الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المحبة لله عز وجل هي صفة فعلية تليق بجلاله وعظمته ولها أقسام متعددة، حيث ذكر الإمام ابن القيم أنها عشرة أقسام. ثلاثة منها ثبتت لله عز وجل، والخلة هي أعلى درجات المحبة.
الجهمية والمعتزلة والأشاعرة حرفوا مفهوم المحبة في الإسلام، حيث رفضوا تفسيرها كصفة حقيقية لله وأولوها إلى معاني أخرى مثل الثواب أو إرادة الثواب، وهذا التحريف يعتبر تخرصا وقولا على الله بغير علم.
أهل السنة يعبدون الله عز وجل بالمحبة والخوف والرجاء، بينما الجهمية لا يعبدون الله بالمحبة والصوفية غلوا فيها. السلف كانوا يميزون بين أهل السنة وغيرهم في طريقة عبادتهم لله.
مذهب أهل السنة في عبادة الله تعالى يقوم على التقرّب إليه بالمحبة والتعظيم والخوف والرجاء، ويستدل على ذلك بآيات قرآنية، مما يميزهم عن غيرهم في طريقة العبادة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على رسول الله، وعلى آل محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد، طيب. أخذنا بالأمس صفة الرضا، قالوا: قوله تعالى ﴿يحبهم ويحبونه﴾ هذا فيه صفة المحبة. وصفة المحبة من الصفات الفعلية، من الصفات الفعلية لله عز وجل. فربنا جل وعلا يحب من يشاء من عباده، يحب الصالحين، ويحب المتقين، وأيضا يحب المحسنين، وغيرهم من أحبهم جل وعلا. وأعظم من يحب من الخلق المرسلين، وأيضا يحبونه أيضا أهل الصلاح، يحبون الله عز وجل محبة حقيقية. وهناك من يدعي المحبة، لكن الذين يحبون الله هم أهل الخير وأهل الصلاة. وهذه المحبة صفة، كما قلنا، فعلية أثبتها لله عز وجل، تليق بجلاله وعظمته. والمحبة أنواع، المحبة أنواع. ذكر الإمام ابن القيم -كذلك قبله وشيخ الإسلام- أنها عشرة أقسام. المحبة عشرة أقسام، والتي ثبتت لله عز وجل هي ثلاثة. المحبة التي هي الإرادة والمودة وأقصد والوداد، لهذا اسم الله عز وجل الودود، وكذلك الخلة. كذلك الخلة، وهي آخر أقسام المحبة وأنواع المحبة، الخلة التي لا تبقى لغير المحبوب شيء. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كنت متخذا خليلا من البشر لتخذت أبا بكر خليلا، لكن صاحبكم خليل الله»، لأن الخلة لا تقبل المشارك، لكن الله عز وجل صفة الخلة له تليق بجلاله وعظمته. فخليل الله إبراهيم، ومحمد أيضا خليل الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». فالنبي عليه الصلاة والسلام خليل. والخلة أعظم المحبة، أن المحبة غالبا تطلق على الإرادة والوداد، فلهذا الذي يقول مثلا أن محمدا حبيب الله وإبراهيم خليل الله، يظن أن محمدا أو أن مرتبة المحبة أعلى، فهو خطأ. بل أيضا النبي عليه الصلاة والسلام خليل الله مثل إبراهيم. فهذه الأقسام أنواع المحبة: الإرادة، والصبابة، والميل، والتيمم، والود، وكذلك التعبد، والعشق، والشغف، وغيرها من أنواع المحبة، ومنها أيضا الخلة. وهذه المحبة تأولها بعض البدع، تأولها الجهمية أو حرفوا الجهمية والمعتزلة معناها، فقالوا: المحبة بمعنى الثواب. وقالت الأشاعرة: إرادة الثواب، لأنهم -كما تقدم معنا- الرضا والمحبة وكذا يجعلونها الثواب، ما يجعلونها حقيقة. ولهذا قالوا: أن الله عز وجل لا يحب ولا يحب الله عز وجل. يقول هنا ﴿يحبهم ويحبونه﴾ لكن هم يقولون: لا يحب ولا يحب. لهذا قال الإمام ابن القيم: أن الجهمية قطاع طرق المحبين. يقول: الجهمية قطاع طرق المحبين. وأيضا كذلك هذه المسألة، مسألة المحبة، كما قلنا يقال فيها مثل ما قيل فيها الردود السابق، وأن من حرف المعنى يحتاج إلى دليل على ذلك، وإلا فهو تخرص وأيضا قول على الله عز وجل بغير علم. وقالوا: لم نفوا المحبة؟ قالوا: لأن المحبة ميل المحبوب وإرادة أيضا المحبوب، وميل القلب إليه، وهذا لا يليق بالله. وكما قلنا: أن القوم أوتوا من تشبيه الله عز وجل بخلقه، فهم يأتون بمعنى الصفة في المخلوق ثم يجعلونها في الخالق، فيقولون: القلب أو المحبة ميل القلب إلى المحبوب، وهذا لا يليق بالله. هذا كلام باطل. فمحبة الله عز وجل ليست كما محبة المخلوق، نقول: أن محبة تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. وأيضا كذلك سيأتي معنى في الغضب، أيضا حرفوا الغضب، قالوا: لأنه انتقام، وأيضا فيه انتفاخ الأوداج وغيرها، وهذا لا يليق. كل هذا باطل، لأنهم يشبهون الله بخلقه. فلهذا الجهمية والمعتزلة قالوا: أن الله لا يحب ولا يحب. وفي رسالة الرد على الجهمية التي رواها عبد الله بن محمد عن نبيه -ومنهم من يقول أنها عنه أو معناه هو الذي ألفها- والمهم أنها سواء كانت له أو لأبيه، ففيها يقول الإمام أحمد -بعدما ذكر هذا النفي الجهمية لمحبة الله عز وجل لخلقه- فقال: «ونسأل الله عز وجل أن لا يحبهم ولا يجعلهم يحبون»، لأن هذا مذهبهم. هذا مذهبهم. ولهذا الجهمية مرجئة، فهم لا يعبدون الله عز وجل بالمحبة، لأنهم يقولون: أن الله عز وجل لا يحب، أن الله عز وجل لا يحب. فلهذا ما يعبدونه بالمحبة. والصوفية غلوا في هذا الباب، صوفية غلوا في هذا الباب، فقالوا: أن الله عز وجل يعبد بالمحبة فقط. وأما الجهمية فعندهم العبادة بالرجاء، بالرغبة، عندهم إرجاء، عندهم إرجاء. وأما المعتزلة والخوارج فيعبدون الله عز وجل بالخوف وحده. فلهذا ذكر شيخ الإسلام أن السلف كانوا يقولون: من عبد الله بالحب وحده فهو الزنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري -أي من الخوارج- ومن عبد الله عز وجل بالرجاء وحده فهو مرجئ. وأهل السنة يعبدون الله عز وجل بالمحبة والخوف والرجاء، بالمحبة والخوف والرجاء، وهم يريدون ابتغاء وجه الله جل وعلا، محبة لله، وأيضا يرجون ثواب الله جل وعلا. من كان يرجو ثواب الله. أيضا الله عز وجل قال لنساء النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة﴾ أي تريدون ثواب الدار الآخرة، ﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾. وأيضا قال الله عز وجل في الأنبياء: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. وأيضا قال الله عز وجل: ﴿إن الذين تدعون من دونه﴾ أو قال جل وعلا: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾. أن يعبدون الله عز وجل بالتقرق إليه، بالمحبة والتعظيم، وكذلك بالخوف والرجاء. وهذا كما قلنا مذهب أهل السنة. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل درس الله نكتفي بهذا.