الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 581، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يتناول شرح حديث صحيح رواه ابن ماجه ويوضح أحوال رواته وتوضيح طبقاتهم. كما يشير إلى بعض التفاصيل حول سند الحديث ورواته حسب ما ذكره شيخ الإسلام مقبل بن هادي الوادعي.
المقطع الثاني يشرح حديثا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن البول مستقبل القبلة، ويبين رواة هذا الحديث من الصحابة. كما يوضح معنى قول الأئمة 'على شرط مسلم' و'على شرط البخاري' في تقييم الأحاديث.
المقطع الثالث يتناول حكم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. كما يبين اختلاف العلماء في تفسير هذا النهي بين الكراهة والتحريم وتوضيح بعض التفاسير التي تفرق بين الصحراء والجدران.
المقطع الرابع يذكر تجربة أبو أيوب وأصحابه في الحبشة حيث رأوا مراحيض مستقبلة القبلة، وكانوا ينحرفون عنها ويستغفرون الله تعالى بعد قضاء حاجتهم، مما يعطي تطبيقا عمليا على الحكم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن رمح المصري، وهو حافظ من حفاظ أهل مصر، قال: أخبرنا الليث بن سعد، وهو الحارث الفهمي، إمام من أئمة الإسلام، عن يزيد بن أبي حبيب، وهو النوبي المصري. أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي -وهو عبد الله بن الحارث كما قلنا- من صغار الصحابة ممن سكن مصر، ويزيد بن أبي حبيب من صغار التابعين، صغار التابعين الذين رأوا بعض صغار الصحابة أو رأوهم، أو رأوا صحابيًا ولم يسمعوا منه، مثل لعمش، يحيى بن أبي كثير وغيرهم، هؤلاء يكتبون في طبقة التابعين، وهم لم يرووا عن أحد من التابعين، إنما رأوا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، ويزيد رأى عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي لأنه تأخرت وفاته. قال عبد الله بن الحارث: قال أنا أول من سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة»، وأنا أول من حدث الناس بذلك. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة، فقال رحمه الله: حدثنا شبابة بن سوار -وشبابة يعتبر من أهل الشام، ليس من أهل مصر، أقصد من أهل الكوفة- قال: حدثنا الليث بن سعد به. وشبابة هذا له رأي أنكره الإمام أحمد رحمه الله، فكان يقول: الإيمان قول القلب واللسان ولا يقول عمل، معنى مثل قول المرجئة، لكن هو يقول: من قال قولًا فالقول عمل، أو قال: والعمل من القول، والعمل من القول، وهذا يخالف أهل السنة في كلامه، فلهذا أنكره عليه الإمام أحمد، ويقول: كل من قال فقد عمل، كل من قال فقد عمل، صحيح أن القول عمل، لكن ليس عملًا بالجوارح الخارجية، وهم يقصدون الجوارح الخارجية. لأن السلف رحمة الله عليهم لما يقولون: الإيمان قول وعمل، فالمراد بالقول: قول القلب واللسان، والعمل هو عمل القلب واللسان والجوارح، فالعمل يدخل فيه القول، أي قول اللسان فقط، ولا تدخل فيه أعمال الجوارح الأخرى كالصلاة والصيام أو كالصلاة والحج وغيرها من الأعمال، فهي من الإيمان، فإخراج أو في القول هذا فيه إخراج للعمل من الإيمان، أن العمل ليس من الإيمان، أو أن بعضه من الإيمان وبعضه ليس كذلك، وهذا أيضًا مخالف لقول السلف. فالإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، أو بعضهم يقول: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح. قال هذا الحديث حديث صحيح، يقول: على شرط مسلم، لأن محمد بن رمح أكثر عنه مسلم، فقال عبد الله بن حارث بن جزء الزبيدي: «أنا أول من سمع النبي عليه الصلاة والسلام»، ومثل قول الأئمة: على شرط مسلم، وعلى شرط البخاري، بعض العلماء يقول: أنه يأتي بالرجال نفس الرجال الذين أخرج لهم البخاري ومسلم، وهذا كلام صحيح، لكن الصحابي لا يدخل في هذا، الصحابي لا يدخل في هذا، وإنما المراد من بعد الصحابي. وأيضًا نبه الحافظ رحمه الله على أن يكون هذا الإسناد نفسه موجودًا في البخاري ومسلم، إذا كان على شرط البخاري أن يكون هذا الإسناد في البخاري، ليس الرجال فقط، فقد يكون رجل يروي عن آخر وهو ضعيف فيه، فمثلًا رواية سماك عن عكرمة، رواية هشيم بن بشير عن الزهري، رواية أيضًا جعفر بن ورقان عن الزهري، وهكذا، هؤلاء ثقات، لكن رواية هذا عن هذا، مثلًا رواية جعفر بن ورقان عن الزهري ضعيفة، وجعفر بن ورقان ثقة، لكن إذا روى عن الزهري فروايته ضعيفة، وهكذا هشيم بن بشير حافظ كبير، بل يمثل بالثور في حفظه، لكن سمع بعض الأحاديث من الزهري وضاعت عليه الصحيفة أو احترقت أو مزقت، المهم أنه لم يعلق في ذهنه إلا بعض الأحاديث، أربعة أو خمسة أو ستة، فهذه الأحاديث الصحيحة، وبقية الأحاديث التي يرويها إنما يدلسها، وهشيم يدلس كثيرًا. فالمهم أن مثل هذه الأشياء لا بد أن تكون، لا بد أن يكون البخاري قد روى نفس السلسلة. فقال: قال عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: «أنا أول من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة»، فقال: يقول أنه أول من سمعه، وقد يكون أول من سمعه على الإطلاق، وقد يكون المراد أنه أول من سمعه في المجلس، أو من أول من سمعه في مجلس من المجالس. لأن النهي عن البول مستقبل القبلة قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من واحد، منهم سلمان الفارسي، ومنهم كذلك ابن عمر، ومنهم كذلك جابر بن عبد الله، وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن البول وهو مستقبل القبلة أو مستدبرها، كما جاء في حديث سلمان، وجاء أيضًا في حديث أبي أيوب الأنصاري في الصحيحين: «أن لا نستقبل القبلة ببول ولا نستدبرها ببول أو غائط»، فهذا فلا يجوز للمسلم أن يبول مستقبل القبلة. وحمل كثير من أهل العلم النهي على الصحراء، إذا كان في الصحراء، وبهذا قال جماعة من العلماء، منهم ابن عمر، ابن عمر كان يعرض الراحلة ويبول مستقبل القبلة معرضًا الراحلة أمامه، كأنه يرى أنه إذا كان بين القبلة والبائل أو القاضي حاجته شيئًا فإنه يجوز، وبهذا قال الشافعي رحمه الله، على أنه يفرق بين الصحراء والجدران، إذا كان في جدران يجوز، إذا كان في صحراء لا يجوز. وحمله بعض أهل العلم على الكراهة، على أن النهي للكراهة، وأن الفعل للجواز، لأنه قد جاء في حديث عبد الله بن عمر: لما روى النهي عن قضاء الحاجة عن استقبال القبلة، قال: ثم ارتقيت بيت حفظ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبول وهو مستقبل القبلة مستدبر الكعبة. وكذلك أيضًا جاء في حديث جابر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يستقبل القبلة ببول، غائط، ثم رأيته يستقبلها قبل أن يموت بعام، فأخذ بعضهم هذه الدلالة على أن النهي للكراهة، ومنهم من أخذها على أنه نسخ ما كان في الجدران وبقي ما كان في الصحراء. والقول بالكراهة لعله أقرب، أو أنه يقال مثل ما قال الشافعي وغيره: أنه إذا كان في الجدران فلا بأس، وإذا كان في صحراء فلا يجوز، فلا يجوز أن يستقبل القبلة أو يستدبرها. وهذه المسألة قاس بعض الفقهاء أن كل ما كان شريفًا أيضًا يكره استقباله بالقبلة، مثل ما يذكر بعض الحنابلة والشافعية: أنه يكره استقبال النيرين، استقبال الشمس والقمر، وبعضهم يقول أيضًا: يكره استقبال الريح. وعللوا استقبال الشمس والقمر لأنهما من مخلوقات الله، ولهذا الإمام الشوكاني رحمه الله في السيل الجرار لما ذكر هذا عن صاحب هدائق الأزهار الزيدي، فقال الإمام الشوكاني: وإذا كان القمر لا يكره استقبال أو ينهى عن استقبال القمر والشمس لأنهما من مخلوقات الله، أيضًا قال: الأرض من مخلوقات الله والسماء من مخلوقات الله، فإذا أراد أن يقضي حاجته يخرج خارج العالم، قال: يخرج خارج العالم حتى يقضي حاجته، وهذا قياس بعيد جدًا. مع أن يقاس استقبال القبلة بالقمر والشمس على أنهما مخلوقات مشرفة، فأيضًا كذلك العرش والسموات أيضًا مشرفة، فلهذا فلا يحتاج إلى مثل هذا القياس، ولا يعلم ما هي العلة من النهي عن استقبال القبلة واستدبارها. فالمهم أنه قد جاء النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام، يحرص المسلم على ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولو كان في جدران، على جدران، مثل حمامات هذه الأولى ألا يجعلها مستقبلة القبلة. ولهذا قال أبو أيوب: فلما ذهبنا الحبشة رأينا مراحيض مستقبلة القبلة، قال: فكنا نقضي حاجتنا وننحرف ونستغفر الله تعالى، هذا ما يذكره.