الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 568، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع بتوضيح أهمية الاستغفار كعبادة عظيمة حث عليها الشرع، حيث يُعد أصل العبادة وخاتمتها. يُقرن الاستغفار بالتوحيد في العديد من الآيات القرآنية.
يُناقش المقطع شروط الاستغفار المقبول وأجره، حيث يُشترط لتحقيق التوبة الندم والإقلاع وعدم العودة للذنب. اختلف العلماء في حكم الاستغفار بدون توبة.
يُبرز المقطع أهمية الاستغفار في النجاة في الدنيا والآخرة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر الله كثيرًا رغم مغفرة ما تقدم من ذنبه.
يختتم المقطع بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مما يشير إلى نهاية مناقشة أو توضيح لمسألة معينة مع الاعتراف بأن العلم الكامل عند الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة رحمه الله: حدثنا عمر بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن عرق -وهو أيضًا يحدث بحمص- قال: سمعت عبد الله بن بسر -يحيث بحمص- يقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا». قال: هذا حديث حسن، ورجاله حمصيون. الحديث رواه النسائي في عمل اليوم والليلة. هذا الحديث في فضل الاستغفار، والمراد بالاستغفار هو طلب العبد المغفرة من الله جل وعلا. والاستغفار من العبادات العظيمة التي حث عليها الشرع؛ لأن فيها حقيقة الافتقار إلى الله جل وعلا والذل له، فحقيقة العبادة موجودة في الاستغفار، ولهذا قرن الله عز وجل الاستغفار بالتوحيد، قرنه بالتوحيد في عدة آيات، ومنها قول الله جل وعلا: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين﴾، فالله عز وجل هنا قرن التوحيد وبعده الاستغفار، وهذا يدلك على أهمية الاستغفار؛ لأنه أصل العبادة؛ لأن العبادة هي الذل والخضوع مع المحبة والتعظيم، فأصل الذل هو الاستغفار؛ أن العبد يستغفر ربه جل وعلا، ويطلب أن يغفر له ربه جل وعلا؛ لأنه مهما بلغ العبد فلابد أن يقصر في أوامر الله، فلهذا كان الاستغفار خاتمة العبادات، وخاتمة أيضًا الأزمان. فالله عز وجل لما ذكر أهل الصلاح وأهل العبادة، ذكر فيهم المستغفرين بالأسحار؛ أي الذين يختمون ليلهم بالاستغفار، ويختمون عباداتهم بالاستغفار. وكذلك لما ذكر الله عز وجل الصالحين ذكر فيهم الاستغفار، وأيضًا في الحج وفي الصوم وفي غيرها من العبادات والطاعات يختمها الله عز وجل بالاستغفار، حتى كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلى قال: «استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله ثلاثًا، اللهم منك السلام وإليك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». فكان يستغفر النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأجل النقص الذي يحصل في العبادة، فمعنى هذا النقص يكمل بهذا الاستغفار. وأيضًا كذلك الاستغفار يعتبر أيضًا توبة إلى الله جل وعلا، توبة إلى الله سبحانه وتعالى. وأحيانًا يكون مجردًا كما قد ذكرنا قبل ذلك؛ فالاستغفار على قسمين: أحيانًا يكون توبة، وهذا الاستغفار، وأحيانًا يكون من غير توبة. فالاستغفار إذا كانت فيه شروط التوبة كان توبة؛ من الندم والإقلاع وعدم العزل عن شروط التوبة الثلاثة، وهو الندم والإقلاع وعدم العزل، فإذا كان الاستغفار يحمل هذه الثلاثة الشروط، فهو توبة. وإذا نقص شيء من هذه الشروط فهو ليس توبة. فإذا كان يستغفر وهو عازم على الرجوع إلى الذنب، فهذا ليس توبة. ولهذا كما ذكرنا قبل ذلك أن هذا الاستغفار اختلف العلماء فيه: هل يؤجر عليه العبد أم لا يؤجر؟ واختلف في مذهب الحنابلة؛ فمنهم من قال: إنه يؤجر، وهذا مذهب جمهور الحنابلة، وهو مذهب الشافعي كذلك؛ فقالوا: إنه يؤجر على الاستغفار. وجاء عن بعض السلف -وهو مذهب الحنفية والمالكية- أن هذا الاستغفار لا يؤجر عليه الشخص؛ لأنه استغفار كاذب؛ فهو يستغفر وهو عازم على العود، فإنه يعرف أنه سيعود إلى هذا الذنب، بل قد تمكن هذا الذنب في قلبه، فهو يستغفر فقط لأجل أن الله عز وجل يغفر له ما تقدم، وإلا فهو عازم على غشيان هذا الذنب. والصحيح من أقوال العلماء أن هذا الاستغفار يؤجر عليه الإنسان، وإن كان سماه بعض العلماء أنه «توبة الكذابين» أو «استغفار الكذابين» كما جاء عن قاسم المختارة وغيره، لكن من ناحية أنه توبة ليس بتوبة، وهو ليس توبة، لكن يؤجر على أنه ذكر أولًا، يؤجر على أنه ذكر لله جل وعلا. والأمر الثاني أيضًا أنه عنده شيء من الإحساس بالمعصية والشعور بالمعصية؛ فلهذا يستغفر. وقد جاء في الصحيحين أن رجلًا في حديث به غرر عمل ذنبًا، فقال: «يا رب اغفر لي». فقال الله عز وجل: «إن عبدي فعل ذنبًا وعلم أن لي أغفر الذنوب؛ فإني قد غفرت له». ثم عمل ذنبًا فقال هذا، فقال أيضًا مثل هذا، فقال الله عز وجل: «قد غفرت له». ثم عمل ذنبًا أيضًا فقال هذا، فقال الله عز وجل لعبده: «اعمل ما شئت فقد غفرت لك». ولهذا قالوا للحسن: إلى متى يستغفر الإنسان؟ قال الحسن: «إلى متى يستغفر الإنسان؟» معنى دائمًا استغفر، استغفر إذا فعل الذنب، استغفر إذا فعل الذنب، استغفر. قالوا: إلى متى؟ قال: «إلى أن ييأس الشيطان». هذا جواب عظيم؛ الشيطان ما ييأس، الشيطان عنده جهد في إغواء الناس، فلا ييأس إذا وجد فرصة في العبد، حتى إذا لم يجد فرصة يأس؛ فلهذا غالبًا أنه لا ييأس، فلهذا يظل العبد على الاستغفار لا ينفك عنه أبدًا. فهذا نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، وهو قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ما جلس مجلسًا إلا ويستغفر الله عز وجل، حتى قال عبد الله بن عمر: «إن كنا نعد له أكثر من سبعين مرة وهو يقول: اللهم اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم، اللهم اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم». وقال أيضًا في حديث الأغر في صحيح مسلم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه لا يغفل على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من مئة مرة». فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه؛ فلهذا قال في هذا الحديث: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا». وطوبى هنا قيل: المراد بها الاستبشار والأجر العظيم الذي يجده، وقيل: إنها نخلة أو سدرة في الجنة يقال لها طوبى، لكن الأول هو التفسير المشهور؛ أن طوبى أي بشرى له، وسيجد أجرًا عظيمًا عند الله جل وعلا. «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا»، فلا يحزن ولا يخاف من كان دعه الاستغفار؛ فالاستغفار نجاة في الدنيا والآخرة. ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: «من أراد أن تفرج همومه فليكثر من الاستغفار». وجاء في حديث أبي داود في حديث أبي هريرة عند أبي داود: «من قال: لا إله إلا الله، أو من قال: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك»، قال: «غفر الله عز وجل له، وإن كان قد فر من الزحف». والأحاديث في الاستغفار وفضائله كثيرة جدًا، ولا يحتملها هذا المقام، حسبنا في أن أشرنا إلى شيء منها. فالاستغفار عبادة عظيمة، ومن لزمها فإنه ينجو في الدنيا والآخرة بإذن الله جل وعلا. والله تعالى أعلم.