التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 1

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 1

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة كتاب القواعد الحسان وتعريف بالمؤلف ومنهجه

يستهل الدرس بتعريف بكتاب "القواعد الحسان في تفسير القرآن" للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ومكانته العلمية، مبيناً فوائد التأليف في قواعد التفسير من التيسير وجمع الأشباه والنظائر. ويذكر أن المؤلف ألفها في رمضان في 36 يوماً بواقع قاعدتين يومياً، وافتتح مقدمته بالحمدلة والصلاة على النبي اقتداء بهديه.

فضل علم التفسير ووجوب العناية به لارتباطه بكلام الله

يبيّن المقطع أن علم التفسير أجلّ العلوم وأفضلها وأوجبها لشرف تعلقه بكلام الله، وأن تعلم قواعده يفتح أبواب الفهم والتدبر والاستنباط فيستغني به الطالب عن كثير من التفاسير. ويحذر من الإعراض عن فهم معاني القرآن لما يوقعه في الجهل بأوامر الله ونواهيه، مؤكداً وجوب العناية بتدبر آياته يومياً.

أثر تدبر القرآن في سعادة الدارين ومنزلة العلماء

يوضح أن تدبر القرآن وفهم معانيه عبر علم التفسير هو سبيل تحقيق الهداية والخشية لله، وأن العلماء هم الذين يعقلون آيات الله وينالون أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة. ويؤكد أن إنفاق العمر في تعلم تفسير القرآن ليس بخسران بل هو أصل الأصول وقاعدة السعادة وصلاح الدين والدنيا، لأن القرآن شفاء وبركة يورث حياة زاهرة.

أهمية العناية بالقرآن وقواعد التفسير المختصرة للطالب

يختتم المتحدث بالتأكيد على أن العناية بالقرآن قراءةً وتدبراً وتفسيراً من أعظم أسباب السعادة، مقدماً قواعد مختصرة في علم التفسير تكفي الطالب مع الأمثلة دون حاجة للتوسع والتفصيل. ويختم اللقاء بالدعاء بالتوفيق والهداية لجميع المستفيدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فبين يدينا هذا الكتاب: "القواعد الحسان في تفسير القرآن" لمؤلفه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، المولود سنة سبع وثلاثمائة وألف للهجرة، وتوفي في عام ست وسبعين وثلاثمائة وألف، يعني عاش تسعًا وستين سنة، رحمه الله تعالى. لكنه خلف ثروة عظيمة في العلم، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى من أعظم هذه العلوم علوم القرآن، كان متخصصًا ومعتنيًا بعلم تفسير القرآن، فله عدة مؤلفات تتعلق بالقرآن، من أعظمها تفسير كامل للقرآن، فسر القرآن كاملًا في كتابه "تيسير الكريم المنان"؛ هكذا اسمه، "تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن". نعم، الرحمن. طيب، مؤلفاته هنا ذُكر من تلك المؤلفات: نعم، "تيسير الكريم المنان"، مش "الرحمن المنان"، أنا أحفظ هكذا: "تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن". كيف؟ "تيسير الكريم المنان في تفسير كلام المنان"؟ آخر شيء "المنان". نعم، أحسن. فهذا من أعظم كتبه في تفسير القرآن. طيب، ومن كذلك اعتنائه بالقرآن تأليفه في قصص القرآن، الكتاب الذي ندرسه في يوم الثلاثاء والأربعاء في الدرس العام في هذا المكان في المركز، هو كتاب الشيخ السعدي رحمه الله: "قصص القرآن". وأيضًا من اعتنائه بالقرآن هذا المؤلف، فهو قواعد في تفسير القرآن: "القواعد الحسان في تفسير القرآن". والكتابة في مثل هذه القواعد لها فوائد عدة، سيبين بعضها في المقدمة. فمن فوائد الكتابة في قواعد القرآن: التيسير والتسهيل على طالب العلم وطالب التفسير في معرفة التفسير، فالقاعدة تيسر وتسهل على الطالب فهم القرآن. والأمر الثاني أيضًا من فوائد القواعد والتأليف في ذلك: أنها سبب لاجتماع الأشباه والنظائر، وهو يعطي قاعدة، وهذه القاعدة تجمع مسائل عدة، يجتمع عليها مسائل عدة، كما سيأتي معنا مثلًا في سبب النزول: أنه لا يقتصر على السبب الذي أنزلت فيه هذه الآية، فكل ما يشبهها يدخل تحت معنى هذا السبب. طيب، فهو يعين طالب العلم على جمع الأشباه والنظائر في هذه المسألة. والأمر الثالث كذلك من فوائد التأليف في القرآن: رد الجزئيات إلى تلك القواعد الكلية. رد الجزئيات، يعني الفروع، المسائل الصغيرة، ترد إلى هذه القاعدة الكبيرة، إلى هذه القاعدة الكبيرة. وسنذكر أمثلة عند دراستنا لهذا الكتاب في هذه الفائدة، وهي: رد الجزئيات إلى الكليات. وأيضًا دراسة القواعد في أي فن مهم جدًا، لأن القواعد هي في الحقيقة التي يُبنى عليها البناء. فالقواعد في العلم كالقواعد في البناء، وكالأصول للأشجار. البناء إذا لم يكن عليه قواعد، ما عليه أساس قوي متين، وبني عليه، سرعان ما ينهد وينهدم هذا البناء. وهكذا أخذ طالب العلم لقواعد العلوم سبب لقوته في العلم، فيبني على هذه القواعد بقية العلوم أو بقية المسائل. طيب، وكذلك الشجرة إذا ما عندها أصل، ما عندها عروق متوغلة في الأرض، أي ريح، أي شيء يضربها، على طول تسقط، لأنه ما عندها أصل، ما في عندها قوة، ما في قوة. فهكذا قال العلماء: دراسة القواعد في العلوم كالقواعد في البناء والأصول في الأشجار، فلابد لطالب العلم أن يعتني بدراسة القواعد. ولذلك ألف العلماء قواعد في جميع فنون العلم، ليس في التفسير فحسب، بل في الفقه أيضًا: القواعد الفقهية، كم ألف! ومنهم المؤلف رحمه الله ألف رسالة نظما ثم شرحها نثرا وسماها "القواعد الفقهية". طيب، هذا خاص بالفقه، خاص بماذا؟ بالفقه. كذلك ألف العلماء في القواعد الأصولية في علم الأصول، وألف العلماء في القواعد الحديثية يعني في علم الحديث. فهذه القواعد لا بد لطالب العلم أن يعرفها وأن يبني علمه عليها في كل فن، وأن يبني علمه عليها في كل فن. ومن ذلك علم التفسير: قواعد علم التفسير. والمؤلف رحمه الله ألف هذه القواعد في شهر رمضان، وانتهى منه في السادس من شوال. جاء في بعض النسخ المخطوطة أنه قال: "ابتدأت في هذا الكتاب غرة رمضان". ما معنى غرة رمضان؟ ما معنى الغرة يا إخوان؟ الغرة هو أول شيء، يعني أول يوم في رمضان يسمى غرة رمضان. تسمعون في الإعلانات: أعلنت المملكة العربية السعودية أن غرة رمضان يوم الثلاثاء، يعني أول يوم في رمضان. واضح؟ فابتدأ، ابتدأ هذه الرسالة، ابتدأ تأليف هذه الرسالة في غرة رمضان، وانتهى منها كما في نسخة أيضًا مخطوطة قال: "وانتهيت من هذه الرسالة في السادس من شوال"، يعني في اليوم السادس من شوال، في نفس العام الذي قيل أنه ابتدأ هذه الرسالة في عام سبع وستين، وابتدأ هذه الرسالة في... نعم، خمس وأربعين ألف وثلاثمائة وخمس وأربعين تقريبًا هكذا أو نحوها. ففي نفس الشهر انتهى من هذه الرسالة. ذكر العلماء لطيفة في ذلك، وهي أن رمضان شهر القرآن، فهذا بسبب انشغاله بالقرآن تلاوة وتدبرًا في رمضان ألف هذه الرسالة في هذا الشهر. وله مؤلف مستقل ألفه في شهر رمضان سماه "المواهب الربانية"، سماه "المواهب الربانية"، هذا المؤلف ألفه في رمضان يتعلق كذلك بتفسير القرآن وتدبر القرآن. فهذا فيه لفتة إلى أن طالب العلم لا يكون همه في رمضان أن يختم القرآن فحسب، بل يجمع مع قراءة القرآن تدبر القرآن، وهذه الغاية العظمى من التلاوة، بل من إنزال القرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. وعدد هذه القواعد: 71 قاعدة، يعني ألفها خلال ستة وثلاثين يومًا، يعني معدل كل يوم يؤلف قاعدتين، كل يوم يؤلف قاعدتين. إذا ضربت اثنين في ستة وثلاثين كم يساوي؟ 72، صح، 72. يعني معدل كل يوم، يعني كل يوم قاعدتان يؤلف، كل يوم قاعدتان. طيب، فعدد هذه القواعد 71 قاعدة. هذا ما يتعلق بالمقدمة. والمؤلف أيضًا له عناية بتأليف القواعد في علوم شتى، فألف قواعد في التفسير، قواعد في الفقه، وقواعد كذلك في أصول الفقه، التي هي "القواعد الجامعة والأصول والفروق"، هذا كتاب للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي أيضًا يدرس، وهذا أيضًا يدل على أن الرجل متمكن من العلم وأنه أصولي، يؤصل العلوم، يؤصل العلوم، رحمه الله رحمة واسعة. طيب، نبدأ في المقدمة. مقدمة المؤلف قال: "الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا". بدأ بالحمد لله، والاستعانة بالله، والاستعانة بالله عز وجل، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في افتتاح رسائله وخطبه عليه الصلاة والسلام، وأيضًا ثنى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "أما بعد، فهذه أصول وقواعد في تفسير القرآن الكريم، جليلة المقدار، عظيمة النفع". والأمر كما قال: "جليلة المقدار" لأن الكلام في قواعد التفسير كلام في أشرف العلوم، وكما قال العلماء: "شرف العلم بشرف المعلوم". شرف العلم بشرف المعلوم، فالقرآن الكريم هو أصل العلوم، أليس كذلك؟ بلى، القرآن الكريم هو ماذا؟ هو أصل العلوم، وهو كذلك الوحي المنزل من الله عز وجل، فهو كلام الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن من أشرف العلوم علم التفسير، تفسير كلام الله، تفسير كلام الله سبحانه وتعالى. فشرف العلم بشرف المعلوم، فحق أن يقول المؤلف: "جليلة المقدار"، لأن هذه القواعد بها يعرف تفسير القرآن، هذه القواعد بها لا يعرف ماذا؟ تفسير القرآن. قال: "عظيمة النفع"، عظيمة النفع، يعني ينتفع منها القارئ أو الدارس لأنها تعينه على معرفة تفسير القرآن، تعين قارئها ومتأملها على فهم كلام الله والاهتداء به، وهذه مقاصد جليلة. إذن من ثمرة تعلم هذه القواعد: فهم كلام الله والاهتداء به، إذ العبد إذا قرأ القرآن ولم يفهم معنى هذا الكلام فلا يهتدي به، لأنه ما يعرف معنى. صح، لكن لو عرف معنى انتفع به واهتدى به. طيب، فإذن الأمر كما قال: والاهتداء به. قال: "ومخبرها أجل من وصفها". مخبرها يعني ما بداخلها من العلوم ومن كذلك النفع أعظم وأجل من أن أصفها لك، فقد يكون الوصف يعني باللسان، لكن الانتفاع بها ومعرفة حقيقتها يكون بفهمها وبالانتفاع بها. قال: "فإنها تفتح للعبد من طرق التفسير"، يعني لربما يقرأ القرآن فيتذكر هذه القواعد فيتدبر القرآن ويستنبط الأحكام ويستنبط العلوم من قراءته تلك، بسبب ما من الله عز وجل عليه من فهم هذه القواعد. قال: "فإنها تفتح للعبد"، يعني هذه القواعد، من طرق التفسير ومنهاج الفهم عن الله، ما يغني عن كثير من التفسير الخالية من هذه البحوث النافعة. يعني ما يحتاج إذا درست هذه القواعد لربما ما يحتاج إلى أن تقرأ في كثير من التفسير، بل يكفيك أن تقرأ تفسيرًا ولو مختصرًا، فبه مع هذه القواعد بإذن الله تستغني عن القراءة في كثير من تفاسير القرآن. هذا معنى كلامه. قال: "أرجو الله وأسأله أن يتم ما قصدنا إرادة"، وهذا دليل على إخلاص المؤلف وأنه كتب ذلك ابتغاء وجه الله، ابتغاء وجه الله. قال: "كأن المؤلف رحمه..." هذا شرح. طيب، أن المشكلة في هذا الكتاب أنه جمع بين الشرح وبين القواعد، المتن ولم يفصل، ما تقدر تميز إلا إذا معاك نسخة أصلية. طيب، ثم قال رحمه الله: "إيش بعد؟" انتهينا من هذا: "أرجو الله إيش بعد؟" طيب: "ويفتح لنا من خزائن جوده وكرمه ما يكون سببًا للوصول إلى العلم النافع والهدى الكامل". من خزائن جوده وكرمه، يعني أن هذه القواعد ألفها المؤلف من ذاكرته ومن كذلك ما من الله عز وجل عليه من الفهم في كتاب الله عز وجل. فأنت لما تنظر إلى مؤلفات الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي يستنبط استنباطات من القرآن وفوائد، سبحان الله، لم تذكر في تفاسير كثير من أهل العلم. مثلًا لو نظرت في قصص القرآن الذي نقرأه الآن، طيب، يذكر القصة ويذكر الفوائد المستنبطة من هذه القصة، يذكر فوائد، سبحان الله، يعني كيف اهتدى إليها وكيف كذلك استنبطها، تتعجب من ذلك. وهذا دليل على أن العلم هبة من الله وتوفيق من الله عز وجل. فقد يفتح الله سبحانه وتعالى على عالم أو على طالب علم من الاستنباطات ومن كذلك الفهم ومن كذلك الفوائد من الآيات أو من الأحاديث أو نحو ذلك. فقوله: "ويفتح لنا من خزائن جوده وكرمه"، أي في العلم، ما يكون سببًا لوصول العلم النافع والهدى الكامل، أي بما يفتح عليه من العلم النافع الذي هو سبب للهداية، وكذلك الوصول إلى أعلى المقامات. قال: "واعلم أن علم التفسير..." هذا مزال كلامه، صح. "واعلم أن علم التفسير أجل العلوم على الإطلاق، وأفضلها، وأوجبها، وأحبها إلى الله". لماذا؟ لأنها تتعلق بأعظم كتاب، وكما تقدم: شرف العلم بشرف المعلوم. فالقرآن كلام الله، حتى بعض أهل العلم ندم في آخر حياته على أنه لم يتفرغ للقرآن، قال: "ليتني يعني قضيت جل وقتي مع القرآن"، لأنه من أعظم العلوم، من أعظم العلوم. فلا ينبغي لطالب علم أن يعني يفرط أو يقصر في تعلم تفسير القرآن، فإنه سيفتح لك أبوابًا عظيمة من العلم. فتعلم أصوله وقواعده، واقرأ في تفسير العلماء، وتعرف على الآيات التي تقرأها، واستخراج الفوائد والأحكام منها، ففيه والله علم غزير، وفيه أحكام كثيرة، وفيه آداب عظيمة. فمن أقبل على القرآن وجعل جل وقته فيه فهذا ليس بملام، بل هذا ممدوح من قبل أهل العلم، لأن القرآن هو أصل العلم. وليس معنى هذا أنك ما تدرس غير القرآن، لا، لكن يعني لا تهمل دراسة القرآن، لا تهمل دراسة القرآن، ولا تجعل وقتك خاليًا من القراءة في تفسير القرآن. لو كل يوم تأخذ لك آية أو خمس آيات أو نحو ذلك، فإنك بهذا توفق بإذن الله عز وجل لمعرفة تفسير القرآن. كم من آيات الآن تمر علينا وربما ما نفهم معناها، ما ندري معنى هذه الكلمة، وإيش يعني تدل هذه الآية، ها، وما مراد الله عز وجل بهذه الآية، ربما ما ندري بذلك، وهذا خطأ. فينبغي للطالب العلم، خصوصًا طالب العلم، خصوصًا أن يعتني بالقرآن، أن يعتني بالقرآن. لذلك قال: "واعلم أن علم التفسير أجل العلوم على الإطلاق"، أجل العلوم، أجل من أي علم آخر، نعم، "وأفضلها وأوجبها". لماذا أوجبها؟ لأن فيه أوامر الله، فإذا لم تعلم هذه الأوامر، ها، ولم تتعلمها، وقعت فيما حرم الله، إما بترك الواجب أو بفعل المحرم. فالقرآن فيه الأحكام، فيه المعاملات، فيه المواريث، فيه أحكام الطلاق، فيه أحكام الصلاة، فيه أحكام الزكاة، فيه أحكام الصيام، فيه أحكام الحج، كل هذا ذكر في القرآن. فيه كذلك الحلال والحرام، ما هي المأكلات المحرمة وما هي المأكلات الحلال، وما هي المشروبات المحرمة وما هي المشروبات الحلال، كل ذلك موجود في القرآن. فإذا لم يعلم المسلم القرآن، ما يعلم الواجب من المحرم. واضح؟ إذا قال: "وأفضلها وأوجبها وأحبها إلى الله"، لأن بهذا العلم يتعرف المسلم على ماذا؟ على كلام الله، على كلام الله. وأحب شيء إلى الله أن يعرف العباد كلامه وأن يفهموا كلامه، ومن أجل ذلك أنزل الله عز وجل القرآن، كما تقدم في الآية، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾، ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. فكيف نتذكر وكيف نعقل وكيف نتدبر ونحن ما نعرف معاني وتفسير هذا القرآن؟ لا يمكن، هذا لا يتأتى. فإذا كل ذلك يوجب، أو كل ذلك يدل على فضل هذا العلم، كل ذلك يدل على فضل هذا العلم. قال: "وأحبه إلى الله لأن الله أمر بتدبر كتابه والتفكر في معانيه والاهتداء بآياته"، وهذه الأمور الثلاثة لا يستطيع أحد أن يحققها إلا بمعرفة معاني القرآن ومعرفة تفسير القرآن. قال: "وأثنى على القائمين بذلك"، وهذه في آيات كثيرة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾، أي العلماء يعقلون هذه الآيات، أي يفهمونها، فهذا لشك أن فيه ثناء وتزكية لأهل العلم. فهذه الآية من الآيات التي تدل على فضل العلم، التي تدل على فضل العلم. وكما قال الله عز وجل: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾، هذا فيه تزكية أيضًا على أهل العلم، فلا يتذكر إلا أهل القلوب السليمة والعقول الناضجة المتعلمة، ولذلك ذكر في أول الآية العلم: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ ﴾. طيب، فمن الذي يتذكر؟ هم العلماء. لماذا يتذكرون؟ لماذا يتذكرون؟ لأنهم علموا عن الله وأخذوا القرآن وعرفوا معانيه، فلذلك لا يمكن أن يتذكر العبد وأن يتعظ العبد بالقرآن إلا إذا فهم معناه، وإلا ستمر عليه الآية بدون أن تقع في قلبه، لأنه لا يعرف معناها، لأنه لا يعرف معناها. قال: "وجعلهم في أعلى المراتب"، أي العلماء، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، لماذا؟ لأنهم عقلوا عن الله وفهموا مراد الله سبحانه وتعالى. ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾، وأشهدهم على عظم مشهود وهو وحدانيته: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾. كل هذه الآيات فيه تزكية لأهل العلم، لماذا؟ لأنهم عقلوا عن الله وعلموا مراد الله سبحانه وتعالى. قال: "وجعلهم في أعلى المراتب، ووعدهم..." طيب، "وجعلهم في أعلى المراتب وإيش عندكم؟" ووعدهم بالها والميم، صح، أنا عندي هنا خطأ، عندي "ووعده" بدون ميم، صواب "ووعدهم". "أسنى المواهب". ما معنى "أسنى المواهب"؟ يعني أفضل المراتب، أفضل المراتب، أو أفضل العطايا. المواهب: ما يوهب، المواهب: ما يوهب، يعني وعد أهل العلم بأسنى العطايا، يعني أفضل وأكرم العطايا، العطايا الموهبة، يعني أو الهبة هي العطية، فوعدهم بأعلى الجنات، كما جاء في الحديث: قال صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَاحِبِ الْقُرْآنِ»، ليس معنا صاحب القرآن الذي فقط يقرأ القرآن، لا، الذي يعمل به، وما يعمل به إلا بعد ما يفهمه، لا يمكن أن يعمل الإنسان بالقرآن وهو لا يفهم معنى القرآن، فيقال له: «اقْرَأْ وَارْتَقِ كَمَا كُنْتَ تَرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا». إذن ما إن شاء الله هذه عطية عظيمة. صاحب القرآن يعني يلبس بتاج الوقار يوم القيامة، كما جاء في الحديث: «يُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا تَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». كم من العطايا لأهل العلم! كم من العطايا لأهل العلم! «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»، و«الْعَالِمُ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، هذه عطايا عظيمة، حتى الحيتان في البحر، والنمل في جحرها، ما شاء الله، هذا كله لمن؟ لأهل العلم. فأعطاهم، لا شك أنه "أسنى المواهب"، أعطاهم أفضل وأكرم وأعظم العطايا سبحانه وتعالى. فلو أنفق العبد، انظر إلى هذا الكلام، قال: "فلو أنفق العبد جواهر عمره في هذا الفن لم يكن ذلك كثيرًا في جنب ما هو أفضل المطالب وأعظم المقاصد وأصل الأصول كلها وقاعدة أساس السعادة في الدارين وصلاح أمور الدين والدنيا والآخرة". انظر، يعني لو أن الإنسان أعطى جواهر عمره، ما معنى "جواهر عمره"؟ الجوهرة هي الذهب الذي يرغبه، والخلق جميعًا: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾، فالناس يحبون هذا. فلو أن الإنسان أنفق جواهر عمره، يعني أفضل أوقات عمره، أفضل أوقات عمره، هذه هي جواهر العمر، يعني الشباب ووقت القوة ووقت الفتوة. لو أنفق هذا الوقت في هذا الفن، أي في علم التفسير، لم يكن ذلك كثيرًا، ما هو بخاسر، وليس مضيعًا لوقته، الذي ينفق جل وقته في تعلم تفسير القرآن، هذا معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى. فلو أنفق العبد جواهر عمره، يعني شبابه وقوته وأكثر وقته، في هذا الفن، لم يكن ذلك كثيرًا في جنب ما هو أفضل المطالب، يعني أن هذا العلم هو من أفضل المطالب وأعظم المقاصد، لأن به هدايته، وبه سعادته، وبه كذلك يعني راحة قلبه. القرآن هذا مبارك، كما قال الله عز وجل: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ﴾، صفة بالبركة، فمن بركته يعني مضاعفة أجر تاليه، ومن بركته كذلك التداوي به، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ﴾، ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ ﴾. يعني لو اعتنى الإنسان بالقرآن كم سينال من السعادة، كم سينال من الراحة، كم سينال من العطايا، كم سينال من المواهب، كم سينال من كذلك الدرجات العلاء في الدنيا وفي الآخرة: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾. فإذا معنى كلامه: أن من اعتنى بهذا العلم فقد حاز سعادة الدارين. ولذلك قال: "ما هو أفضل المطالب وأعظم المقاصد وأصل الأصول كلها"، فأصل الأصول هو علم التفسير، "وقاعدة أساس السعادة في الدارين"، فسعادة المرء في دينه ودنياه بالقرآن وبفهم القرآن، حتى الدنيا الله يفتح عليه. يقول أحد السلف: "كلما زاد حزبي من القرآن زاد رزقي". يقول: اليوم الذي أقرأ فيه كثيرًا في القرآن وأتدبر القرآن يزيد الرزق، يأتي لي رزق من حيث لا أحتسب، وإذا نقصت في قراءة القرآن وفي تدبر القرآن يقل الرزق، سبحان الله. فالقرآن كما ذكر: "قاعدة أساس السعادة في الدارين، في الدارين وصلاح أمور الدين والدنيا والآخرة". تريد صلاح دينك ودنياك وآخرتك؟ فعليك بهذا القرآن، عليك بهذا القرآن. قال: ﴿ وَبِهِ يَتَحَقَّقُ لِلْعَبْدِ حَيَاةٌ زَاهِرَةٌ بِالْهُدَى وَالْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ ﴾. ما أعظم سعادة من يعيش مع القرآن حفظًا وتلاوة وفهمًا وتدبرًا! هذه سعادة عظيمة، كم ينال من الراحة، كم ينال من البركات، كم ينال من يعني رقة القلب ودمع العين وصلاح الحال وصلاح البال. ألم يقل الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾، وأعظم ذكره هو القرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾، والصلاة فيها قراءة قرآن، فيها قراءة الفاتحة التي هي أعظم سورة في القرآن، وفيها قراءة ما تيسر من القرآن، وكلها ذكر لله عز وجل. فإذن الأمر كما ذكر المؤلف: من اعتنى بالقرآن به يتحقق للعبد حياة زاهرة بالهدى والخير والرحمة، ويهيئ الله له أطيب الحياة والباقيات الصالحات. فمن أعظم أسباب السعادة الاعتناء بهذا القرآن قراءة وتدبرًا وتفهمًا ومدارسة وتفسيرًا. ونحن بذلك هذا كله ترغيب على الاعتناء بمثل هذه القواعد لأنها تتعلق بعلم التفسير. قال: "فلنشرع في ذكر القواعد والضوابط على وجه الإجمال الذي يحصل به المقصود". قال: "لأنه إذا انفتح للعبد الباب وتمهدت بفهم القواعد الأسباب وتدرب منها بعدة أمثلة توضحها وتبين طريقة ومنهجها لم يحتج إلى زيادة البسط وكثرة التفاصيل". يعني أن هذه القواعد تعد قواعد مختصرة، طيب، هذه القواعد تعد قواعد مختصرة، ما فيها شيء من التفصيل، وما فيها شيء من البسط، البسط يعني التوسع في الشرح، البسط بمعنى التوسع في الشيء، ليس البسط الأكل، بعضهم البسط يسمى الأكل الفطور، لا، البسط يعني التوسع في الشيء. قال: "لم يحتج إلى زيادة البسط وكثرة التفاصيل، ونسأله تعالى أن يمدنا بعونه ولطفه وتوفيقه، آمين، وأن يجعلنا هادين مهتدين بمنه وكرمه وإحسانه، اللهم آمين". طيب، نكتفي بهذا، وإله الله، اللهم آمين.