الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 31، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن حذف المتعلق في ألفاظ القرآن كالمؤمنين والإصلاح والإحسان يقصد به التعميم والشمول لكل ما يدخل تحت المعنى، بينما ذكر المتعلق يقصر الحكم على المحدد فقط. وتوضح الأمثلة دخول جميع أنواع الإيمان والإصلاح والإحسان والتكاثر في العموم القرآني المراد.
يشمل التكاثر القرآني جميع مظاهر الدنيا من مال وجاه ومهن وأولاد ونساء، كما أن الخسر يشمل الخسارة الدينية والدنيوية معاً. وتجب سؤال أهل الذكر في كل مسائل الدين، وآيات الصبر مطلقة غير مقيدة لتشمل الصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الأقدار المؤلمة.
تقضي القاعدة الأصولية بأن الألفاظ المطلقة في القرآن كصبر وكفر وظلم وفسق ونفاق واعتداء وإحصار وخوف تشمل جميع أنواعها وأسبابها ما لم يرد تقييد خاص. فالإطلاق يقتضي الشمول والعموم، بينما التقييد يقصر الحكم على السبب المحدد المذكور.
يؤكد المتحدث أن الالتزام بهذه القاعدة يفتح آفاقاً واسعة من العلوم خصوصاً في تدبر القرآن وتفسيره. ثم يختم الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر وتفويض العلم لله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد. اقرأ. نعم، هذا أيضًا من الأمثلة، وقد أكثر من الأمثلة التي تدل على أن حذف المتعلق -أي المعمول- فيه التعميم، المعنى المناسب له. فقوله هنا في كثير من الأمثلة: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، ما ذكر: آمنوا بالله، أو آمنوا باليوم الآخر، أو آمنوا بالصراط، أو آمنوا بالملائكة، أو آمنوا بالكتب. فاللفظ هذا يشمل جميع ما يجب الإيمان به من الأصول والعقائد. فقوله مثلًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، أي: آمنوا بجميع ما يجب الإيمان به، فيشمل الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل، والإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به. وإذا علق -يعني: ذكر المعلق- ينصرف فقط إلى هذا المعلق. مثلًا: قول الله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا ﴾، فهذا يشمل الإيمان بالله فقط وما أنزل إلى الرسول، فلا يشمل غيره من العقائد والأصول الأخرى. فإذا، أيهما يعني أعظم وأفيد؟ أيهما حذف المعلق؟ الآيات التي يأتي فيها حذف المعلق. لكن أحيانًا يأتي التعليق لقصد ما، كأن يذكر مثلًا: قوم كفروا بالله، فيذكر الإيمان بالله؛ لأن من آمن بالله سيؤمن بغيره من الأصول. ثم لم ما آمنوا بالله أصلًا، فيؤتى أحيانًا التعليق لفائدة. وإذا لم يأتي التعليق، فهذا دليل على أن اللفظ عام يشمل كل ما يجب الإيمان به. وكذلك ما أمرت به من الصلاح والإصلاح، وما نهى عنه من الفساد والإفساد، مطلقًا يدخل فيه كل الصلاح، كما يدخل في النهي كل الفساد. نعم، مثلًا قول الله عز وجل: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾، الإصلاح في أيش؟ هل ذكر إصلاحًا معينًا؟ الإصلاح في العقيدة، الإصلاح في الآداب، الإصلاح في الأخلاق، الإصلاح في المعاملات. ما ذكر معلقًا هنا، فيشمل أي إصلاح، يشمل كل ذلك، كل ما يدخل فيه الإصلاح، كل شيء يدخل فيه الإصلاح يشمل هذا اللفظ. ومثله الصلاح. أيش الفرق بين الصلاح والإصلاح؟ الصلاح يكون في نفس الإنسان، يكون صالحًا، والإصلاح يكون صالحًا في نفسه مصلحًا لغيره، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾. «مصلحون» هو من الإصلاح، يعني: أصلحوا أنفسهم وأصلحوا ماذا؟ غيرهم. فقوله: «مصلحون»، ما علقه بشيء، رحمه الله، ما علقه بشيء، فيدخل فيه كل ماذا؟ كل ما فيه معنى الإصلاح. فيدخل في ذلك الدعوة إلى التوحيد، الدعوة إلى العبادات، الدعوة إلى... لأن كل ذلك من الإصلاح. ومثلوا الفساد والإفساد: الفساد أن يفسد في نفسه، الفساد أن يفسد في نفسه، والإفساد أن يفسد غيره. وكل ذلك نهى الله عنه. قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾، فيشمل الفساد كل ما نهى الله عز وجل عنه، فهو من الفساد، فهو من الفساد. فمن زن، أو أشرك، أو قتل، أو أي معصية يفعله، يشمله هذا اللفظ: ﴿ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾. ولذلك ذكروا العلم أن من أعظم أسباب الفساد في الأرض المعاصم، المعاصم؛ لأنها هي سبب الفساد. ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾، بما كسبت ماذا؟ أيدي الناس، بما كسبت أيدي الناس. نعم، نعم، ﴿ بِمَا كَسَبَتْ ﴾، حذف المعمول، فيشمل أي شيء كسبته أيديه، أي معصية. نعم، اقرأ. يدخل في ذلك كله، يدخل في ذلك كله الإحسان في عبادة القالب -بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإن لم يراه- والإحسان إلى المحرومين بجميع وجوه وجوه الإحسان، من قول، وفيه وجام، وعلم، ومال، وغيرها. نعم، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، ما بينا محسنين في ماذا؟ هل محسنين في عبادتهم؟ هل محسنين في معاملتهم مع الخلق؟ ما علّق ذلك بشيء، فيشمل كل إحسان. الإحسان في العبادة، وهي ركن من أركان هذا الدين، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. هذا من أعظم الإحسان، أن تعبد الله عز وجل بمرتبتي المراقبة والمشاهدة، المراقبة والمشاهدة. وكذلك الإحسان إلى الخلق: تحسن إلى الخلق في التعامل، سواء كان في القول، فلا تسبهم، ولا تلعنهم، ولا تجرحهم، ونحو ذلك، هذا من الإحسان إلى الخلق، فتشمله الآية. الإحسان في الفعل: فلا تضربهم، ولا تظلمهم. الإحسان في الجاه: يعني إذا كنت ذا جاه، فتحسن معاملة الناس، فلا يكون هذا المنصب سببًا لظلم العباد وعدم أداء حقوقهم. هذا في الجاه. وفي العلم: تحسن إلى الناس في العلم بتبليغ العلم وتسهيله إلى الناس. الإحسان في المال: الله عز وجل رزق كمال، تحسن إلى الخلق بالإنفاق، بالصدقات الواجبة والمستحبة، وبتفريج كربات الخلق. هذا كل من الإحسان. واضح، فالآية تشمل كل ذلك. ﴿ وَأَحْسِنُوا ﴾، ما قيد للذين أحسنوا، ما قيد. ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾، ما قيد، وإنما حذف المعلق ليدل ذلك على العموم. فقس على هذا كل ما يدخل في هذا المعنى. نعم، وكذلك قوله تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾، فحذف المتكاثر به ليعم جميع ما يفصل الناس فيه المكاثرة، المكاثرة فيه، المكاثرة من البيوتات، والأموال، والجاه، والبيعات، والأولاد، وغيرها مما تتعلق به أغراض النفوس وتلهيها عن طاعة الله. نعم، قد كثير مننا يتبادر إلى ذهنه في قول: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾، أي: المال. وهذا تفسير قاصر، لماذا؟ لأن الله عز وجل قال يخبر عن طبيعة الإنسان أنه يلهيه التكاثر، التكاثر بمعنى الجمع، جمع الشيء من حطام هذه الدنيا. فلم هنا يذكر المتكاثر به؟ ما قال: «ألهاكم التكاثر في الأموال»، «ألهاكم التكاثر في الجاه»، «في الأولاد»، «في الضيعات». الضيعات هي الحرف، الحرف مثلًا: إنسان مهندس، إنسان طبيب، يتكاثر في هذا، بمعنى يفتخر، طيب، ويسعى إلى أن يرتقي على غيره ممن هو مثله. واضح، يعني: التنافس في هذه المهنة الدنيوية. فقوله ليعم جميع ما يقصد الناس فيه المكاثرة. فالمكاثرة قد تقوم بالرياسات: الآن هو مدير، وهو يطمع أن يكون وزير، بل يطمع أن يكون رئيس جمهورية، هذا كله يسمى ماذا؟ تكاثر في الرياسات، يسعى إلى المكاثرة. كذلك قد يكون التكاثر في الأموال: يجمع المال، يجمع المال، يجمع المال، يتكاثر، فيلهي هذا الجمع عن... كما ذكر، طاعة الله. الجاه كذلك: الجاه بمعنى المنزلة، وكذلك الرتبة في المجتمع، يسعى إلى أن يكون من أشراف الناس ومن عظماء الخلق. والضيعات عرفنا: الحرف والمهن، مهندس، طبيب، كذلك يعني غيرها من المهن التي يمتهنها الناس. والأولاد كذلك: يتكاثر في الأموال، ويزيد من ذريته من أجل التفاخر، ومن أجل كذلك العلو على غيره ممن لا أولاد له، أو لا... كذلك من يحميه من كثرة الأتباع ونحو ذلك. فهذه كلها تتعلق بها أغراض النفوس. هذا كله من الدنيا، كل هذا من زخرف الدنيا. الدنيا ليست مقصورة على ماذا؟ على المال. لا، الدنيا كذلك بعض الناس ربما يسعى للوجاهة والرياسة وكثرة الأتباع. بل أيضًا من الدنيا النساء: بعضهم ربما يتكاثر بالنساء، ويفخر على غيره أن معه أربع نساء، أما أنت معك واحدة، أنت جبان، يتكاثر ويتفاخر. هذا يدخل في معنى التكاثر إذا كان بهذا الغرض، يدخل بمعنى التكاثر. نعم، كذلك قوله... نعم، هذا أيضًا: قوله ﴿ لَفِي خُسْرٍ ﴾، تشمل كل خسارة، لأنه ما قيدها في ما هي هذه الخسارة، فتشمل الخسارة الدينية والخسارة الدنيوية. ليست الخسارة في الآخرة فقط بأن يدخل النار، بل الخسارة في الدنيا: فمن فقد الإيمان فقد الطمأنينة، وفقد السعي في الرزق والمال، وفقد كذلك الراحة والسعادة. فهنا الخسارة لم يأتِ لها بمعلق، لتدل على العموم، فهي كما ذكر: خسارة من جميع الوجوه، خسارة قلبية، وخسارة بدنية، وخسارة دينية، وخسارة دنيوية. وقس على هذا. طيب، اقرأ. المسؤول عنه، المسؤول عنه يعني: المسألة التي أنت الآن عندك، مسألة في العقيدة، وهذا عنده مسألة في الفقه. هذا المسؤول عنه، هذا هو المسؤول عنه. نعم، وانظر إلى بلاغة القرآن: لما ذكر السؤال، ذكر المعلق، قال: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾. ما أطلق لماذا؟ ما أطلق لأنه لو أطلق سيعمل لفظ «سأل» أهل الذكر وغير أهل الذكر، وهل هذا يصح؟ ما يصح. تمتم، هذا الآن. لكن المسؤول عنه هنا لم يعلقه بشيء، ما قال: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بأمر العقيدة، أو بأمر العبادة»، أطلق. فهنا يشمل هذا المسؤول عنه أي مسألة في الدين، أي مسألة في الدين، سواء كان في العقيدة، سواء كان في العبادة، سواء كان في المعاملة، سواء كان في... فهنا قال: أطلق المسؤول عنه، ولم يقيده بمعلق، ليدل ذلك على أن المسلم يسأل أهل الذكر في كل ما يحتاجه العبد ولا يعلمه، أي شيء يجهله ولا يعلمه، يسأل من... يسأل أهل الذكر. وهذا فيه أن المسلم لا يسأل أي أحد في أمور دينه، وإنما يسأل العلماء؛ لأنهم هم أهل الذكر، لأنهم هم أهل الذكر. في أمور الدنيا: من هم أهل الذكر؟ أهل الذكر من هم متخصص؟ في الطب مثلًا، ما تأتي تسأل عالمًا في الشريعة، تسأل عالمًا في الطب، تقول له: عندي ألم في البطن، عندي ألم في الرأس، هو يشخص لك. فأهل الذكر كل بحسبه: فمن أتقن علم الطب فهو أهل الذكر في هذا الباب، ومن أتقن علم الشريعة فهو أهل الذكر في هذا الباب، وهكذا. نعم، أمره تعالى... وكذلك أمره تعالى بالقسط، ومحبة الصابرين، وتناؤل عليهم، وبيان تكرمة بأجرهم من غير المطيع ذلك بنوع، ليشمل... ليشمل... ليشمل أنواع الصبر الثلاثة، وهي: الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة. ومقابل ذلك ذمه للنافرين، والظالمين، والمكذبين، والمشركين، والمنافقين، والمعتدين. المعتدين يعني: الذين يعتدون على الغير، والمعتدين الذين عليهم عدة. ففرق بين المعنيين. فهمت؟ المعتدين: يعني الذين يعتدون على الغير، والمعتدين: الذين عليهم عدة. ليشمل جميع ذلك المعنى. نعم، كذلك كل آيات الصبر لم يقيدها الله عز وجل بنوع من أنواع الصبر: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾، الصابرين على طاعة الله، والصابرين عن معصية الله، والصابرين على أقداره المؤلمة. ما قيده بشيء. مع أن بعض الآيات ربما تأتي بعد نوع من هذه الأنواع، كالأقدار المؤلمة. فقوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾، فهنا سبحان الله... يعني يشمل الصبر على أقدار الله، وأيضًا الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله؛ لأن من وقع في مصيبة قد يترك الطاعة، فيقع في عدم الصبر على طاعة الله، وقد يرتكب المحرم كالتسخط، ولطم الخدود، أو شق الجيوب، أو نحو ذلك، فيقع في... الصبر عن معصية الله، ما صبر عن معصية الله. فلما يأتي الصبر بدون تقييد، فهذا يشمل جميع أنواع الصبر الثلاثة. فقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾، المراد بالصابرين: الصابرين على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله، يشمل جميع أنواع الصبر؛ لأنه لم يقيده بشيء منها. فهمتم هذا الآن؟ ومثله ما جاء في ذم الكافرين أو الظالمين: فقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾، يشمل أي نوع من أنواع الكفر، سواء كان كفرًا بأن يجعل مع الله إلهًا آخر، أو أن ينكر وجود الله، أو أن كذلك يجعل مع الله شريكًا، أو نحو ذلك. كل أنواع الكفر يدخل في هذا المعنى. بل يدخل في ذلك الكفر الأصغر والأكبر. ففي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾، الخوارج يفسرون هذا بالكفر الأكبر فقط. لا، كذلك يفسر بالكفر الأصغر، كل بحسب ما وقع فيه. فمن وقع فيه كفر أكبر، نعم. ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾، إذا حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن هذا الحكم أفضل من حكم الله، فهذا يكفر كفر ماذا؟ أكبر. لكن من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله أفضل، وليس هذا الحكم أفضل من حكم الله، لكن حكم شهوة ورغبة في الدنيا، فهل هذا يكفر كفر أكبر؟ لا، كما ذكر ابن عباس. واضح، فالآيات يدخل فيها جميع الكفر بحسب ما وقع فيه العبد. وكذلك الظلم: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾، وكذلك الفسق: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾. فكل ما فيه معنى الظلم يدخل في معنى الآية، وكل ما فيه معنى الفسق يدخل في معنى؛ لأن الله عز وجل لم يقيده بظلم معين، أو بفسق معين. فهمتم هذا الآن؟ وكذلك في الشرك والنفاق: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾، فهذا يشمل الكفر الأكبر؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، ويشمل ما يتصف به هؤلاء المنافقين من أنواع الكفر، كإظهارهم الإسلام وإبطانهم الكفر، كمعاونتهم للكفار. كل معنى من معاني الكفر، أو من معاني النفاق، يدخل في هذا المعنى. وكذلك المعتدين: الذين يعتدون على غيرهم، سواء كان الاعتداء في الأموال، أو الاعتداء في الأعراض، أو الاعتداء في الأنفس. فكل معنى من معاني الاعتداء يدخل في معنى الاعتداء: ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾، أي: بأي نوع من أنواع الاعتداء. الإحصار: أن يريد الحاج أو العمرة فيمنع بعد إحرامه. طيب، هذا المنع قد يكون من ماذا؟ من عدو صائل منعه، صح. قد يكون من مرض ألم به. قد يكون كذلك من لصوص اعترضوه في الطريق. فإذن الإحصار هنا يشمل أي سبب أدى إلى الإحصار. أحصرتم بسبب: عدو غاشم، خفتم من صولته ومن ظلمه، فرجعتم، أو من مرض ألم بكم، أو من كذلك قاطع طريق قطع طريقكم وأخذ أموالكم. كل شيء يؤدي إلى الإحصار يدخل في معنى الآية؛ لأن الله عز وجل لم يقيد الإحصار بشيء، ما قال: «إن حصرتم من العدو»، أو «من مرض»، أو من... ما قيده بشيء، فيشمل كل ما يؤدي إلى الإحصار. ولذلك من السنة إذا خاف الشخص أن يحصر أن يقول عند الإحرام: «ومحلي حيث حبستني»، حتى لا يلزمه هدي، حتى لا يلزمه ماذا؟ هدي. نعم، نعم، هذا في أيش؟ في الصلاة، صلاة الخوف. فيجوز عند الخوف أن يصلي المسلم قائمًا أو راكبًا، فرجالًا: أي مرتجلين، أي قائمين على أرجلهم، أو ركبانًا: أي راكبين على رواحلهم. فهنا قولوا: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾. فإن خفتم، خفتم من ماذا؟ الخوف يكون من العدو، لا. قد يكون الخوف من العدو، قد يكون الخوف من أمر إلهي كشدة رياح. خفت من هذه الرياح إذا خرجت، يعني: إذا مشيت... إذا جلست أن تأخذك الريح، أو إذا مشيت على رجلك... كنت في السيارة مثلًا، جاء وقت الصلاة، وريح شديدة، ريح شديدة، إذا خرجت من السيارة ربما تأخذك هذه الرياح. هل يجوز أن تصلي في السيارة؟ يجوز؛ لأن أنت الآن خائف من هذه الرياح أن تأخذك. إذا الخوف هنا ما يشمل الخوف من العدو فقط؛ لأنه ما قيد في الآية، فيشمل أي خوف، يشمل ماذا؟ أي خوف. نعم، وقد يقيد ذلك لبعض الأمور فيتقيد، فيتقيد به ما سبب السلام لأجله. وهذا شيء كثير، لو ذهبنا نذكر الأمثلة لطال. ولكن فتحها لك الباب، فمشي على هذا السبيل المفضي إلى رياض بهيجة لأصناف العلوم. نعم، فتستطيع أن تذكر مئات الأدلة، مئات الأدلة. وقوله: «وقد يقيد ذلك لبعض الأمور»، يعني: قد لا يحذف المعلق كما مر معنا في الإيمان، وكما جاء أيضًا في الأمن، قد يأتي مقيد: الأمن مثلًا في الأوطان، أو الأمن مثلًا في الأرواح، أو نحو ذلك. فما تقيد قيد به، وما لم يتقيد جعل عام. طيب، فأمثل على ذلك كثيرًا. لو جئت مثلًا في الإسلام: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، يشمل كل ما يقتضيه هذا الإسلام من الأعمال الظاهرة والباطنة. وهكذا لو نظرت مثلًا إلى الهدى، لفظ الهدى: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾، ما هو هذا الهدى في أيش؟ الهداية: هداية الإرشاد، هداية التوفيق، هداية الإيمان، هداية الطاعات، يشمل أي شيء. لو مشيت على هذه القاعدة كما ذكر، فتح لك الباب، فمشي على هذا السبيل المفضي إلى رياض بهيجة من أصناف العلوم. أي أنها تنفتح لك علوم كثيرة إذا عملت بهذه القاعدة، خصوصًا عند إرادة تدبر القرآن وتفسير القرآن. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.