شرح كتاب التوحيد 173

شرح كتاب التوحيد 173

الدرس في شرح كتاب التوحيد 173، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الولاء والبراء في الإيمان

يشرح الأثر الوارد عن ابن عباس وأهمية الحب والبغض في الله لتحقيق ولاية الله، ويبين أهمية إخلاص الأعمال لله.

أعمال القلوب وصلاح الإيمان

يؤكد على أهمية أعمال القلوب في تحقيق الإيمان الكامل، ويشدد على أن صلاح القلب أهم من صلاح الظاهر.

التعلق بالدين والآخرة

يُنبه إلى خطورة التعلق بالدنيا ويبين فضل التعلق بالدين والآخرة، ويوضح أن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب.

خاتمة الدرس والدعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، تعبيرًا عن التقوى والالتزام بالعقيدة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعاد في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صار عامة مؤاخات الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا. رواه النجرير. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر، وهي من الآثار المأثورة عن الصحب الكرام، وهي مأثورة عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، وأورده المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، والذي كرسه في ذكر الأدلة من القرآن والسنة في مسألة محبة الله جل في علاه. وقبل الخوض في متن هذا الأثر، نقف وقفة في سنده، فهذا الأثر المروي عن ابن عباس قد تكلم عليه العلماء، إذ أن مداره على راو ضعيف، وهو ليث بن أبي سليم. ليث بن أبي سليم من الرواة الذين تكلم فيهم العلماء، وذلك من جهة الاختلاط، إذ أنه اختلط رحمه الله تعالى، وكان من أثر اختلاطه ما ذكر في هذا الأثر، إذ أنه تارة يأتي به عن ابن عباس، وتارة يأتي به عن عبد الله بن عمر، فكان ليث بن أبي سليم لا يعتمد عليه، ولهذا ضعف العلماء هذا الأثر. إلا أن هذا من حيث السند، لكن من حيث المعنى والمضامين الموجودة في هذا الأثر، فالمعاني صحيحة، لأن هناك أدلة ثبتت من الشرع تدل على صحة هذه المقالة. فهذا الأثر الذي بين أيدينا فيه: من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، وهذا صحيح. يؤيد ما رواه الطبراني رحمه الله تعالى عن جمع من الصحابة عن أبي ذر وعن غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». فهذا الأثر الذي بين أيدينا معانيه صحيحة. وفي هذا الأثر من فوائده أن الإنسان المسلم إخواني في الله، فإذا أراد أن يزداد قربه من الله، فعليه أن يجعل أعماله لله، يجعل أعماله لله قدر الإمكان، ما يفعل فعله أو يقوم بعمل إلا ويكون من هذا العمل أراد به وجه الله إن استطاع. فقد جاء كذلك مما يحسنه العلماء في شواهده من حديث أبي أمامة رواه أبو داوود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع لله فقد استكمل الإيمان». من استطاع على ذلك، فهذا قد بلغ القمة في الإيمان. من أحب في الله يحب خلق الله يماشي يصاحب، والإنسان مدني بطبعي يخالف غيره، لكن لو جعلت المعيار في اختيار الأصحاب والزملاء لله وفي الله أنعم يا عبد الله بهذه الرابطة. من أحب لله وأبغض لله، كذلك كرهك وبغضك لا يعود إلى هواك ومشتهاك وإلى أنظمة بشرية وإلى قوانين وضعية من الحزبية ومن العنصرية ومن الشعوبية والقبلية والطائفية، يكون ولاؤك وبراؤك لله. فتبغض كل من أبغضه الله، فتبغض أهل الشرك وأهل الإلحاد وأهل الزندقة وأهل الابتداع وأهل المخالفة وأهل الفجور والمجون، ما أبغضهم إلا لأن الله أبغضهم، يكون هكذا بغضك. وأيضا في المنع والعطاء، وأعطى لله، عندما تخرج هذا المال إنما تخرجه في أمر يحبه الله من صدقات من نفقات من كفارات من شراء ما يكون له الخيرية لك ولأهلك في الدنيا والآخرة. إعطاؤك لله وفي مرضات الله، ما يخرج منك دينارا ولا درهما إلا لأمر يطلبه الله منك. وقس على ذلك منعك، أنك تمتنع عن العطاء لأمر أراده الله. يؤتى إليك يا عبد الله عندنا يا فلان مشروع إيش مشروع؟ والله عندنا مسرح سنجعل فيه غناء، نجعل فيه طرب، عندنا احتفاليات، عندنا كذا، ونطلب منك دعم يسير، قل لا، ما أستطيع، مع أنك قادر على الإعطاء، لكنه لم تنعت لماذا؟ لله. فمن أعطى لله ومنع لله، حينها إذا كان العبد بهذه الصورة، كل شيء في أفعاله وأقواله وأحواله ومنعه وعطائه وحبه وبغضه لله، فمن هذا العبد؟ هذا قد استكمل الإيمان، هذا هو حبيب الرحمن. ومن من إخواني في الله وصل إلى هذا الحال، الناس يتفاوتون تفاوتا عظيما في هذا الباب. لو ربما نعطي في أموالنا ونمنع لا لله وإنما بخلا وشحا، رجل عنده قدر على المال ويأتي حق الله في هذا المال من النفق على أهله من النفق على عياله من النفق الواجبة، لا أقول مستحبة بل واجبة، من إطعامهم من إسكانهم من ملبسهم، أو تمر حوائج الناس من الفقراء والمعوزين، تلم عليهم الشدائد وهو قادر على أن يزيل القربة بما أعطاه الله من مال، لكن يبخل، هذا منع، لكن ليس لله، منع لهوى نفسه. بالمقابل من من يعطي يعطي الأموال الكثيرة، كثيرة المئات والمئات من الآلاف في حق من؟ في حق الله؟ لا، لا، في حق هواه، لربما ينفق ماله في شراء ما لذ وطاب من الخمور والمخدرات أو من المشاريع التي تأتي على الإسلام بالدك والهد من الخنى والغنى والموسيقى، ولربما تاجر في أموال ربوية، هذا عطاه لله لا، ليس لله وإنما لهوى نفسه. فهنا عباد الله مكمن الإيمان أن تكون عبدا لله في كل شيء، في كل شيء. فقال في هذا الأثر: من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله. وقلنا وهذه أمارات وإشارات قد جاءت في حقه لأدلة صحيحة. قال: فإنما تنال ولاية الله. ولاية بالفتح، الولاية بمعنى النصرة والمحبة، وليست بالكسر لأن الولاية بمعنى الأمارة والسلطة، ففرق بين الولاية وبين الولاية. الولاية وهذا مقصودنا المحبة والنصرة، والولاية هي الأمارة والسلطة، ولهذا ليس مقصودنا. فقال: فإنما تنال ولاية الله بذلك. وكما قلنا فقد استكمل الإيمان. حتى في رواية يحسن جماعة من أهل العلم: من أعطى لله ومنع لله وأنكح لله، حتى في النكاح. حتى في النكاح يأتيك من يأتيك يطلب يد بنتك يد أختك، فيبادر بعض الناس ما شاء الله حيها أنت ترجع دار من قال دار من دار بني فلان. قال: أنعم أنعم به ما شاء الله، وأن تشتغل يا بني قال: والله أنا أشتغل في الشركة الفلانية، قال: ما شاء الله عندك بيت، قال: عندي بيت اشتط، قال: والله أطلب يد بنتك أطلب منكم القرب، قال: أهلا أهلا وسهلا، عطي مدأ أشاور وأردك الخبر، انتهى الحوار. أين الله؟ أين السؤال عن دينه؟ هل سألت عن هذا الرجل قبل أن تتحرع عن نسبه قبل أن تتحرع عن أصله وفصله وماله وعمله؟ هل سألت عن دينه؟ تسأله: تصلي يا عبد الله أم لا تصلي؟ ما الذي يغنيك عن هذا المتقدم لبنتك أو لأختك أو لعارك؟ ماذا يغنيك عن إن كان صاحب ذا مال وإن كان ذا فصل، لكنه تارك للصلاة؟ ما الذي يغنيك؟ للأسف أجد أن من الناس من ينكح لكن ليس لله، للجيب، للنسب، للقرابة، لا يا عبد الله، لهذا في رواية: وأنكح لله فقد استكمل الإيمان. ثم في هذا الأثر قال كما يروى عن ابن عباس قال: ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك. وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان كما أنه يهتم بصلاح ظاهره في صلاح طاعاته وعباداته، فليعلم أن ما هناك أهم من ذلك ألا وهو صلاح القلب. صلاح القلب العناية بأعمال القلوب. كم من إنسان نعم تجدهم مصلية صائمة مزكية في ظاهره، لكن تجد في باطنه خواء، خواء، ما هناك تعظيم لله، ما هناك الإجلال لمقام الله جل وعلا. أعمال القلوب يا عبد الله أعظم عند الله من أعمال الأبدان والحركات. ولهذا العبر عند الله في حق من يبعث عنده النظر إلى قلبه. ولن ينفع ولا ينفع مال ولا بن إلا من أتى الله بقلب سليم. إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم هو الأصل وأعمالكم. وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله». وهنا العناية بالقلب لهذا أعظم الأعمال التي يحبها الله هي من أعمال القلوب: التعظيم، التوقير، الإجلال، التوكل، الخشوع، الخضوع، الإنابة، الخوف، الخشية، كل هذه من أعمال القلوب. حتى التوكل ترى أنه ظاهر هو في الأصل باطن، أن تعتقد في الله أنه الضار النافع جل في علاه. كل أجل الأعمال التي يحبها الله أعمال القلوب. فحريصي عبد الله على أنك كما تعتني بصلاتك وصيامك اعتني بقلبك فيما يكون من تعظيمك وإجلالك لربك سبحانه وتعالى. ثم في هذا الأثر قال: وقد صار عامة مؤاخات الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا. صحيح، أكثر ما نراه من حال الناس الدنيا، حبنا للدنيا، بغضنا لأجل الدنيا، عطاؤنا للدنيا، منعنا للدنيا، أصبحت الدنيا هي الهم، أصبحت هي التي تحل محل القلب. الدنيا يصبح الواحد ويمسي ما الذي سيجنيه من الدنيا؟ فيأخذ من حلها ويأخذ من حرامها. واعلم يا عبد الله أن الله عز وجل إنما إن أعطى الدنيا فإنما يعطيها لمن يحب ولمن لا يحب. الدنيا ليست بذاك عند الله، ليست بذاك. ولهذا فالله يعطي الدنيا وافهمها يفهمها يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، أما الدين فلا يعطيه الله إلا لمن أحب فقط جل في علاه. الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوض، ولهذا لزهدها يعطيها ربنا للكفار. ها هم الكفار أثر أثرياء العالم عندهم ما يسمى بالمليادير، عنده أموال لا يمكن حصرها، هم كافر زنديق يهودي نصراني ملحد شيوعي، يعطيهم ربنا أفرادا ومجتمعات لأن الدنيا لا تساوي شيء عند الله، لكن الدين لا ما يخصه الله إلا لمن أراد من عباده. فمن أعطاه الله الدين فليعلم أنه على عظيم الجزاء العظيم الذي يخصه الله لمن شاء من العالمين، فاحمد الله ليل نهار. فإذا كان كذلك يا عبد الله فتفضل لهذا، فتفضل لهذا، إذن اجعل تحركاتك لأجل الدين، العطاء، الحب، البغض، المنع للدين، لا من أجل الدنيا. وقد عاب شرعنا الحكيم هذا الصنف من الناس أن تكون يا عبد الله خاضعا للدنيا لدرجة العبودية، كما روى الإمام البخاري في صحيحه قال عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس وإذا شيك فلن تقوم له إن أعطي منها رضي وإن لم يعط منها سخط». هذا حال من؟ حال كثير منا. إن أعطي من الدنيا رضي، يفرح، يفرح فرحا عظيما، إن أعطي عطاء الدنيا، بالمقابل إن حرم من نعيم الدنيا سخطا ويظل في نهاره ويومه ساخطا متذمرا من قدر الله. ولو أراد أن يعبر لعبر بلسانه وقال: ما أنصفت يا رب. كما قال ابن القيم: لو ترك المجال كثير من الناس لصرحوا بها: ما أنصفت يا رب، أعطيت فلان الكثير وما أعطيتني إلا القليل. هذا حال كثير ممن تعلقت قلوبهم بالدنيا، لكن صاحب الدين لا ما يبالي ما يبالي بالدنيا جاءت أو لم تأته، وإنما همه رضى الله. واعلم يا عبد الله أن الله جل وعلا يعامل العباد على ما يكون من تعاملهم معه. فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ويقبل سائر خلقه إليه. ومن أراد الدنيا حرمه الله من الدنيا. قال عليه الصلاة والسلام: «من جعل الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع الله عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة». هذا من؟ هذا الذي همه الآخرة، يصبح ويمسي وما يريد من هذه الدنيا إلا ما عند الله. يظهر ذلك في أخذه وكلامه وصلاة وعبادته ومنع كله لله، لأنه يرجو ما عند الله. فلما كان كذلك جعل الله غناه في قلبه دائما وهو راضي فرح ما عنه. كما يقال عندنا في بلدنا: كحيان فقير تعيس، لكن عندهم من الفرح في قلبه ما ليس حتى عند الأغنياء من رضى الحال ورضى البال وانشراح الصدر. جعل الله غناه في قلبه وجمع الله عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، هي تأتيه له، يذهب إليها هي تأتيه. والعكس بالعكس. ومن جعل الدنيا همه أصحاب الدنيا، ومن جعل الدنيا همه فرق الله عليه شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. مهما جريت يا عبد الله ما يأتيك إلا ما قدر عليك من رب العباد. ولهذا إخواني في الله، فهذا الأثر وجميع ما ذكرنا وإن كان ضعيف الإسناد إلا أنه احتوى على معاني صحيحة دلت عليها القرآن والسنة الصحيحة المأثورة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأن العبد ينبغي في هذه الدنيا أن يكون في أفعاله وفي حركاته وفي سكناته وفي كل شيء من حبه وبغضه ومن إعطائه ومنعه أن يكون لله وفي الله. وأن يهتم بصلاح قلبه أعظم من اهتمامه بصلاح ظاهره، فإن صلاح الأبدان فإن صلاح القلوب هو الأساس في صلاح الأبدان. وعلى العبد أن يعلم أن الدنيا مهما أثنيت عليها يا عبد الله وضحيت لأجلها فإنها لا تغني عنك من الله شيئا، وإنما الذي يغنيك عند الله ما تبذله في الآخرة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.