الدرس في شرح كتاب التوحيد 121، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" ويبين تحريم دفن الموتى داخل البيوت كونه من البدع، مع استثناءات لبعض الصالحين للعظة.
يشرح المقطع أسباب تحريم دفن الأموات في البيوت ويجيب على استفسار حول دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته كونه من خصائصه وبتوافق مع إجماع الصحابة.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من جعل البيوت كالقبور بترك العبادات فيها وأمر بجعل حظ من الطاعات مثل قراءة القرآن والصلاة النوافل.
يؤجل الشيخ الحديث عن بعض المسائل إلى درس قادم ويختم بالدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب، باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. وهذا الحديث من أول مسائل هذا الباب النظر إلى صحته، إذ أن هذا الحديث قد رواه أبو داود في سننه، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى صحته وإلى تحسينه. فممن ذهب إلى تصحيحه الإمام النووي رحمه الله تعالى كما في كتابه الأذكار، وهكذا على إثره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: وإسناده حسن. وقد خلص صاحب كتاب النهج السديد في تخريج هذا الحديث إلى أن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى الصحة. والأمر كما قال رحمه الله، فإذا أن فقرات هذا الحديث قد جاءت الأدلة التي تدل على صحتها. ففي الفقرة الأولى من هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» نهى نبينا عليه الصلاة والسلام بأن نجعل البيوت قبورا. والعلماء حملوا هذه الفقرة وحملوا هذا الحديث على أحد معنيين، المعنى الأول أي أن لا تجعلوا بيوتكم مقابر أو أن لا تجعلوا بيوتكم كالمقابر. نأتي إلى الصورة الأولى «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» أي لا تجعلوا بيوتكم مقابر بحيث تدفن فيها الموتى. فالبيت إخواني في الله هو محل استقرار الآدمي، ليس محل لوضع الأموات والجثث. فإن هذا لا يجوز، لو أن رجلا قال لأهل بيته هذا البيت الحوش الفلاني هذا الحوش الغربي إذا أنا مت ادفنوني فيه أو في الكرس اجعلوا قبري في الداخل، أنا ما أريد أن أدفن في المقابر في الخارج أريد أن أكون عندكم بينكم بين أهلي وأرحامي مثلا، فاقتطع لنفسه بقعة في بيته وقال هنا سأدفن، أو أن أهل بيته من بعده ما أرادوا أن يفارقوه أي يفارقوا الميت فدفنوه عندهم، فهل هذا يجوز؟ الجواب هذا لا يجوز. ما يجوز أن يدفن الأموات داخل البيوت، وذلك أولا لعموم الحديث لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» فنهى نبينا، وهذا يدخل في النهي. زد على ذلكم أن هذه من البدع، ما علم وما عرف عن سلفنا الصالح أنهم كانوا يتدافنون في البيوت، وإنما كان محل الدفن في القبور. فما كان هذا قد أثر عن سلفنا الصالح، نعم جاء عن بعضهم أنه لو ربما اتخذ قبرا له في بيته لكنه أراد للعظة والاتعاظ يتعظ برؤية القبر، بل حتى كان من بعضهم إذا شعر من نفسه قسوة قلبه لربما دخل إلى هذا القبر في بيته ثم خرج بعدما استشعر بالحياة البرزخية. نعم فعل هذا بعض الصالحين من باب العظة والاعتبار، لكن ما يوافق عليه هذا ما يوافق عليه. فالشاهد أن هذا يجر إلى البدع، زد على ذلك أن هذا يخشى عليه من الغلو ومجاوزة الحد إذا كان تعليق الصور وهي صور لآدم لا تعلق خشية التعظيم، فما ظنك يا عبد الله بجثة الآدمي موجودة عندك موجودة عندك، فلربما مرت الفترات الطوال كما جرى مع قوم نوح. وقد مر هذا معنا هي قبور، لكن مع مرور الأزمان وتتابع الأجيال ما الذي صار عبيدا فيخشى من وجود قبر فلان وفلان داخل بيته أن الناس بعد ذلك يغلون فيه فيقعون في الشرك. زد على ذلكم أن وجود القبور داخل البيوت هي عرضة للامتهان، أصحاب البيوت إخواني فلا تمر عليهم الأفراح تمر عليهم المناسبات تمر عليهم الأوقات التي يبحكون فيها، فهل يتناسب هذا الضحك وهذا الفرح مع وجود القبور داخل البيوت؟ أو ما يكون من المرور ذهابا وإيابا على هذا القبر؟ حتى أن الخوف من القبور والدعاء لها والتفكر بأحوال أهلها قد يضعف ويضعف مما يولج في القلب الامتهان. فهذه الأسباب إخواني في الله أوصلت العلماء إلى منع دفن الأموات في البيوت. لكن تأتي مسألة قد يقول قائل أليس نبينا صلى الله عليه وسلم دفن في بيته؟ فكيف تقرر لنا أن دفن الأموات لا يجوز وأن فيها كذا وفيها كذا من المساوئ، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم دفن في بيته؟ فما الجواب؟ الجواب يا عبد الله اعلم أولا أن ما وقع لنبينا نعم دفن في بيته، لكن هذه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام. بل هي من خصائص الأنبياء، إذ أنهم يدفنون في الأماكن التي قبضت فيها الأرواح أرواحهم، هذه خصيصة ليست لي وليست لك ولا لفلان ولا علان، إنما هذا خاص بأنبياء الله. نبي من أنبياء الله إن جاءت منيته في أي مكان كان في أي مكان كان، فالمكان الذي دفن الذي قبضت فيه روحه يجعل محله قبر يدفن فيه مباشرة. وهذا الذي صار لنبينا عليه الصلاة والسلام، إذ أن روحه قبضت وهو في بيته فكان دفنه في محله، فهذا خاص فلا يتعذر أحد بأن يخرج من فهم الحديث بفعله لأن هذه من خصائصه عليه الصلاة والسلام. زد على ذلك أن ذلك كان بإجماع الصحابة، وإجماع الصحابة حجة. فالصحابة جميعا أجمعوا على محل دفنه، فكيف تقيس مسألة قد قام عليها الإجماع؟ وإجمعوا من إجمعوا الصحابة الذي لا يعادله أي إجماع، ثم تقيس هذا الإجماع بأمرك الذي أكثر العلماء على منعك وأكثر العلماء على بدعيتك وأن هذا لا يجوز. ثالثا أن يقال أن من الأشياء التي لأجلها دفن فيها نبينا في بيته المصلحة الشرعية، إذ أنه خشي أن يتخذ مسجدا كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها عندما عللت السبب الذي لأجله دفن نبينا في بيته قالت غير أنه خشي أن يتخذ عليه مسجدا. فكانت هناك فتنة عظيمة لأن قبره أبرز للناس ودفن مع المقابر، هنا ستأتي الفتنة الدهماء الفتنة العظيمة على دين الناس. فكانت المصلحة في أن يدفن، لكن أنت يا عبد الله أي مصلحة في أن تدفن في بيتك؟ أما هناك مصلحة مرجوة من فعلك؟ فلهذا ما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام أنه نعم دفن في بيته، هذا يعد من خصائصه عليه الصلاة والسلام. إذن هذا المحمل الأول للحديث «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» أي لا تجعلوا بيوتكم مقبرة في دفن الأموات. الصورة الثانية لفهم هذا الحديث «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» أي لا تجعلوا بيوتكم كالمقابر، أي تعاملون بيوتكم كما تعاملون المقابر فلا يستوي بيوت الأحياء مع بيوت الأموات، لا يستويان. فبيوت الأموات إنما بنيت لاستقرار فقط لاستقرار الجثث، فما هناك عبادات ما هناك طاعات ما هناك نوافل ما هناك قربات تكون للأموات. وإنما بيوتكم هي التي تفعل فيها الطاعات تفعل فيها العبادات تفعل فيها النوافل والقربات، بها يقرأ القرآن. فقوله عليه الصلاة والسلام «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» أي لا تعاملوا بيوتكم كمعاملة المقابر. فالمقابر لا تشرع فيها العبادات، فلا تجعلوا بيوتكم مثل القبور ما هناك عبادات. وهذا الذي يقع في بيوتنا إخوان في الله أنها عارية عارية من العبادات والطاعات، والنبي صلى الله عليه وسلم حثنا على أن نجعل للبيوت حظا من طاعاتنا ومن عباداتنا، وأن لا نعاملها كالمقابر. فقد ثبت ذلك في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا» رواه البخاري ومسلم. فقولوا عليه الصلاة والسلام «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا» بمعنى اجعلوا من صلاتكم أي النوافل، لأن صلاة الجماعة وصلوات المفروضة حقها في بيوت الله في المساجد. أما باقي الصلوات كالنوافل السنن القبلية السنن البعدية الوتر القيام النوافل النوافل المطلقة، حاول يا عبد الله أن تجعل لها حظا في بيتك لماذا؟ حتى لا تجعل بيتك مظلم كالمقبرة. فقال «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا» وجاء في صحيح مسلم أيضا قال عليه الصلاة والسلام «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يسمع فيه سورة البقرة تقرأ فيه» هذا واضح. فنبينا صلى الله عليه وسلم قال «لا تجعلوا بيوتكم مقابر» ثم أوضح نبينا المعنى الثاني وهو الذي حمل عليه العلماء كيف لا نجعل البيوت مقابر؟ قال «فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه». الشيطان إذا سمع بيتا يقرأ فيه القرآن قراءة وتلاوة وخاصة سورة البقرة فإن الشيطان يفر منه يهرب منه، بخلاف المقابر فإن الشياطين فيه محتضرة لأنها لا يقرأ فيها القرآن. فهذه الأحاديث إخواني في الله فيه بيان على أن من معاني «ولا تجعلوا بيوتكم مقابر» أي لا تعاملوا بيوتكم كمعاملة المقابر. فإن المقابر عارية من العبادات، فلا تجعلوا بيوتكم عارية من العبادات، بل أشغلوها بالطاعات بالنوافل وبقراءة القرآن. ومنه يفهم على أن المقابر ليست محلا للعبادة، لكن على خلاف ما يفعله بعض المبتدعة والمتنسكة لربما لا تحلو له العبادة إلا في المقبرة، لا يحلو له القرآن إلا عند المقابر، ما يحب أن يصلي الصلاة التي يحب أن يلاقي ربه بها إلا عند القبور. كما مر معنا تجد بعض الناس لربما إذا أراد أن يصلي صلاة ما لربما بحث عن المساجد التي فيها القبور ليرى أن الأجر فيه مضاعف، وما علم أن الإجماع قد تم على منع من الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور. الشاهد من هذا أن من الناس إخواني في الله على فهم أعوج وسلوك أهوج في ظنه أن القبور والمقابر هي محلا للعبادات والطاعة. لا يا عبد الله، النوافل والقربات والطاعة وقراءة القرآن والأذكار والأوراد اجعلها يا عبد الله في بيوت الله أو اجعلها في بيتك، فحتى تبعد الظلمة وتبعد الشياطين عن ذلك. أما ما يتعلق بقوله عليه الصلاة والسلام «ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي» نرجي الكلام عن هذه المسائل إلى درس غد. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.