التبصير في أحكام الريح والأعاصير 1

التبصير في أحكام الريح والأعاصير 1

الدرس في التبصير في أحكام الريح والأعاصير 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التعاطي مع الأخبار الكونية

يتحدث عن كيفية تعامل المسلمين مع الأخبار المتعلقة بالكوارث الطبيعية، ويشدد على ضرورة التوازن بين الخوف والاستهتار. يشير إلى أن هذه الكوارث هي خلق من خلق الله وتحدث بإرادته.

أحكام الرياح والأعاصير وتقدير الله

يناقش أحكام الريح والأعاصير، ويشير إلى أنها من تقدير الله تعالى ولا يجوز سبها أو لعنها. يبين أن على المسلم الرضا والتسليم بقضاء الله.

حكم إرسال الأعاصير والآيات الكونية وتفسيرها

يشرح الحكم من إرسال الأعاصير والآيات الكونية، مثل التخويف والابتلاء للمؤمنين وتكفير الذنوب. يظهر فيها الصادق في إيمانه والكاذب.

الدعاء والصلاة على النبي في ختام الحديث

يتضمن دعاء لله تعالى بالنفع والرحمة وللأمة بالفرج والطمأنينة، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، في هذا المقام أود أن أطرح موضوعا ها قد بدأت وسائل الإعلام بذكره وبنشر خبره، وأعني به الوسائل الإعلام المحلية، وأعني بالأخبار ما يتعلق بخبر الإعصار الذي كما يدعي أهل الفلك ما تفرقنا بيننا وبينه سوى ساعات. وهذا الإعصار الذي بدأ أهل الاختصاص بذكره أنه من الدرجة الأولى، وقد يصل إلى الدرجة الثانية، ولربما يتطور إلى ما هو أعظم من ذلك. فأحب في هذا المقام، حفظكم الله، الإشارة إلى بعض المسائل التي ينبغي أن يكون كل مسلم ومسلمة على دراية بها ومعرفة، وخاصة أننا نجد أن الناس في هذا المقام ينقسمون إلى قسمين اثنين، كما هو الملاحظ. فمن الناس من لربما في مثل هذه الأخبار، وفي ظلها، من الآن يملأ يمتلئ خوفا وفزعا وقلقا وهلعا، حتى أن بعضهم لربما من الآن لا يهنأ بطعام ولا بشراب ولا بمنام، ولازال هذا الإعصار هو هاجسه يقض مضجعه، فقط سماع الحديث عنه يفزعه، وربما وصل بالحال ببعضهم من شدة الفزع أن يسيء الظن بربه وأنه هالك لا محالة، وأن الله عز وجل سيخصف بالبلاد والعباد، هذا من سوء الظن بالله، والله جل وعلا يعامل العباد على حسب ظنهم بالله، وأنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن بي شرا فله. وبالمقابل، طائفة أخرى من الناس من لربما لا يبالي بمثل هذه الأخبار، وما يكون من التوقعات والتحليلات والتقارير، وأن هذه من محض الافتراءات، وأن هذا التخويف، وأن هذا الترعيب، وكم من هذه الأخبار باءت بالفشل، فهو لا يرفع لها رأسا ولا يلقي لها بالا ولا يرعى لها اهتماما، كما حصل مثلا في كورونا، وصل بالحال من الناس إلى الاستهتار، ثم بعد ذلك ماذا كان؟ أن وقعت الوفيات ومات من مات من الأحباب والأقارب والأصحاب، وسلم الله الكثير من الناس، فضل من الله سبحانه وتعالى. فكان لابد أن الإنسان يأخذ بمثل هذه التقارير لمحمل الجد، وخاصة أنها تأتي من أهله ومن أهل الاختصاص منهم. ولهذا، إخواني في الله، فلا جنوح للطائفة الأولى، وكذلك لا إهمال للذي وقعت فيه الطائفة الثانية. فكان من المناسب أن نذكر ما ينبغي للمسلم إزاء هذه النوازل أن يفعله. ومما أود أن أذكره في هذا المقام، وهي من أعظم المسائل، ينبغي أن نتأمل فيها ونحن أمام هذا الإعصار، أمام هذه الرياح والتي ستهب علينا، والله أعلم متى موعدها، وقد يصرفها الله عن العباد والبلاد كما سيأتي. ينبغي أن نعلم أولاً أن هذه الريح وهذا الإعصار ما هو إلا خلق من خلق الله، بمعنى أنه لا يسير لوحده ولا يدور الأرض بكيفيته، وإنما هو خلق مخلوق يدبره ربه جل في علاه، والذي يسيره. ومن الأخطاء الفضيعة الشنيعة التي نسمعها من بعض أهل الفلك، وخاصة هذا متوقع من بعض الملاحدة ومن الكفار الذي ليس لهم دين، أنهم يحيلوا دائما هذه المصائب والكوارث إلى الطبيعة، فيقولون كوارث طبيعية، ومنها الأعاصير، وأن هذا الإعصار هو الذي كون نفسه، وأنه عبارة عن تجمعات جاءت الريح من هنا والريح من هنا وتحركت بسرعة كذا وكذا عقدة، وأنها ستصل إلى هذا المستوى، ويقطعون الإعصار من هنا ومن هنا ومن هنا يقطعونه عن الله، وكأن الله ليس له علاقة بهذا الإعصار. لا، يا عبد الله، الإعصار من الله، قدومه من الله، ذهابه من الله، يذهب يمنة ويسرة، ليس بنفسه، الله جل وعلا هو الذي يحركه. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾، من الذي أرسل الريح؟ الله جل وعلا، ما جاءت هكذا طبيعة أو خبط عشواء، ما جاءت هكذا، إنما ربنا أرسلها إليهم. وهكذا سليمان عليه السلام عندما من الله جل وعلا بالريح، قال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾، من الذي سخر الريح؟ الله جل وعلا. فينبغي أن نعلم وأن نعتقد أن الريح والأعصار وما يكون من الهبوب الشديد، وما يولده يولده كله من عند الله سبحانه وتعالى. ولهذا، صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الريح من روح الله»، ذهب جماعة من المفسرين، كما مال إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إلى أن معناها أي أن الريح من روح الله، أي أن الريح ما هي إلا من الأرواح التي خلقها الله، وهي ملك لله يسيرها الله كيفما شاء. وذهب جماعة من المفسرين في معنى «الريح من روح الله» أي الريح من رحمة الله، قيل هذا وقيل هذا. الشاهد من هذه المسألة، إخواني في الله، ينبغي ونحن كشعب وكأمة مسلمة، ينبغي أن نعلم وأن نعتقد أن ما يجري في الكون، خيرا كان أو شرا، بتقدير المولى سبحانه وتعالى. من المسائل المتعلقة بالريح والأعاصير، احرص يا عبد الله على أنك إن فهمت هذه المسألة الأولى، أنه يولد لك المسألة الثانية، وهي عدم التطاول، عدم التطاول على الريح والأعاصير بالسب والشتم واللعن، ما يجوز، ما يجوز. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسب الريح»، جاء في السنة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن عمر رضي الله تعالى عنه في موسم الحج خرج مع الناس، إذ بالريح هبت، هبت الريح، ثم اشتدت، فقال عمر لمن حوله: ما الريح؟ ما الريح؟ أراد أن يعرف شيئا عن الريح وما يذكر فيها من أحكام ومسائل، فسأل من حوله: ما الريح؟ فما أجابوه بشيء. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: وكان في الخلف، قال: فاستحييت إبلي وحركت الناقة، فسارعت حتى أدركت عمر، فقلت: يا أمير المؤمنين، بلغني أنك تسأل عن الريح، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تسب الريح، فإنها مأمورة»، فإنها مأمورة، لا تسبها. فكان ذلك من الأحكام التي ينبغي أن المسلم يتقيد بها. أحيانا لربما بعض الناس ممن قد امتلأ قلبه من الآن بالفزع والخوف، وقد جاءت الأخبار، بل جاءت الأوامر بأن الإنسان يستعد، وخاص من كان في بحره بأنه يأتي بقواربه إلى بره، وأن يرفع بالقوارب إلى بر الأمان، لربما هذا فيه مشقة، فبعضهم إذا وجد التعب والضنك من الحمول والنقل، يقول: أيش؟ فيعطي الريح سبة، على أنها هي السبب في التعب الذي وصلنا إليه، لا تسب الريح، لماذا؟ لا تسبها لأنها مأمورة، من الذي أمرها؟ ربها، ربها الله سبحانه وتعالى، هو الذي جلبها إليك، ليست بنفسها ولا بقدرتها، لها قدرة على أن تتصرف بشؤونها. فقال نبينا: «لا تسب الريح»، ويدخل في السب اللعن، جاء عند أبي داود بسند صحيح من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن الريح اشتدت، فنازعت الرجل في ردائه، ريح شديدة، شخص يريد أن يلبس الرداء ما استطاع من شدة الريح تلعب هنا وتذهب بالريح تعالى، فالريح لما اشتدت، اشتدت، لا، ربما تنزع ثيابك من جسدك من شدتها، وهذا ينازع في رداء يحاول أن يلبس ما استطاع، فماذا فعل؟ لعنها، لعن الريح، وكان هذا في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فسمع نبينا بلعن الرجل، فقال: «لا تلعنوها»، وفي رواية: «لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة»، فدل ذلك على عدم الجرأة والتطاول، يا عبد الله، على أن تسب خلقا من خلق الله، ولو كان ريحا أو إعصارا، فلا يجوز السب أو الشتم أو اللعن أو القذف، وإنما ترضى وتسلم. نأتي، إخواني في الله، إلى مسألة أخرى من المسائل المهمة المتعلقة بالأعاصير والرياح، ما الحكمة؟ ما الحكمة من إرسال الرياح كهذا الإعصار الذي قدم، والإعصار الذي قبله لبان، والإعصار الذي قبله تشابال، وعواصير تأتي وتذهب، ونتحدث عن الذي نبتل به في بلادنا، ناهيك عن الأعاصير على مستوى العالم، يأتي السؤال الذي لربما ينقر في الأذهان: ما الحكمة؟ ولابد من حكمة، لأن أفعال الله عز وجل لحكمة يفعلها ربنا عز وجل، إن كل شيء خلقناه بقدر، خلقه الله لحكمة، بقدر مقدر. فقد يقول: قال، وما الحكمة من هذه الرياح التي تأتينا بين الفينة والأخرى؟ ما تهدأ، ما نهدأ إلا وسمعنا بإعصار قادم، وآخر الذي بعده، والذي بعده؟ قال العلماء: الحكم في هذا الباب كثيرة، وحسب الإشارة إلى أهم الحكم، إخواني في الله. قال العلماء: من تلكم الحكم التخويف، التخويف، يخوف الله جل وعلا به العباد، أحيانا يصل الحال بالأفراد والمجتمعات الغفلة العظيمة عن الله وعن دينه، فتجد الذي يبتعد عن الصلاة بعيد، والذي يترك الصلاة ما يصلي، وذاك عاق لوالديه، وذاك ما يزكي، وأسوأ الناس قد تركوا الآخرة وكأن ما هناك آخرة، لشدة ما عليهم من الانغماس في الملذات، فيذكرهم الله بقوته، بجباروته، بحكمه في ملكوته، فيرسل ربنا جل وعلا مثل هذه الأعاصير. حين تعلم أنها خلق مرسل من عند ربه، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا نَرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾، هذه الآيات: زلازل، فيضانات، براكين، إعصارات، رياح، هذه آيات، من أعظم حكمها أن الله جل وعلا يرسلها تخويفا للعباد، ينزجروا عن المعاصي والذنوب، وينكفوا عن المخالفات والمنكرات، ويقبلوا على ربهم بالطاعات، هذا من أعظم الحكم. لهذا، تجد الإخوان في الله، مثال مثل هذا الإعصار إذا قدم، كيف تجد الناس الإقبال على الله؟ يقبلون على ربهم، ذاك بالدعاء، ذاك بالتضرع، ذاك بالتوجه، وذاك يتحسس أقاربه، وذاك ينظر إلى أرحامه، وذاك يهتم بالمعوزين والمحتاجين، وذاك تبدأ، هذا من أين جاء؟ هذا ما ظهرت، ولم تظهر إلا في مثل هذه النوازل، حكمة من الله عز وجل، يخرج ربنا الخير من قلوب العباد عندما يخافون من الله ويتذكروا، هذه حكمة عظيمة. كذلك من الحكم العظيم من إرسال الأعاصير ما يكون من الاختبار والابتلاء للعباد، يختبر الله جل وعلا العباد، اختبار العباد، إخواني في الله، يظهر جليا عند النوازل والفتن والمحن، يظهر الصادق في إيمانه والكاذب، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، فربنا يبتل العباد بمثل هذه المصائب. ولنبلونكم بشيء، ليس بكل شيء، شيء يسير من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، هذا من الخوف، يخوفنا الله جل وعلا بهذه الأعاصير، لماذا؟ التخويف ابتلاء، ولنبلونكم، لأنه يظهر الآن، ستسمع يا عبد الله، وستعرف، تريد أن تميز الناس الآن، ستسمع الذي ما يرضى بحكم الله: أيش؟ إعصار، إعصار، إعصار، أيش؟ متى إعصار؟ ما في، عندنا يكفينا الفقر الذي ابتلينا به، يكفينا البلاء الذي فينا، عن إعصار فوق هذا الذي عندنا، تتكلم مع من؟ تخاطب ربك بهذا الكلام، يا عبد الله، جهل. لكن المؤمن، الحمد لله، الحمد لله، يظهر الحامد، يظهر من يصبر، يظهر من يرضى، هذا ما يظهر إلا في النوازل، يبتلي الله عز وجل العباد بمثل هذه النوازل، بالخوف والنقص والرعب والهلع والأعاصير والزلازل، يختبر ربنا جل وعلا أنواع العباد، فانظر يا عبد الله كيف يمرر عليك هذا الاختبار، فالله سيراك، سيراك الله عز وجل كيف ستقابل هذه الفتنة المدلهمة. كذلك مما يذكر من الحكم في هذا البلاء أن الله عز وجل يكفر به الذنوب والسيئات، كفارة، كفارة لذنوبنا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وأهله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة»، تلقى الله أن تصافي بماذا؟ صفيت بالبلاء الذي يبتليك الله عز وجل. وهذا من البلاء، وهذا من البلاء، الحالة النفسية التي يصاحبها المسلم مثلا مثل هذه الأوقات، وهو ينتظر بخوف، وقد ألم به الهم والغم والكرب والقلق، هذا تؤجر عليه. قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا وصب ولا حزن حتى الشوك يشاكها إلا كفر الله من سيئاته»، حتى الهم، فكيف إذا جامه أعظم من الهم؟ الخوف والرعب، كل ذلك بحساب، يجزيك، الله عز وجل الأجر العظيم، إن عظم الثواب، أو إن عظم الجزاء مع عظم البلاء. فينبغي، إخواني في الله، أن نحرص على جعل هذه الأسباب وهذه الحكم من وراء الإعصار نصب أعيننا، وأن الله جل وعلا، وإن قدر علينا سوءا، فإنما هو لخير أراده الله، علمه من علمه، وجهله من جهله. وأكتفي بهذا المقام، وإن كان هناك أسباب أو مبحث خاص في كيفية استقبال مثل هذه الأزمات، فنجعل هذا ونرجي الكلام في مبحث آخر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يتغمدنا برحمته، وأن يلطف بنا جل وعلا، وبأهلينا في هذه البلاد، وفي كل بلاد، وأن يرفع عنا وعن أمتنا، وعن سائر المستضعفين من المسلمين، أن يرفع عنهم الهم والغم، وأن يبدلهم بذلك بعد ذلك، ويبدلهم بدلا من ذلك بالفرحة والطمأنينة، وبالأمن والأمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.