بشيء يخرجها غالباً وهو هذا الجماع. قالوا به، قال أكثر العلماء: وعليه القضاء. أمثلة القضاء والكفارة، الصحيح أنه لا قضاء ولا كفارة، الصحيح أنه لا قضاء ولا كفارة، مادام أنه متعمداً، فعلى هذا متعمداً فلذلك لا كفارة عليه، وليس هناك دليل يدل على أن الكفارة على المتعمد، ليس هناك دليل أبداً يدل على أن المتعمد يكفر، بل هناك حديث لكنه فيه ضعف، وفيه: «من أفطر يوماً من رمضان لم يقضِ صيام الدهر»، من أفطر يوماً في رمضان لم يقضِ صيام الدهر، لكن الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن معناه صحيح، فالذي يفطر يوماً واحداً ما يقضي، ولو صام الدهر كله ما يقضي هذا اليوم، ولهذا قال بعض العلماء أنه يصوم أو يقضي ألف يوم كما جاء عن إبراهيم النخعي يقول: إذا أفطر يوماً من رمضان متعمداً يفطر أو يقضي ألف يوم، لكن هذا لم يأتِ عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومثل القضاء تحتاج إلى دليل، وأيضاً مثل الكفارة لم يأتِ إلا في الجماع، فقياس غير الجماع على الجماع ليس صحيحاً، مقدمات الجماع ليست مثل الجماع، فالجماع محرم وأيضاً كذلك فيه الكفارة، وأما غير هذه الأشياء فليس فيها كفارة. فإذا وطئ فيما دون الفرج وقبل ولمس فأنزل فسد صومه، قالوا: عند الحسن وعطاء ومالك وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق والإمامية: عليه القضاء والكفارة، وعند أحمد: عليه الكفارة إذا جامع دون الفرج، وبه قال أكثر العلماء: وإذا قبل ولمس ففيه روايتان. فقلنا: هذه المسألة لم يخالف فيها إلا الظاهرية، الظاهرية خالفوا في هذه المسألة، لكن المؤلف ما يذكر الظاهرية إلا أحياناً، ولكن الصحيح هو أنه يفطر إذا تعمد الإخراج أو جامع ولو دون الفرج وأخرج، فإنه يفطر لأنه حقق شهوته، حقق شهوته ولم يتركها، حقق شهوته ولم يترك هذه الشهوات. طيب. قال: مسألة عند الشافعي وأحمد وأكثر العلماء: إذا وكز فأنزل فلا شيء عليه، وعند مالك يفسد صومه، وبه قال بعض الحنابلة. إذا وكز، الوكز إما أن يكون الوكز هو معنى الضرب بيد مطبقة، معنى يقول: هكذا، هذا يعتبر وكز، أو يكون معه شيء ما، يكون معه شيء عود أو شيء فيضعه في الإنسان، هذا يسمى وكز، مثل ما جاء عن عائشة لما جاء أبو بكر الصديق رضي الله أبوها، قالت: «فوكزني في خاصرة كزاً»، معنى إما بأصبعه وإما بيده هكذا، حتى ينبه أنها فعلت هذا الشيء الذي خفي من شيء من التصرفات التي قد تؤذي النبي عليه الصلاة والسلام. والمهم أن الوكز هذا، أو يكون الوكز بشيء، وهنا كأنه قصد وكذا، معنى أنه أراد أن يجامع في غير الفرج أو وكز في مكان الفرج لكنه لم يدخل، لم يدخل فأنزل، قال: فلا شيء عليه، أو قال: وعند مالك يفسد صومه، وبه قال بعض الحنابلة. معنى إذا وكز، معنى وأخرج، أو معنى لم يدخل، وكذلك لم يكن يريد جامعاً وإنما فقط فعل هذا الشيء، فلا يعتبر مفسداً عند أكثر العلماء، وهو صحيح لأن بهذا لا تتحقق الشهوة غالباً. قال: مسألة عند الشافعي وأبي حنيفة وأكثر العلماء: إذا أكل وشرب أو جامع ناسيا لم يفسد صومه، وبه قال من الزيدية زيد بن علي وأحمد بن عيسى، وعند الربيع والليث: الأكل والشرب أكثر العلماء على أنه لا يفسد إذا كان ناسيا، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». فهذا في الأكل والشرب، أما الجماع فقد حصل الخلاف: هل المجامع يتحقق فيه النسيان؟ فجاء في رواية عن أحمد أن الجماع ما يتحقق فيه النسيان، وجاء عنه رواية أنه لا بأس أو أنه قد يتحقق فيه النسيان، والرواية المشهورة عن أحمد أنه يجب عليه القضاء والكفارة بالجماع وإذا كان ناسيا، حتى لو كان ناسيا. والصحيح أن الجماع إذا كان متعمداً وذاكراً فهنا يكون فيه الكفارة وليس فيه القضاء، معنى يفطر ويفسد صومه وعليه الكفارة المغلظة، كفارة التي جاءت في حديث أبي هريرة في ذاك الرجل الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان، الجماع في نهار رمضان، فقال: «أعتق رقبة»، قال: لا أجد، قال: «صم شهرين متتابعين»، قال: لا أستطيع، قال: «أطعم ستين مسكيناً»، قال: لا أجد. فهذا الحديث يدل على ترتيب الكفارة: أول العتق، ثم الصيام، ثم بعد ذلك الإطعام. إذا لم يستطع على هذه الثلاثة، فهل تسقط عنه الكفارة أو لا تسقط؟ فالصحيح من قول العلماء أنها تسقط، أنها تسقط، وقول جمهور العلماء أنها تبقى في ذمته، والدليل على أنها تسقط ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الذي ذكرناه آنفاً، فإنه أسقط الكفارة على هذا الصحابي، أسقط النبي عليه الصلاة والسلام الكفارة عليه، فلما جاءه عرق أو مكتل فيه تمر، مكتل مع ناس زنبيل، فقال: «خذ هذا وتصدق به»، فقال: على أفقر أهل بيت مني، فوالذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أناس أفقر مني أنا في المدينة، فقال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اذهب فأطعمه أهلك». وهنا أسقط النبي صلى الله عليه وسلم عليه الكفارة لأنه معسر ما عنده ولا يستطيع الصيام، فأسقطها، فالصحيح أنها تسقط. وأيضاً المجامع تكون الكفارة على الرجل، لكن هل على المرأة كفارة؟ هل المرأة أيضاً تكفر إذا جامعها الرجل؟ خلاف بين العلماء أيضاً، كذلك إذا طاوعت أو لم تطاوع، والصحيح أنه ليس عليها كفارة، سواء كان طاوعت أو لم تطاوع، فإن طاوعت فهي آثمة وأفسد صومها، فإن لم تطاوع وغصبها، معنى أكرهها، دون معنى دافعت لكن لم تستطع، فأكرهها على ذلك، فهنا أو أنه جاءها وهي نائمة، جاءها وهي نائمة، فهنا لا يفسد صومها، لا يفسد صومها وليس عليها شيء. وأما إذا واطأت أو أنها لم تدافع تلك المدافعة، فإنه يفسد صومها، يفسد صومها، لكن هل عليها كفارة؟ صحيح أنه ليس عليها كفارة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن المرأة، عن الرجل عن المرأة وأنها تكفر، ما قال له: «أخبر زوجتك أنها أيضاً تكفر»، فلذلك فليس عليها كفارة، ليس على المرأة كفارة، وإنما على الرجل. وأيضاً هذه الكفارة سواء كانت في جماع صحيح أو ليس صحيح المحارم، بل ذكر بعضهم أو أكثر أهل العلم حتى لو كان لواطاً، فإذا أدخل ذكره في فرج فإنه يفطر بذلك ويكون عليه الكفارة المغلظة، يفطر بذلك وعليه الكفارة المغلظة. طيب، إن شاء الله نختم بهذا المقال، الله أعلم. طيب، إذا أفسد الصوم بإحدى المفطرات، فهل يلزم إمساك بقية اليوم؟ الصحيح أنه لا يلزم، لكن جمهور العلماء يقولون أنه يمسك، يمسك سائر اليوم ولا يفطر، مادام أنه قد أفسد صومه متعمداً، يمسك، يجب عليه أن يمسك ولا يفعل شيء من المفطرات، بل يبقى ممسكاً، وهذا لا دليل عليه، وكما قال عبد الله بن مسعود: «من أفطر أول النهار فهو في آخر النهار مفطر، هو مفطر أصلاً، سواء كان أمسك أو لم يمسك». طيب، الله أعلى، وشكراً للمشاهدين، شكراً للمشاهدين.