الدرس في كتاب الصيام 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع آراء الفقهاء في كفارة من جامع في نهار رمضان، مبينًا أنها تجب في الجماع الحلال والحرام والملاط ووطء الدبر، وأن القضاء لا يسقط بالكفارة عند الشافعي في أصح القولين، بينما يسقط بالصوم عند الأوزاعي. كما يناقش حكم من عجز عن خصال الكفارة الثلاث، حيث يرى الشافعي وأحمد في قول أنها تسقط ولا تثبت في الذمة، مستدلين بفعل النبي ﷺ مع الرجل العاجز، مع التنبيه أن العجز الحقيقي غير البخل بالمال.
يبيّن المقطع أن كفارة من أفطر في رمضان بالجماع مرتبة على العتق، ثم صيام شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكينًا لكلٍّ مدٌّ واحد، مع وجوب تعيين الستين مسكينًا وعدم الاكتفاء بإطعام عدد أقل بعدد أكبر. وينقل خلاف داود الظاهري الذي يرى الإشباع دون تقدير، والحسن البصري وعطاء اللذين خيّرا بين العتق والبدنة والإطعام بمقادير مختلفة، مرجّحًا أن خلافهم لعدم وصول الحديث النبوي المحدد للترتيب والمقادير إليهم.
يبيّن المقطع اختلاف المذاهب الأربعة في مقدار الإطعام الواجب في الكفارات (مد، نصف صاع، صاع) وتقديره بالكيلوغرامات، ثم ينتقل إلى حكم من شرع في كفارة الإطعام ثم استطاع الصيام، حيث يراه الشافعي مستحباً ويراه الحنفية والمزني واجباً، ويختم بذكر الأقوال الثلاثة في كفارة الجماع في نهار رمضان وهل تجب على المرأة أم على الرجل فقط.
ذكر المقطع قول أكثر العلماء في كفارة الجماع، ورواية ثالثة للإمام أحمد تفيد بلزوم الكفارة في الحج دون الصيام. وأشار المحاضر إلى بقاء مسائل أخرى في باب الجماع سيتم تناولها في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد، فقد أخذنا بعض المسائل في كفارة الجماع، ولا يزال المؤلف يذكر بعض هذه المسائل. وأيضًا، كما هو معلوم عند أكثر العلماء وقرروه، أن هذه الكفارة تكون على كل من أدخل فرجه في فرج حرام، أو في فرج، سواء كان جماعًا حلالًا أو حرامًا. وكذلك أيضًا الملاط، ففيه الكفارة، أو حتى وطأ في دبر امرأة، فلكذلك فيه الكفارة. وسيأتي أنه أيضًا ليس فيه قضاء. وذكر أيضًا مسألة هنا: إذا وطئ بهيمة، أيضًا عند الشافعي أنه يبطل صومه، وفي الكفارة الخلاف المشهور في الجديد، وبهذا قال أحمد. وعند أبي حنيفة لا شيء عليه إلا أن ينزل، فيقضي. حاصل ذلك: ليس عليه إلا القضاء عند أبي حنيفة. طيب. قال: مسألة عند الشافعي: إذا كفر الواطئ لم يسقط عنه القضاء في أصح القولين، سواء كفر بالعتق أو بالإطعام أو بالصوم. وعند الأوزاعي: إن كفر بالعتق والإطعام لم يسقط عنه القضاء، وإن كفر عنها بالصوم سقط عنه القضاء. إذن، إذا هذا الذي وطأ وجامع في نهار رمضان، قال: لم يسقط عنه القضاء في أصح القولين، حتى لو كفر بالصيام، لو صام شهرين متتابعين. وعند الأوزاعي أنه إن كفر بالعتق أو الطعام لم يسقط عنه القضاء. والصحيح كما تقدم: أنه لا قضاء على المتعمد؛ المتعمد لا قضاء عليه، ويتحمل هذا اليوم في ذمته، والواجب عليه التوبة. قال: مسألة عند الشافعي: إذا عجز عن خصال الكفارة، ففي ثبوتها في ذمته قولان: أحدهما لا تثبت، وبه قال أحمد. والثاني: تثبت، وبه قال أكثر العلماء. وأما جزاء الصيد فيثبت في الذمة عند الشافعي قطعًا. الآن هذه المسألة: إذا كان مثلًا لم يستطع أن يعتق رقبة، ولا أن يصوم شهرين متتابعين، ولم يجد أيضًا ما يطعم ستين مسكينًا، فهل يقال: إن هذه الكفارة في ذمته، متى ما استطاع يفعلها؟ أم أنها تسقط إذا كان لا يستطيع شيئًا من هذه الأمور فتسقط؟ فقال هنا: قول الشافعي وأحمد، وقول أحمد أنها تسقط ولا تثبت؛ تسقط هذه الكفارة إذا عجز عنها. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يكلف ذلك الرجل أن يأتي بهذه الكفارة في زمن ما، بل قال له: «خذه وأطعمه أهلك»، يعني: خذ هذا الزنبيل والمكتل الذي فيه التمر، قال له: «أطعمه أهلك». وهذا عند العجز. أما إذا كان يستطيع أن يصوم ويقول: أنا لا أستطيع، فهذا يتحمل هذا الأمر. أو عنده ما يطعم ستين مسكينًا لكن بخيل، يبخل على المال الذي عنده، يقول: لذا أطعمت ستين مسكينًا سيأخذ علي مالًا كثيرًا، أو سيأخذ المال الذي معك. فهذا لا يكون عاجزًا، بل يجب عليه أن يطعم ستين مسكينًا ولا تسقط عنه. وأما من كان معسرًا، ما عنده شيء، ولم يستطع، أو لا يستطيع الصيام لضعف فيه مثلًا، فهذا تسقط عنه، تسقط عنه ولا تبقى في ذمته. وقالوا: أما جزاء الصيد فيثبت في الذمة عند الشافعي قطعًا. جزاء الصيد: أي في الحج، من قتل صيدًا. وعند أحمد أنها لا تثبت كذلك. وهذا هو الصحيح: أن من عجز عن الكفارة تسقط عنه. قال: مسألة عند الشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي، وأصح الروايتين عن أحمد، وبه قال أكثر العلماء: أن كفارة إفساد الصوم بالجماع على الترتيب، فالواجب العتق، فإن عدم فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينًا. هذا الترتيب هو الذي جاء في الحديث: قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أعتق رقبة»، قال: لا أجد. قال: «صم شهرين متتابعين»، قال: لا أستطيع. قال: «فأطعم ستين مسكينًا». فرتب النبي عليه الصلاة والسلام الكفارة. وكذلك أيضًا بعضهم قاسها على كفارة الظهار؛ الله عز وجل جعلها أيضًا مرتبة: العتق، ثم الصيام، ثم بعد ذلك الإطعام. فإن عجز بعد ذلك كما ذكرنا قبل، وإلا يجب عليه أن يرتب. فمثلًا: العتق، ما في رقاب الآن، ينتقل إلى الصيام. فإن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين لضعف فيه، أو لمرض مثلًا، أو كذا، فإنه ينتقل إلى الإطعام، ينتقل إلى الإطعام. هذا واجب عند أكثر العلماء. قالوا: عند داود ليس فيها إطعام مقدر. هذه مسألة الإطعام: هل هناك إطعام مقدر أو ليس كذلك؟ وأكثر العلماء يجعلون الإطعام: إطعام مسكين، بمعنى وجبة إذا كان جاهزًا. وإذا كان نيئًا فقدره بعضهم بمد، بمد. فإن كان كيلًا مثلًا، يريد أن يخرجه كيلًا، يقيس بالكيل على المد. مثلًا: يأتي له بعلبة، هذه الشربة مثلًا، كويكر، أو كذا، أو ما يقابلها، فملؤها يعتبر مدًا، ملؤها يعتبر مدًا، فيعطي بهذا المد أحد المساكين. بمعنى: يعتبر حقهم، يعطيهم ستين، يعطي ستين مسكينًا. وتعيين الستين لا بد منه؛ ما يُكرر، ما يُكرر. يعطي واحد مثلًا عشر كفارات، أو عشر فديات، أو إطعام عشرة، يجعلها على واحد، لا، هذا لا يصلح. إنما هذا يصلح في كفارة رمضان لأنها لم تعين بالشرع. لكن هنا ذُكر ستين مسكينًا، لا بد أن يعين ستين مسكينًا، مثل كفارة اليمين: كفارة اليمين عشرة، فلا بد أن يعطي عشرة. عند داود: ليس فيها طعام مقدر، قال: وإنما يجب فيها الإشباع. وعند الحسن: هي على التخيير بين العتق، وبين أن ينحر بدنة، أو يطعم عشرين صاعًا لأربعين مسكينًا. وهذا لعله لم يصله الحديث عن الحسن بن أبي الحسن البصري؛ لعله لم يصله الحديث، وإلا لقال به. قال: وعند عطاء: وعنده تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة، أو بقرة، أو عشرون صاعًا من طعام يطعم المساكين. وهذا كما قلنا يدل على أنهم لم يصلهم الحديث. وذكر هنا خلاف الزيدية بعد ذلك. والمهم أن الصحيح: أنه يُعطي مدًا إذا كان طعامًا. طيب. قال هنا: سيأتي ذكر هذه المسألة. قال: مسألة عند الشافعي: الواجب في الإطعام في الكفارة: كل مسكين مد من جميع الحبوب، سوى كان من البر أو الأرز أو غيره، يخرج مدًا. قالوا: عند أبي حنيفة: وفي العراق من البر نصف صاع، نصف صاع، بمعنى: إذا كان برًا، ومن غير البر صاع. وفي الزبيب روايتان. وعند مالك: كفارة اليمين يطعم بها بمد النبي عليه الصلاة والسلام، وفي كفارة الظهار بمد هشام بن عبد الملك. وهذا من باب التقدير فقط، وإلا الأصل هو مد أهل المدينة، مد النبي عليه الصلاة والسلام. وعلى التقدير كما قلنا: معنى من قال: إنها ثلاثة كيلو، أي صاع يعتبر كيلو، لا أربع، لأن المد أربع عمدات، أو الصاع أربع عمدات، أن المد ربع الصاع، فيخرج مدًا. أنا بالتقدير أو بالوزن: كيلو إلا ربع. ومن قال: كيلو ونصف، سيأتي تقديره: نصف كيلو وثمن، وهكذا. ومن باب الاحتياط: يخرج كيلو إلا ربع لكل مسكين، هذا المد. قال: مثلًا عند الشافعي: إذا شرع في الصوم، ثم قد يطرأ على العتق، لم يلزمه العتق، بل يستحب له. وعند أبي حنيفة والمزني: يجب عليه، ولا يجزئه الصوم. واختلف قول الشافعي في الكفارة التي تجب في الجماع على ثلاثة أقوال. طيب. الآن: إذا شرع في شيء من هذه الأمور الثلاثة، شرع مثلًا في الإطعام، ثم استطاع أن يصوم، ذهب منه المرض أو الضعف الذي كان فيه، فهل يرجع إلى الصيام أم يبقى في الإطعام؟ فهنا يقول عند الشافعي: إنه يستحب له أن يرجع. وعند أبي حنيفة والمزني: يجب عليه، يجب عليه أن يرجع. وهذا لأنه واجب؛ لأن الصيام واجب. فإذا استطاع أن يصوم، يترك الإطعام ويصوم. أو مثلًا يحسب ما كان قد أعطى، مثلًا لو أعطى عشر مساكين، يحسب هذه: على كل يوم صيام مسكين، فيصوم خمسين يومًا، فيصوم خمسين يومًا، لأنه قد أطعم عشرة، معناها خرجت عليه عشرة أيام. قال: اختلف قول الشافعي في الكفارة التي تجب في الجماع على ثلاثة أقوال: حدها: يجب عليه دونها، وبه قال أحمد. والثاني: يجب عليه كفارة واحدة عنه وعنها على المرأة. والثالث: يجب كفارتان، كفارة عليه وكفارة عليها. وصحيح أن الكفارة على الرجل تعتبر كفارة له، أو كفارة، أو كفارة عليه وعليها. وهنا قول: يجب عليه دونها، معناه: يقولون إنه لا... معناه: ما تكون كفارة كاملة، وإننا نصف كفارة على المرأة. والصحيح: أنه لا كفارة عليها، سواء كانت مطاوعة أو غير مطاوعة، فالكفارة تكون عن الرجل، عنه، يتحملها الرجل عنه وعن زوجته. قالوا به: قال أبو حنيفة ومالك وأبو ثور: قالوا يجب كفارتان، في إحدى الروايتين عنه. واختار ابن المنذر والقاضي أبو الطيب من الشافعية، معناه: اختاروا أنها تكون كفارتين، أنها تكون كفارتين. قالوا به قال أكثر العلماء. وعن أحمد رواية ثالثة: أنه يلزمهما الكفارة في الحج دون الصيام. طيب. هذه بعض المسائل، إن شاء الله. بقيت مسائل في الجماع نتركها في درس لاحق، والله تعالى أعلم.