التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 98

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 98

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 98، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إظهار الله النقص قبل الكمال

يبتلي الله العباد بالنقص والفقر والخوف ثم يمن عليهم بالكمال والغنى والأمن، فيكون وقع النعمة أعظم في القلوب. يستدل المحاضر بآيات الغيث بعد القحط وقصص يوسف وموسى وتذكير الله بنعم السمع والبصر والليل والنهار والقرآن.

تذكر النعم عند الشدائد

استحضار نعمة الله بعد الشدة يجعلها أحلى ويخفف وقع المصائب، كما في قصة يعقوب ويوسف وموازنة غزوة أحد ببدر. ويضرب مثال صبر عروة بن الزبير الذي شكر الله رغم بتر رجله وموت ابنه.

تخفيف المصائب بالبشارات الإلهية

يخفف الله وقع المصائب على الصالحين ببشارات كرؤى صادقة تسلّي المبتلى، كما في قصص الأب المفقود ويوسف ويعقوب وأم موسى. كما يعدهم بالنصر والتمكين فيطيب نفس المؤمن وتهون الشدائد.

خاتمة الدرس وشكر المترجمة

يعلن المحاضر انتهاء المقطع الحالي وينسب الترجمة إلى نانسي قنقر مع حمد الله تعالى. بذلك يُختتم الدرس بالشكر والثناء.

  • 18 جمادى الآخرة 1445هـ - 30/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

اشتركوا في القناة، وقالوا: قد مسنا وأهلنا الضر. الآية. ثم بعد قليل قال: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. بتلك النعمة الواسعة، والعيش الرغد، والعز المكين، والجاه العريض. وتبارك من لا يدرك العباد من ألطافه، ودقيق بره أقل القليل. ويناسب هذا من ألطاف الباري أن الله يذكر عباده في أثناء المصائب ما يقابلها من النعم؛ لألا تسترسل النفوس للجزع، فإنها إذا قابلت بين المصائب والنعم خفت عليها المصائب، وهان عليها حملها. كما ذكر الله المؤمنين حين أصيبوا بأحد، ما أصابوا من المشركين ببدر، وقال: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها. وأدخل هذه الآية في أثناء قصة أحد: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون. ويبشر عباده بالمخرج منها حين تباشره المصائب، ليكون هذا الرجاء مخففا لما نزل من البلاء. قال تعالى: وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون. وكذلك رؤيا يوسف إذا ذكرها، وكذلك رؤيا يوسف إذا ذكرها يعقوب، رجى الفرج، وهب على قلبه نسيم الرجاء. ولهذا قال: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله. وكذلك قوله تعالى لأم موسى: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأعظم من ذلك كله أن وعد الله لرسله بالنصر وتمام الأمر، هون عليهم المشقات، وسهل عليهم الكريهات، فتلقوها بقلوب مطمئنة، وصدور منشرحة، وألطافوا بما فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: لا يزال المؤلف يدلل على قاعدته التي ذكرها في هذا الموضع: إذا أراد الله إظهار شرف أنبيائه وأصفيائه بالصفات الكاملة، أراهم نقصها في غيرهم من المستعدين للكمال. فذكر من ذلك: وما يقارب ذلك، إنزال الغيث على العباد بعد أن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبلهم مبلسين. مبلسين: يعني قانطين. طيب، فأيهما أوقع في القلوب؟ أيهما أوقع في القلوب: لما تنزل المطر دائما وأبدا، والناس ربما ليسوا بحاجة ماسة أو حاجة شديدة لهذا المطر، أو لما تقحط الأرض وتجف العيون والآبار، طيب، وتصير حاجة الناس إلى الغيث ماسة وشديدة؟ أيهما أوقع على النفوس؟ الثاني. ولذلك قال الله عز وجل في هذه الآية: فانظر إلى آثار رحمة الله، كيف يحيي الأرض بعد موتها، إن ذلك لمحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير. فهذا أيضا من هذا الباب، من هذا الباب: أن الله سبحانه وتعالى يري عباده النقص الذي يقع عليهم، وهو وجود الجفاف وقلة الأمطار، ثم بعد ذلك يمتن الله عز وجل عليهم بهذه النعمة، فتكون الفرحة أعظم، وتكون الحاجة أمس. فهذا من هذا الباب. وبمثله مثلان: المؤمن يرى أنه فقير، وأنه ضعيف، فهو يدعو الله بعدما اشتدت به الأمور، وبعدما احتاج إلى أن يزال عنه هذا الفقر، فإذا بالله عز وجل يرزقه من حيث لا يحتسب. كيف تستكين فرحة هذا المؤمن؟ إنسان فقير ما عنده مال، فجأة فإذا بالله عز وجل ينزل عليه الرزق من هنا أو من هناك، وما تعلم من أين يأتيك رزق الله سبحانه وتعالى: يأتيك باب عمل، أو باب تجارة، أو فاعل خير يتكفل بأمورك وزواجك. كيف سيكون حال طالب العلم؟ لا شك أن هذا من هذا الباب: تستشعر النقص الذي كنت فيه، والنعم التي أسداك الله عز وجل إياها الآن. ثم ذكر لفتة أخرى في هذا الباب: وكذلك يذكرهم نعمه بلفت أنظارهم إلى تأمل ضدها. تأمل ضدها: ضد العافية ماذا؟ المرض. ضد الغنى؟ الفقر. ضد الليل؟ النهار. ضد النهار؟ الليل. صح. ضد نعمة البصر؟ العمى. طيب. فالله عز وجل يلفت انتباه عباده، يلفت انتباه عباده إلى ضد هذه النعم، ليشعروا بالنقص الذي ربما يحصل لهم ويحدث لهم. مثال ذلك: قل أرأيتم. الله عز وجل يخاطب عباده، يقول لهم: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم. تصور لو أن الله أخذ عنا نعمة السمع، ونعمة البصر، ونعمة الفهم والتعقل بالقلب، كيف سيكون حالنا؟ لا سمع، ولا بصر، ولا فهم: صم، بكم، عمي. فالله عز وجل ذكرنا بهذه النعم: نعمة البصر، ونعمة السمع، ونعمة الفهم والفقه. من إله غير الله يأتيكم به؟ إله مع الله يأتيكم بهذه النعم؟ لا أحد يستطيع أن يردها لك إلا من خلقها، وهو الله سبحانه وتعالى. فهذا التذكير. ومثله: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة، يعني جعل الليل مستمرا لا يعقبه النهار. سرمدا: بمعنى مستمرا. كيف سيكون حال الناس؟ كل اليوم ليل، ليل، بس ما في شمس، ولا شي ضو، ولا شي. كيف سيفعل الناس؟ ستتعطل مصالحهم. صح. ستتعطل مصالحهم. فالليل والنهار نعم من نعم الله عز وجل. هناك شخص رأيته في بعض البرامج، عمل فكرة يعني قريبة من هذا: أتى بالقرآن، مصحف قرآن، لكنه أوراق بدون كتابة، أوراق فاضية صافية ما فيها شيء، آيات بدون آيات، وهو على صورة مصحف. وعنده طلاب يحفظون القرآن، فأعطى كل طالب مصحف، ما أخبرهم بهذا الشيء. فيفتح المصحف، الطالب يرى أوراقا صافية، بعضهم بكى، بكى: كيف؟ أين القرآن؟ قد رفع القرآن، يعني خاف، فأبى، يناشله: لماذا أنت تبكي؟ كيف؟ قال: أنا ما أستطيع أن أعيش بدون القرآن. سبحان الله! تذكر هذا: أنا ما أستطيع أن أعيش بدون القرآن. إذن سبحان الله، هذا نعمة عظيمة: القرآن. أرأيت لو أن الله عز وجل محاه من الصحف، كيف سيكون حال الناس؟ كيف سيكون حال طلاب العلم؟ يريد أن يعرف شعور الطلاب، كيف سيكون شعورهم، لا يعمل معهم مقابلات يعني، أي شعورك أنت؟ بعضهم بكى، بعضهم قال: يعني شعرت بنعمة هذا الكتاب، وأننا نحن مقصرون فيه، وكذا. أراد أن يلقنهم درسا، يا أبوي، يعني صورة وكذا، وطلاب يعني معهم، يوريك المصحف فاضي، أوراق صافية، بدون أي آيات. فهذا نعمة عظيمة، فهذا من هذا الباب: يعني أن الله عز وجل يظهر شرف هذا الكتاب، يظهر شرف هذا الكتاب. فالحمد لله الذي هداك إليه، وجعلك ممن تقرأه، وممن تفهمه، وممن تهتدي بهداياته، وتستمتع بإرشاداته. فهذا نعمة عظيمة. ثم ذكر معنى آخر في هذا، قال: وتلوح على هذا المعنى قصة يعقوب. تلوح: بمعنى تشير، مثلا إلى هذا المعنى، يعني معنى القاعدة، إلى معنى القاعدة: قصة يعقوب وبنيه. حين اشتدت بهم الأزمة، الأزمة: يعني حيل بين يعقوب وبين ابنه يوسف، ثم بين يعقوب وبين ابنه الثاني، ثم لم يعطَ إخوة يوسف شيئا من الميرة، فاشتدت بهم الأمور والأزمة، حتى قالوا: مسنا وأهلنا الضر. الضر: يعني الضرر، تضررنا كثيرا. الآن اشتدت بهم الأمور، فإذا بالفرج يأتي. كيف سيكون شعورهم؟ كيف سيكون شعورهم لما قال لهم يوسف: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ قالوا: أإنك لأنت يوسف؟ وماذا شعورهم لما قال لهم: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين؟ يعني انقلبت حالهم من فرقة إلى اجتماع، وإلى ائتلاف، ومن فقر وشدة إلى نعيم وانفراج ورغد في العيش، كما ذكر هنا المؤلف. ثم بعد قليل قال: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، في تلك النعمة الواسعة، لأن يوسف كان أمين الخزائن، كان مقربا. يوسف عليه السلام كان مقربا، فقال هنا: في تلك النعمة الواسعة، والعيش الرغد، والعز المكين، لأنه كان من الوزراء، والجاه العريض، الجاه لأنه كان من المقربين للملك. فتبارك من لا يدرك العباد من ألطافه، ودقيق بره أقل القليل. فتكون النعمة بعد الشدة أحلى منها بدون شدة. صح. لو كنت دائما وأبدا وأنت غني، ما ستشعر بحال الفقراء. صح. إن كنت دائما صحيحا، ما ستشعر بحال المرضى. ولذلك قيل: أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها، إلا من فقدها. يعني لو ذهبت إلى المستشفيات ترى العجب العجاب، تحمد الله، تحمد الله على نعمة العافية. يذكر الشيخ عبد الرزاق البدر أنه دخل على رجل أصابه حريق، أصابه حريق وأقعده هذا الحريق، لأنه أحرق جسده كاملا، أحرق جسده كاملا. فزاره الشيخ، قال: زرته، ورأيت عنده مصحف، مصحف مفتوح، طبعا، ولا يتحرك، لا اليدين ولا الرجلين، ما بقي إلا رأسه وفكره، عقله. قال: وجدت عنده مصحفا مفتوحا، قلت له: كم وأنت على هذا الحال؟ قال: سنتين ونصف. قال له: أيش هذا المصحف، تقرأ فيه؟ قال: نعم، أقرأ فيه. قال له: كيف تقلب الأوراق؟ قال له: أنتظر إلى أن يدخل علي أحد زائر، أو أحد يعطيني طعام، فيقلب لي الأوراق. قال له: وإذا لم يدخل أحد؟ قال: خلاص، تبقى هذه الورقة مفتوحة، وأقرؤها، أو أكررها أحيانا مئات المرات، أكررها، لا أستطيع أقلب الورقة حتى يدخل علي أحد يقلب لي الورقة. انظر إلى هذه النعمة: ما يستطيع أن يقلب الورقة. كم نرى من الناس ما يستطيع أن يمشي، ما يستطيع أن يتحرك، ما يستطيع أن يتكلم، ما يستطيع أن... فلما ترى هذه النعم تذكر نعمة الله عز وجل عليك. فهذا من هذا الباب، من هذا الباب. ثم ثم ذكر أيضا، ويناسب هذا، يعني في القاعدة: من ألطاف الباري أن الله يذكر عباده في أثناء المصائب ما يقابلها من النعم، لألا تسترسل النفوس للجزع، فإنها إذا قابلت بين المصائب والنعم خفت عليها المصائب، وهان عليها حملها. كما ذكر الله المؤمنين حين أصيبوا بأحد، ما أصابوا من المشركين ببدر. يعني لو تمعنت وتدبرت القرآن، لرأيت أن الله عز وجل قرن آيات سورة بدر، سورة غزوة بدر، آيات غزوة بدر، بآيات غزوة أحد. فلما قال الله عز وجل: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثلها في أحد، لما خالف الرماة، والتف المشركون على المسلمين، وأثخنوا فيهم، وقتلوا فيهم، حتى قتلوا سبعين أو نحوه، ومنهم عم رسول صلى الله عليه وسلم، معروف غزوة أحد. فقال الله عز وجل: ولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها، قلتم: أنى هذا؟ ثم بعد ذلك ذكر ماذا ذكر؟ آيات غزوة بدر، غزوة بدر انتصر فيها المسلمون، وهم خرجوا لا يريدون القتال، إنما يريدون الاعتراض لعير قريش، ومع هذا ثبت الله قلوبهم، وهي أول معركة دارت بين المسلمين والمشركين، والمشركون استعدوا له، والمسلمون لم يستعدوا له، ومع هذا نصر الله المؤمنين على المشركين. فكأن الله عز وجل يقول للمؤمنين في يوم أحد: وإن أصابكم هذا الأمر الذي أصابكم، لا تحزنوا، فقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاذكروا تلك النعمة، فاذكروا تلك... ماذا؟ النعمة. فلذلك المسلم إذا أصيب بمصيبة، مما يهون عليه الجزع والحزن، يتذكر النعمة التي هو يتقلب فيها ليل نهار، فإن التذكر هذا يخفف عنه ألم تلك المصيبة. مثال ذلك: عروة بن الزبير، الذي يُلقى بالصابر المحتسب. عروة بن الزبير أصيب في رجله بالآكلة، الآكلة: يعني السرطان، بدأت الآكلة تأكل في رجله، فقرر الأطباء بترها، فبترت، فقال: الحمد لله، إن أخذ لنا رجلا، فقد أبقى لنا غيرها. تذكر الرجل الأخرى. وبينما هو كذلك، عاد الله... قطعت رجله، معه أولاد، أحد الأولاد رفسته الدابة فقتلته. انظر مصيبة ثانية. فجئ وقيل له: ولدك رفسته الدابة وتوفي، الله يرحمه. فقال: الحمد لله، إن أخذ لنا ولدا، فقد أبقى لنا غيره، معه غيره من الأولاد. بهذا الشيء: ماذا تخفف المصيبة؟ تخفف المصيبة. مثلا: أصبت بحادث، رفسته، فعلى سبيل المثال، وقعت، جرح في رجلك، تقول: الحمد لله، إن جرحت هذه الرجل، بقيت الرجل الأخرى، وبقي الجسد سليم، الله الحمد. واسي نفسك ببقية النعم. ثم انظر إلى غيرك أيضا، ربما في نفس السيارة غيرك مات، أو تكسر تكسرا كثيرا، وأنت بك أشياء طفيفة، أشياء يسيرة، تقول: الحمد لله، أنا خير من غيري. هذا أيضا مما يخفف ألم... ماذا؟ المصيبة. بهمتم هذا الآن. فذكر مثال في ذكر آية سورة بدر، غزوة بدر، في آيات غزوة أحد، فهذا من هذا الباب، من هذا الباب: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة. فانظر: يعني هذه الآية، ولما أصابتكم مصيبة، في سورة آل عمران، الآية مائة وخمسة وستين، وهذه حق بدر في آل عمران، مائة وثلاثة وعشرين، يعني في نفس السورة، وما بينهما إلا عدة آيات. فهذا من هذا الباب. ثم أيضا من هذا الباب: يبشر عبده بالمخرج منها حين تباشره المصائب. كيف يبشره؟ الأنبياء يبشرون بالرؤية الصالحة، وهي وحي بالنسبة للأنبياء، أو بالوحي المباشر من الله. لكن أولياء الله كذلك قد يبشرون برؤية صالحة، برؤية صالحة تخفف عنهم الأحزان. والله، حكيت لكم قصة ذكرها أحد المشايخ، وهي قصة صحيحة: أن رجلا معه ولد واحد، وكان متعلقا به كثيرا، تعرفون، يعني إذا كان ولد واحد، يكون الأب يعني متعلقا كثيرا بهذا. فتوفي هذا الابن، فحزن هذا الأب حزنا شديدا، حتى صار هذا الأب عازلا، مهموما، مغموما، لا يطيق الجلوس مع أصحابه، ولا مع أهله، من شدة الوجد، ومن شدة الحزن، ومن شدة التعلق بهذا الولد. فجلس فترة، ثم رأى رؤية، هذه الرؤية أزالت ما به من حزن. شوف هذا من لطف الله به، وهو رجل صالح. إيش هذه الرؤية؟ رأى في المنام أن القيامة قامت، وأن الناس في عطش شديد، عطش شديد، وهو من جملة هؤلاء الناس، من جملة هؤلاء الناس. ثم رأى أن بعد لحظة يخرج ولد طفل، ومعه كأس ماء، فالناس يشربون إليه، ويريدون أخذ هذا الماء، فيقول: لا، هذا الماء لا أعطيه إلا أبي، أبي، أبي، يبحث على أبيه، ثم يأتي ويعطيه أباه. فأتى الأول من الأولاد، والثاني، والثالث، وهذا الرجل من ضمن الناس يريد أن يشرب في ظمأ، فجاء، وخرج ولده هذا الذي مات، أبي، أبي، أبي، إلى أن أتى عند أبي هذا، وأعطاه الماء، وشرب حتى ارتوى، ثم قام من النوم، فتسلى بهذه الرؤية، وفرح بهذه الرؤية، وذهب ما به من حزن. هذا ذكرها أحد المشايخ، ليست ملفقة، وإنما يذكر أنها قصة واقعية حقيقية، وقعت لأحد الصالحين. فهذا من هذا الباب: يبشر عبده بالمخرج منها حين تباشره المصائب، ليكون هذا الرجاء مخففا له، مخففا له لما نزل، مخففا لما نزل من البلاء. قال تعالى: وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون. هذا في قصة يوسف، أوحى الله إليه، لا شك أن هذا يخفف عنه الابتلاءات التي مرت به، من الوضع في غيابة الجب، ومن فتنة النساء، ومن السجن، هذه كلها ابتلاءات عظيمة تعرض لها يوسف، فلما أوحي إليه بهذا الكلام، لا شك أنه اطمئن، وأن المصائب هذه صارت يعني هينة بالنسبة له. وكذلك رؤية يوسف إذا ذكرها يعقوب، رجل، فرج، أي شيء الرؤية؟ لما قال: إني رأيت أحد عشر كوكبا. فلذلك قال يعني العلماء: أن يعقوب منتظر لتحقق هذه الرؤية، فهو لم ييأس، ولم يصدق أولادا أن يوسف قد أكله الذئب، لأن عنده من الرؤية التي منتظر تحققها، منتظر تحققها، فلا شك أن هذا يهون عليه شيء من الحزن والألم. وهب على قلبه نسيم الرؤية، ولهذا قال: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف، ما يأس، قال: تحسسوا من يوسف، حتى قال أولادا: إنك لفي ضلالك القديم. يعني قالوا: أنت هل تذكر يوسف؟ وين يوسف من يوم راح، وأنت ما زلت تذكره؟ لأنه يرجو أن تتحقق هذه... ماذا؟ الرؤية. وكذلك قوله تعالى: وأوحينا إلى أم موسى، وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. يعني انظر: امرأة تلقي بولدها في البحر، ولا تدري ما هو مصيره، كيف سيكون تعلقها؟ حتى قال الله عز وجل: لولا أن ربطنا على قلبها. فهذا الأمر الذي أنزله الله عز وجل عليها، خفف عنها ألم هذه المحبة، أو هذه المصيبة التي نزلت بها. ثم قال: وأعظم من ذلك كله أن وعد الله لرسله بالنصر وتمام الأمر، هون عليه المشقات، وسهل عليه الكريهات. يعني المؤمن عنده وعد من الله: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا. قال الله عز وجل: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون. قال الله سبحانه وتعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات... كل هذه وعود. فالمؤمن يمضي في سبيله وفي طريقه، ويسعى إلى تحقيق هذا النصر، مهما تعرض له من بلاء، ومن مكر من قبل أعداء الإسلام، فهو لا يبالي بذلك، مهما سجن، ومهما ضرب، ومهما استهزئ به، ومهما ردت دعوته، فهو ماض في طريقه، لا يثنيه شيء، ولا كذلك يبعده شيء عن هذا الطريق، يكون مطمئن البال، يكون هادي النفس، لأن معه وعود من رب العالمين، فهذه الوعود تطمئنه، وكذلك تخفف عنه ألم المصائب والمشاق التي قد يتعرض لها خلال دعوته، وخلال جهاده في سبيل الله. طيب، نكتفي بهذا. وإله الله تعالى ترجمة نانسي قنقر