الدرس في التبصير في أحكام الريح والأعاصير 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية استقاء الأخبار من مصادرها الموثوقة ويذكر بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالأمطار والرياح مثل الدعاء عند نزول المطر. يشمل ذلك الأدعية النبوية مثل 'اللهم صيبًا نافعًا'.
يناقش أحكام الصلاة عند نزول الأمطار، حيث يستجاب الدعاء، وتسقط صلاة الجماعة إذا خشي الأذى، ويجوز الجمع بين الصلاتين إذا اشتدت الأمطار. يُشرط مشقة في الخروج للصلاة.
يجوز الجمع بين الصلاتين في حالة المطر الغزير لمن يصلي جماعة في المسجد، بينما لا يجوز للمرأة في بيتها أو الرجل الذي يصلي منفردًا إذا لم تكن هناك مشقة.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الختام التوجه الديني والاعتماد على الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذه الدروس وفي هذه المقامات نتذاكر وإياكم بعضًا من مسائل الرياح والأمطار والأعاصير، وأشرنا في درس أمس، إخواني في الله، إلى ما ينبغي فعله وما الذي ينبغي أن نتقيه إزاء هذه التغيرات الكونية، فكان مما مضى ذكره الالتجاء إلى الله جل وعلا بالدعاء، وهكذا ما كان من كثرة العبادة والتعبد، وما يكون من الالتزام بالإجراءات الاحترازية الوقائية، وهكذا ما يكون من منفعة الناس؛ لأن من رفع أزمة مسلم، فالله جل وعلا يرفع عنك بالمثل، فالجزاء من جنس العمل. وهكذا أشرنا إلى ما ينبغي من حسن الظن بالله وبث روح الأمل في خلق الله، وأشرنا إلى الخطأ الذي نجده ولازلنا نجده من بث الإشاعات المخيفة والأخبار المروعة. ولازلنا نُبتلى، إخواني في الله، في مثل هذه الأخبار؛ بالأمس رأينا ولعل بعضكم رأى تلكم الأخبار التي تنبئ وتعلن عن افتتاح الدراسة من هذا اليوم، ثم اتضح أن الخبر محض كذب وافتراء. فيتضح من هذا الذي يتحرى أن يكذب في أوقات الناس فيها بأمس الحاجة إلى المصداقية، لكنها قوم ضعف إيمانهم، وما حمل الأمر على محمل الجد، ونخشى أن تكون الدائرة عليهم. وهكذا ما سمعناه بالأمس أيضًا من بعض الناس من يدعي بأن الأزمة قد انفرجت وأن ناقوس الخطر قد ذهب وولى، كيف ذاك يا عبد الله؟ ونحن تأتينا الأخبار من هنا ومن هنا ممن هم حولنا، بل منطقة قريبة لا تبعد عنا ساعة ونصف، ابتليت بالأمطار من أمس إلى الآن، إن همرت عليها الأمطار الغزيرة وجاءتهم السيول الكثير الجارفة حتى ما استطاعوا أن يخرجوا من بيوتهم إلى الآن، وهم بالقرب منا، فالخطر لا زال موجودًا قائمًا، فأين الذي يبث الأكاذيب؟ ولهذا نكرر، إخواني عباد الله، أن المسلم ينبغي في مثل هذه الأوقات أن يستقي الأخبار من مصادرها، من الجهات المعتمدة، الذين إذا أعلنوا عن انفراج الأزمة فهم أعلم، وإلا فلا زال الخطر داهمًا، وليس هذا من باب الترويع، لا والله، لكن من باب أخذ الحيط والحذر وعدم الركون إلى هذه الإشاعات المكذوبة المزعومة. ومما أحب كذلك أن أذكره تتمة لأحكام الرياح والأمطار وما نحن بصدده، ونسأل الله جل وعلا السلامة والعافية، وأن يجعل الأمطار أمطار خير وبركة، والرياح رياح لطف ورحمة. مما ينبغي أن نستعد به، إخواني في الله، معرفة الأحكام الشرعية. فمن الأحكام الشرعية المتعلقة بمثل هذا الطقس، مثلًا، ما مر معنا في مسألة الدعاء، إذا تلبدت الغيوم وبدأت الأمطار تنزل في أولها، ندعو الله جل وعلا: «اللهم صيبًا نافعًا»، نسأل الله أن تكون هذه الأمطار أمطار منفعة، «اللهم صيبًا نافعًا»، فإن اشتدت وخشي الناس منها، حينها ندعو الله: «اللهم حوالينا ولا علينا»؛ لأننا ندعو الله بإيقاف المطر مطلقًا لا، لكن يحول إلى غيرنا ممن يستفاد منه. ولهذا جاء في الصحيح من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام -أي الهضاب- وعلى الضراب -أي الجبال- وعلى بطون الأودية -المستودعات- وعلى منابت الشجر». فأحال نبينا المطر النازل، هو نازل لكن يحول، نحن لن نستفيد منه لأنه سيضرنا، لكن بالمقابل ندعو ربنا أن يحوله إلى غيرنا: «اللهم حوالينا ولا علينا»، فدعا نبينا: «اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». فإذا صاحب الأمطار شيء من الرعد، فإنه مما يشرع أن يقال: «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته»، هذا ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ثبت عن بعض أصحابه الكرام، فلك أن تدعو بهذا، لك أن تقول بهذه الكلمات، هذا عند الرعد: «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته». وهل يستجاب الدعاء عند نزول الأمطار؟ على خلاف، وجمهور العلماء على ذلك، جمهور العلماء يرون أن من مواطن إجابة الدعاء عند نزول الأمطار، فيستغل بأن تدعو الله جل وعلا من خير الدنيا والآخرة، وخاصة مما نخشى من خطورته بأن الله يدفع عنا ويرفع عنا ما يكون له أذى فينا، فهذا مما يقال. ثم بعد ذلك من أحكام الأمطار إذا اشتدت وإذا هطلت، ما يكون من إسقاط صلاة الجماعة، تسقط صلاة الجماعة مع القول الصحيح من أن صلاة الجماعة من الواجبات، إلا أنه لها أعذار تسقط حينها، ومن صور ومن مضامين ومواضع إسقاط الجماعة إذا هطل ونزل المطر وخشي النازل من بيته أن يصلي في مسجده، فحينها يبقى في بيته ويصلي في بيته، وغثبت ذلك عند الترمذي من حديث جابر بن عبد الله، أنه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل المطر، فقال عليه الصلاة والسلام: «من شاء أن يصلي مع ناس صلى -أي جماعة- من شاء»، فعلق الأمر على المشيئة، فإن استطعت أن تأتي تأتي، وإن لم تستطع فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ومما يعين على هذه مسألة مسألة أخرى، وهو أن يشرع للمؤذن أن ينادي بالناس في أذانه ينادي بالناس: «صلوا في رحالكم»، أو يقول: «الصلاة في الرحال»، أو يقول: «صلوا في بيوتكم»، يعبر بأي تعبير، الأمر في ذلك واسع، وهذا مما جاءت به الآثار، يختار الأسلوب والصيغة المناسبة ثم يأتي بها في آذانه. متى ذلكم؟ ذكر العلماء أن السنة النبوية دلت على أن هذا النداء له ثلاثة مواطن، إما أن يأتي به بدل «حي على الصلاة»، لأن «حي على الصلاة» نداء المؤذن ينادينا حي تعالوا، لا هنا ما في نداء، لا تنادي الناس بل قل: «صلوا في رحالكم» يعني ابقوا في أماكنكم وصلوا في بيوتكم، هذا الموطن الأول بدل «حي على الصلاة»، والموطن الثاني بعد «حي على الفلاح»، إذا انتهى يأتي بالصيغة الثانية، يأتي بـ «حي على الصلاة حي على الفلاح» بعد ذلك يقول: «صلوا في رحالكم»، الموطن الثالث أن يأتي بهذه الكلمات يأتي بها بعد الانتهاء من الأذان، إذا انتهى من الأذان «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله»، «صلوا في رحالكم» أو «صلوا في بيوتكم»، فيجعل هذه الكلمات في آخر الأذان، فهذه من السنة التي غفل عنها الكثير من الناس حتى أن بعضهم أصبح يستنكرها لقلة من يعمل بها، وهي من السنة يا عبد الله، وأنت فيها مخير. فإن استطعت أن تأتي بها في الموطن الأول أو الثاني أو الثالث، وبعد ذلك أنت يا أيها المصلي بالخيار، إن استطعت أن تأتي من غير مشقة تأتي، وإن رأيت أن فيها مشقة فلا تأتي، فالرخصة لك أنك تتخلف، فوالله يحب أن تؤتى رخصه. كذلك من مسائل أحكام الأمطار إذا اشتدت على الناس ما يتعلق بالجمع بين الصلاتين، أحيانًا يأتي الناس تحيّل مثلًا في هذا الفرض، ونحن اجتمعنا في صلاة الظهر، وقبل أن تقوم الصلاة أو بعد الأذان توافد الناس، فإذا بالأمطار تشتد وتشتد وتشتد، حينها أصبح الناس ما يفكرون في الظهر لأنه قد تواجدوا في المسجد، يفكرون في العصر كيف المخرج كيف الرجوع؟ هنا لا رجوع، بل يمكن أننا نصلي صلاة العصر الآن جمع تقديم، يمكن هذا على القول الصحيح. فعلى القول الصحيح من أقوال العلم، وهذا مذهب جمهور أهل العلم بشكل عام، مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وإن كان بعضهم له بعض القيود، فيرون أن الأمطار إذا اشتدت وخشي المصلي أن يخرج إليها، لا بأس أن نجمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، من أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا سفر، وفي رواية: «من غير خوف ولا مطر»، فدل ذلك على أن مما تقرر عندهم أن الأمطار إذا نزلت واشتدت فيشرع حينها أن نصلي الجمعة. فتخيل مثلًا الآن نحن الآن في المسجد مثلًا والأمطار تهطل في الخارج، فيأتي الإمام وبعدما يصلي بالناس يأمر المؤذن فيقيم الصلاة؛ لأن السنة في هذا الباب وهي سنة أخرى أن الجمع بين الصلاتين يكون بأذان واحد وإقامتين، بأذان واحد وإقامتين، فالأذان قد أذن للصلاة، فأقيما للظهر ثم يقوم المؤذن ويقيم لصلاة العصر، فنجمع فنصلي الظهر والعصر، هل عندي قصر؟ لا ما هناك قصر، بل جمع الصلاة كاملة، الظهر أربع والعصر أربع، وإذا جمعنا المغرب والعشاء فالمغرب ثلاث والعشاء أربع، تبقى الصلاة كاملة. مسألة كذلك مما تذكر في هذا الباب، هل يشرع القنوت؟ نقنت فيرفع الإمام يده: «اللهم ارفع عنا البلاء، اللهم ارفع عنا الإعصار، اللهم ارفع عنا الفيضانات والسيول»، هل يشرع هذا؟ الذي عليه العلماء أن هذا لا يشرع، وما يشرع، وكما قال شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى: قال إلى ساعته وهو حي يتحدث عن نفسه: «إلى ساعة ما علمت أن أحدًا قال بهذا؛ لأن قنوت النوازل إنما يكون من شيء هو ليس من فعل الله، كما هو الحاصل الآن في أيام فلسطين وما يجري عليهم على يد اليهود الصهاينة من أذى وأذية، هذا نعم من المواطن التي يشرع فيها القنوت لمن أراد أن يقنت، هذا يمكن القتال والحروب والمجازر على أهل الإسلام والمسلمين هذا محله». لكن إذا تحدث عن شيء هو من فعل الرب، كفيضان كسيول أمطار غزيرة، يقول الشيخ العثيمين رحمه الله: «ما أعلم أحدًا من أهل العلم أنه أجاز القنوت في مثل هذه المواطن»، ولهذا ما نقنت، وإنما نفعل كما فعل رسول الله، إما أن يدفع ذلك بالدعاء، وإن كان من صلاة كسوف إن كان كسوفًا، صلاة الخسوف إن كان خسوفًا، نفعل بما جاء به في تعامل رسول الله مع هذه المظاهر الكونية، وهذا هو الصحيح، فلن يفتح هذا الباب ولو خشينا على أنفسنا، وإنما نفعل كما فعل نبينا عليه الصلاة والسلام. مسألة أخيرة، إخواني في الله، ألا وهي الجمع بين الصلاة، والجمع بين الصلاتين قد يقول قائل: والمرأة في بيتها؟ هل تجمع؟ أو الرجل إذا كان في بيته؟ رجل في بيتي صلى الظهر، فسمع الناس في المسجد قد قامت الصلاة، إيش يفعل؟ إيش هذا يتصل بصاحبه؟ إيش تفعلون؟ قالوا: «جمع»، قال: «آه تمام»، قفل السماع وقام وهو في بيته يصلي العصر يجمع، هل يجوز للمفرد في بيته أن يجمع؟ أو المرأة كذلك في بيتها أن تجمع؟ هنا الخلاف حاصل بين أهل العلم، وأكثر العلماء لا يجيزون هذا، من الأقدمين ومن المعاصرين في هذا الزمان، لا يجوزون الجمع إلا لمن كان في المسجد يصلي جماعة، هذه رخصة خاصة، قالوا: أما من كان في بيته إمرأة أو رجل، لا يشرع له أن يجمع بين الصلاتين، لماذا؟ لأنه أولًا ليس من أهل المسجد؛ لأنه في بيته، والأمر الثاني ليس فيه مشقة، ليس عليه مشقة، أنت في بيتك، وإنما المشقة لأهل المسجد؛ لأن خروجهم ورجوعهم وخروجهم متعب ذهابًا وإيابًا، والأمطار تهطل من فوقهم، والزلق من تحت أقدامهم، والطين لو ربما تلوثت به ثيابهم، هنا مشقة ظاهرة روعي هذا الجانب، فخفف عنهم في حكم الصلاة، فجمع الشرع لهم بين الصلاتين. لكن الذي في بيته ما هناك وحل في قدمه، ولا مطر من فوق رأسه، فالصحيح في هذه المسألة ومذهب جمهور العلماء على أن الجمع بين الصلاتين يكون في حق من صلى جماعة في بيت الله، له أن يجمع إما بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء، وذلك إذا دعت الحاجة لكثرة الأمطار وخشي المصلي على نفسه من الخروج تحت هذا الطقس الذي لربما أثر على نفسه أو على بدنه أو على حالته. هذا، إخواني في الله، مسائل سريعة متعلقة بمثل هذه المظاهر الكونية تحسبًا لوقوعها، فالمسلم ينبغي أن يستعد كذلك بهذا الباب بالمعلومات الشرعية. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.