التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 63

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 63

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 63، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير آيات الهداية والنهي عن الاستغفار ومعنى التوحيد

يشرح الشيخ معنى آية ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ مؤكداً أن الهداية بيد الله وحده، ويستعرض سبب نزول النهي عن الاستغفار للمشركين في وفاة أبي طالب. ويبين أن «لا إله إلا الله» تستلزم إفراد الله بالعبادة وهو ما فهمه المشركون فرفضوها، محذراً من النطق بها مع الإصرار على الشرك.

وفاة أبي طالب: حرص النبي وإصرار المشركين على شبهة الأسلاف

يسرد المقطع تفاصيل احتضار أبي طالب وإصرار النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته لقوله «لا إله إلا الله» ليحاج بها يوم القيامة، فيقابل ذلك تمسك أبي طالب وأبي جهل بدين الأسلاف رافضين لازمة التوحيد. وتبرز شبهة «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» كأعظم شبه الضالين التي حالت دون إسلامه رغم حرص النبي عليه.

العبر والدروس من خاتمة أبي طالب: الأعمال بالخواتيم وخطر التقليد

يستخلص المقطع اثنتي عشرة فائدة من قصة وفاة أبي طالب على الكفر، أبرزها أن العبرة بخواتيم الأعمال وأن الهداية ملك لله وحده لا ينالها الحرص فقط. ويحذر من خطر صحبة السوء وتقليد الآباء في الباطل، ويرد مزاعم إسلام الآباء المخالفة للنصوص الشرعية الصريحة.

  • 22 جمادى الآخرة 1445هـ - 03/01/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قول شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في باب قول الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: 56]. قال: المسائل مسائل هذا الباب، وهي كالخلاصة لما ذكره في هذا الباب. الأولى: تفسير قوله: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]. وعرفنا أقسام الهداية، وأن المراد بالهداية في هذه الآية هداية التوفيق، فلا يملكها إلا الله. وعرفنا الضمير في قوله: ﴿ مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ يعود على من، فيه ثلاثة أقوال: من أحببت، على من يعود الضمير؟ هذا قد أخذ. نعم، وعندك يا فلان: من أحببت يعني أحببت أبا طالب؟ أحسنت. وثاني: من أحببت، لا، هذه هي أبا طالب، معناه يحمل على أنه محبة طبيعية؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يحب الكافر محبة ولاء، وإنما هنا المراد به محبة طبيعية لكونه عمه. لكن نعم، من أحببت هدايته، يعود على الهداية. والثالث: من أحببت، نعم، قبل النهي، من أحببت يعني أبو طالب، لكن هذا يحمل على أنه قبل النهي. الثاني: تفسير قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ [التوبة: 113]، فسبب النزول يعين على فهم الآية. في ماذا نزل قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: 113]؟ في هذه الحادثة: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقن عمه «لا إله إلا الله» فلم يقلها، فمات على الكفر، فقال: «لا أستغفرن لك ما لم أنهَ عنك»، فنزلت هذه الآية: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾. يقول ابن عثيمين: يحرم إظهار الحزن لموتهم وتعزيتهم، فهذا يدخل في النهي. ليس المراد النهي أن تقول: اللهم اغفر لهم، أي الكفار، أو اللهم ارحمهم. كذلك من النهي أن تحزن عليهم: ﴿ لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 69]، ولا تعازيهم؛ لأن التعزية معناها المواساة، أنت تواسي في كافر. ومن هنا يظهر لك ضلال بعض الفرق المنحرفة من المسلمين في هذا الزمان كالإخوان المسلمين، فإن بعض قاداتهم يعزون النصارى إذا مات قسيس من علمائهم، فتجد بعض الإخوان المسلمين كالقرضاوي ومن على شاكلته يترحمون على هؤلاء ويعزون النصارى في موت هذا القسيس. هذا مخالف لعقيدة الولاء والبراء، ومخالف لما جاء في القرآن، فيحرم إظهار الحزن لموتي الكافر مهما كان نفعه. قد يكون كافراً مثلاً يعطي الناس ويحسن إلى الناس، ما ينفعه هذا يوم القيامة: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]. ما ينفعهم هذا الخير الذي قدموه في حياتهم لأنهم كفار، فلا يحزن عليهم، ولا يترحم، ولا يستغفر لهم، ولا يذهب لتعزية أهاليهم، هذا كله يدخل في هذا المعنى. الثالث: وهي المسألة الكبيرة، تفسير قوله: «قل لا إله إلا الله»، بخلاف ما عليه من يدعي العلم. ما معنى كلامه؟ هذا هو يعيش شيخ الإسلام في مجتمع يعج بالشركيات، بعلماء السوء. فمن شبه هؤلاء ومن إنكارهم على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: أنه لا يقبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أحدهم أن يقول «لا إله إلا الله» وهو عاكف عند القبر يدعوه ويرجوه ويذبح له ويخافه. فهم ينكرون على شيخ الإسلام ويقولون: كيف هذا يقول «لا إله إلا الله»؟ لماذا تكفر من يقول «لا إله إلا الله»؟ فهنا قال: هذه مسألة كبيرة. يعني لو كان المسألة قول «لا إله إلا الله» وصار الإنسان مسلماً مهما عمل من شركيات ووثنيات، لقالها أبو طالب وانتهى. إيش يضره أن يقول «لا إله إلا الله» ويبقى على دين أبائه؟ لماذا ما قالها؟ لماذا ما قالها أبو طالب؟ نعم، لأنهم أهل اللغة يعرفون، يعني إذا قال أحدهم «لا إله إلا الله» معناه ترك عبادة غير الله، من دعاء، من تضرع، من ذبح، من أي نوع من أنواع العبادة. وهذه الشبهة لا يزال يدندن حولها مشركو هذا الزمان. إذا أنكرت على أحدهم وقلت له: هذا الشرك، يقول لك: أعوذ بالله، رميتمونا بالشرك ونحن نقول «لا إله إلا الله». لا، ساكين، ما عرفوا معنى «لا إله إلا الله»، ما عرفوا معنى «لا إله». أبو طالب أفضل منهم في معرفة «لا إله إلا الله»، ولذلك ما قالها؛ لأنه يعلم إذا قالها يلزم منه أن يترك عبادة ما سوى الله، أن لا يدعو إلا الله وحده، لا يستغيث إلا بالله، ولا يرجو إلا الله. لكن هؤلاء ما عرفوا معنى «لا إله إلا الله»، يقولون «لا إله إلا الله» ثم ينقضونها بأعمالهم الشركية. فتبين لنا هنا أنها فعلاً مسألة كبيرة، بسبب عدم فهم هؤلاء لها وقعوا في الشرك، ودخلت عليهم هذه الشبهة. الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال للرجل: «قل لا إله إلا الله». فقبح الله أبا جهل، أعلم منه بأصل الإسلام. هذا تبع للمسألة الأولى. أبو جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم أهل العربية يعرفون معنى «لا إله إلا الله»: لا معبود بحق إلا الله. ولذلك ما قالوها، ما قالوها لأنهم يعرفون معناها. لذلك جاء هذا في القرآن: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الصافات: 35]. ما يقولونها، أنهم يعرفون أنهم إذا قالوها يلزمهم إفراد الله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص: 5]. يعني لما قال لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً ﴾، لأن معنى «لا إله إلا الله» أن يكون الإله إلهاً واحداً، أن يكون الإله إلهاً واحداً. فهم أهل لغة وفصاحة وبلاغة يعرفون معنى الكلام العربي. فلما قال لهم نبيهم: «قولوا»، قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً ﴾، فأبوا أن يقولوها، أبوا أن يقولوها وأن يعملوا بها. فقوله: «قبح الله أبا جهل، أعلم منه بأصل الإسلام»، يعني أن أبا جهل علم معنى «لا إله إلا الله» لذلك ما قال، لكن هؤلاء ما علموا معنى، ولذلك قالوها وناقضوها، قالوها وخالفوها لأنهم ما يعرفون معنى «لا إله إلا الله». نعم. الخامسة: جده، أو جده الضار بالفتح، من الجد بمعنى النشاط والحزم ونحو ذلك. قال: جده صلى الله عليه وسلم ومبالغته في إسلام عمه، ويظهر هذا في تحين الفرصة الذهبية إلى عمه في هذا الحال الذي هو حال ضعف، والغالب أن الشخص إذا كان في حال الضعف يكون ضعيفاً منكسراً غير مترفع ومتكبر، هذا الغالب. فتحين النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة. وكذلك أمر آخر: وهو تكرار هذه الكلمة على عمه مع وجود المعارضة من قبل عبد الله بن أبي أمية وأبي جهل، ومع هذا النبي صلى الله عليه وسلم يكرر عليه، ما كَلَّ ولا يأس: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». حرص ومبالغة في حب الخير لعمه. علق الشيخ المثلين وقال: لقرابته لأنه عمه، ولما أسدى للرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام من معروف، لأنه كان يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، فهو على هذا مشكور، وإن كان على كفره مأزور. فكما تقدم: أي عمل تقدمه من أعمال الخير ولو فيه نصر للإسلام وأنت على غير الإسلام، ما ينفعك هذا يوم القيامة. قد تجد جزاءك في الدنيا، مثلاً يثني عليك الناس أو يكافئوك بشيء من الدنيا أو نحو ذلك، لكن في الآخرة ليس لك من نصيب ولا من أجر، بل أنت في الآخرة مأزور. السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه. يعني هذا الحديث صريح. بعض الصوفية يثبتون إسلام أبي طالب وأنه مسلم، بل يثبتون إسلام حتى أبي رسول الله وأمه، وهذا خلاف النصوص الواضحة الجلية في كفر هؤلاء. وهذا ليس فيه من قصر للنبي صلى الله عليه وسلم، إن هذا أمر ليس بيد النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عمران: 128]. ثم إن أباه وأمه ماتا قبل الإسلام، قبل ظهوره عليه الصلاة والسلام وبعثته. فالصوفية يعظمون، لما تقول: أبو الرسول كافر، أبو الرسول كافر، يا أخي هذا نصوص واضحة صريحة، واضحة صريحة في هذه المسألة. وكذلك عم الرسول عليه الصلاة والسلام أبو طالب، هذا الحديث صريح في كفره. السابعة: كونه صلى الله عليه وسلم استغفر له فلم يغفر له، أي الله عز وجل، بل نهي عن ذلك. وهذا يدل على أن الأمر بيد الله، الأمر بيد الله عز وجل. وهذا هو وجه الشاهد من إراد هذا الحديث في هذا الباب: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾. وهو رسول الله، فما كان مما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا لا يجوز صرفه لغير الله، ولا تطلب الهداية من غير الله، ولا الرزق، ولا الولد، ولا المدد. كل هذه الأمور لا يقدر عليها إلا الله، وتطلب من الله عز وجل وحده. الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان. فصديق السوء قد يكون سبباً في كفرك، كما في هذا الحديث: كان عنده هذان الكافران، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «قل لا إله إلا الله»، وهما يقولان: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» حتى مات على قولهما واعتقادهما. وهذا ورد في القرآن: ﴿ قَالَ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ [الصافات: 51-57]. يعني أكون مثلك. وكان صاحباً له، والأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وعن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه، إن القرين بالمقارن يقتدي. فالصاحب يؤثر على صاحبه، وكما يقال: الصاحب ساحب، الصاحب ساحب، يسحبك. فاحرص على مصاحبة الصالحين، أهل الخير والصلاح، أهل الجد، أهل التنافس في أمور الخير، أهل الأخلاق الفاضلة. لا تصاحب الأشرار، لا تصاحب المتكاسلين عن الطاعات والمتهاونين في عمل الصالحات، لا تصاحب هؤلاء، فإنهم يجرونك إلى شرورهم. لكن الصالحون يجرونك إلى الصلاح والخير، تتأثر بهم. التاسعة: مضر التعظيم للأسلاف والأكابر. لأنهم قالوا له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» ذكروه بما عليه الأسلاف والأجداد. وهذه شبهة انطلت على كثير من هؤلاء، القدماء والمعاصرين. تأتي عند واحد اليوم: يا أخي، هذا دعا غير الله، هذه الزيارات الشركية، قال: كان أجدادنا على هذا، كلهم على ضلال، كان أبي على هذا، وجدي، وأهلنا كلهم على هذا، ثم جئتم الآن تقولون: هذا بدع وهذا شرك، نحن ما عليه آباؤنا وأجدادنا. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 22، 23]. نعم، فهذه مضرة عظيمة، تعظيم الأسلاف. وهذا طبعاً إذا كانوا على الباطل. أما تعظيم الأسلاف إذا كانوا على الحق فهذا أمرنا بالاقتداء بهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ [البقرة: 137]. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: 115]. من هم المؤمنون؟ أسلاف، من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فجدك وأبوك إذا كانوا على الخير والتوحيد والصلاح، فهذا مرغب في الاقتداء بهم واتباع طريقهم. أما المراد: تعظيم الأسلاف والأكابر إذا كانوا على ضلال وعلى انحراف. العاشرة: الشبه، الشبه أو الشبهة للمبطلين في ذلك، لاستدلال أبي جهل بذلك. يعني أن أهل الباطل يلقون هذه الشبهة على من خافوا عليه الخروج عن طريقهم الضال والمنحرف، فيأتون يقولون: ما كان أبوك هكذا. واحد من الإخوة من آل البيت، هداه الله إلى التوحيد والسنة، قال: فآذوني أذية كبيرة، وكان أكثر ما يرددون عليه يقولون: ما كان أبوك هكذا، وما كان جدك هكذا، ما كان أبوك فيه لحية، وما كان أبوك... يعني لا يحضر الزيارات الشركية وهذه الأمور، فكانوا يعيرونه بهذا. وهكذا هي الشبه إلى يومنا هذا، ومن قبل قد قال هؤلاء لأبي طالب: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» ذكروه بجده، ذكروه بأجداده. الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم، لأنه لو قالها لنفعته. نعم، لو قالها لنفعته هذه الكلمة، وكان آخر ما قالها. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمة أحاج لك بها عند الله»، لعلها تنفعك. فالأعمال بالخواتيم. فكم من شخص كان على الكفر، فمن الله عليه بالإسلام، فلم يعمل خيراً قط، ومات على «لا إله إلا الله»، فختم له بهذه الخاتمة، خاتمة الإسلام. فالأعمال بالخواتيم، والعكس بالعكس: كم من إنسان كان على خير وعلى استقامة، فزاغ وضل، فكان آخر حياته على الضلال والزيغ والانحراف، فمات على ذلك، فختم له بسوء، كما جاء في حديث ابن مسعود: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين، لأن في هذه القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغة صلى الله عليه وسلم وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها. وهذا يدل على أنها شبهة عظيمة. يعني لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: «قل لا إله إلا الله»، هل ذكروا لأبي طالب معارضاً آخر غير هذا، غير قولهم: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» مع أن الرسول كرر، وهم يكررون نفس هذه الشبهة، ما تجاوزوها، ما تجاوزوا هذه الشبهة أبداً. فهذا يدل على ماذا؟ يدل على أنها من أكبر شبههم، ومن أعظم شبههم. وكما تقدم إلى الآن وهم يحتجون بهذه الشبهة، وهي شبهة تعظيم الأسلاف والأكابر، وهم على ضلال وانحراف. نكتفي بهذا، وإلىالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قول شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في باب قول الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: 56]. قال: المسائل مسائل هذا الباب، وهي كالخلاصة لما ذكره في هذا الباب. الأولى: تفسير قوله: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]. وعرفنا أقسام الهداية، وأن المراد بالهداية في هذه الآية هداية التوفيق، فلا يملكها إلا الله. وعرفنا الضمير في قوله: ﴿ مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ يعود على من، فيه ثلاثة أقوال: من أحببت، على من يعود الضمير؟ هذا قد أخذ. نعم، وعندك يا فلان: من أحببت يعني أحببت أبا طالب؟ أحسنت. وثاني: من أحببت، لا، هذه هي أبا طالب، معناه يحمل على أنه محبة طبيعية؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يحب الكافر محبة ولاء، وإنما هنا المراد به محبة طبيعية لكونه عمه. لكن نعم، من أحببت هدايته، يعود على الهداية. والثالث: من أحببت، نعم، قبل النهي، من أحببت يعني أبو طالب، لكن هذا يحمل على أنه قبل النهي. الثاني: تفسير قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ [التوبة: 113]، فسبب النزول يعين على فهم الآية. في ماذا نزل قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: 113]؟ في هذه الحادثة: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقن عمه «لا إله إلا الله» فلم يقلها، فمات على الكفر، فقال: «لا أستغفرن لك ما لم أنهَ عنك»، فنزلت هذه الآية: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾. يقول ابن عثيمين: يحرم إظهار الحزن لموتهم وتعزيتهم، فهذا يدخل في النهي. ليس المراد النهي أن تقول: اللهم اغفر لهم، أي الكفار، أو اللهم ارحمهم. كذلك من النهي أن تحزن عليهم: ﴿ لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 69]، ولا تعازيهم؛ لأن التعزية معناها المواساة، أنت تواسي في كافر. ومن هنا يظهر لك ضلال بعض الفرق المنحرفة من المسلمين في هذا الزمان كالإخوان المسلمين، فإن بعض قاداتهم يعزون النصارى إذا مات قسيس من علمائهم، فتجد بعض الإخوان المسلمين كالقرضاوي ومن على شاكلته يترحمون على هؤلاء ويعزون النصارى في موت هذا القسيس. هذا مخالف لعقيدة الولاء والبراء، ومخالف لما جاء في القرآن، فيحرم إظهار الحزن لموتي الكافر مهما كان نفعه. قد يكون كافراً مثلاً يعطي الناس ويحسن إلى الناس، ما ينفعه هذا يوم القيامة: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]. ما ينفعهم هذا الخير الذي قدموه في حياتهم لأنهم كفار، فلا يحزن عليهم، ولا يترحم، ولا يستغفر لهم، ولا يذهب لتعزية أهاليهم، هذا كله يدخل في هذا المعنى. الثالث: وهي المسألة الكبيرة، تفسير قوله: «قل لا إله إلا الله»، بخلاف ما عليه من يدعي العلم. ما معنى كلامه؟ هذا هو يعيش شيخ الإسلام في مجتمع يعج بالشركيات، بعلماء السوء. فمن شبه هؤلاء ومن إنكارهم على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: أنه لا يقبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أحدهم أن يقول «لا إله إلا الله» وهو عاكف عند القبر يدعوه ويرجوه ويذبح له ويخافه. فهم ينكرون على شيخ الإسلام ويقولون: كيف هذا يقول «لا إله إلا الله»؟ لماذا تكفر من يقول «لا إله إلا الله»؟ فهنا قال: هذه مسألة كبيرة. يعني لو كان المسألة قول «لا إله إلا الله» وصار الإنسان مسلماً مهما عمل من شركيات ووثنيات، لقالها أبو طالب وانتهى. إيش يضره أن يقول «لا إله إلا الله» ويبقى على دين أبائه؟ لماذا ما قالها؟ لماذا ما قالها أبو طالب؟ نعم، لأنهم أهل اللغة يعرفون، يعني إذا قال أحدهم «لا إله إلا الله» معناه ترك عبادة غير الله، من دعاء، من تضرع، من ذبح، من أي نوع من أنواع العبادة. وهذه الشبهة لا يزال يدندن حولها مشركو هذا الزمان. إذا أنكرت على أحدهم وقلت له: هذا الشرك، يقول لك: أعوذ بالله، رميتمونا بالشرك ونحن نقول «لا إله إلا الله». لا، ساكين، ما عرفوا معنى «لا إله إلا الله»، ما عرفوا معنى «لا إله». أبو طالب أفضل منهم في معرفة «لا إله إلا الله»، ولذلك ما قالها؛ لأنه يعلم إذا قالها يلزم منه أن يترك عبادة ما سوى الله، أن لا يدعو إلا الله وحده، لا يستغيث إلا بالله، ولا يرجو إلا الله. لكن هؤلاء ما عرفوا معنى «لا إله إلا الله»، يقولون «لا إله إلا الله» ثم ينقضونها بأعمالهم الشركية. فتبين لنا هنا أنها فعلاً مسألة كبيرة، بسبب عدم فهم هؤلاء لها وقعوا في الشرك، ودخلت عليهم هذه الشبهة. الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال للرجل: «قل لا إله إلا الله». فقبح الله أبا جهل، أعلم منه بأصل الإسلام. هذا تبع للمسألة الأولى. أبو جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم أهل العربية يعرفون معنى «لا إله إلا الله»: لا معبود بحق إلا الله. ولذلك ما قالوها، ما قالوها لأنهم يعرفون معناها. لذلك جاء هذا في القرآن: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الصافات: 35]. ما يقولونها، أنهم يعرفون أنهم إذا قالوها يلزمهم إفراد الله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص: 5]. يعني لما قال لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً ﴾، لأن معنى «لا إله إلا الله» أن يكون الإله إلهاً واحداً، أن يكون الإله إلهاً واحداً. فهم أهل لغة وفصاحة وبلاغة يعرفون معنى الكلام العربي. فلما قال لهم نبيهم: «قولوا»، قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً ﴾، فأبوا أن يقولوها، أبوا أن يقولوها وأن يعملوا بها. فقوله: «قبح الله أبا جهل، أعلم منه بأصل الإسلام»، يعني أن أبا جهل علم معنى «لا إله إلا الله» لذلك ما قال، لكن هؤلاء ما علموا معنى، ولذلك قالوها وناقضوها، قالوها وخالفوها لأنهم ما يعرفون معنى «لا إله إلا الله». نعم. الخامسة: جده، أو جده الضار بالفتح، من الجد بمعنى النشاط والحزم ونحو ذلك. قال: جده صلى الله عليه وسلم ومبالغته في إسلام عمه، ويظهر هذا في تحين الفرصة الذهبية إلى عمه في هذا الحال الذي هو حال ضعف، والغالب أن الشخص إذا كان في حال الضعف يكون ضعيفاً منكسراً غير مترفع ومتكبر، هذا الغالب. فتحين النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة. وكذلك أمر آخر: وهو تكرار هذه الكلمة على عمه مع وجود المعارضة من قبل عبد الله بن أبي أمية وأبي جهل، ومع هذا النبي صلى الله عليه وسلم يكرر عليه، ما كَلَّ ولا يأس: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». حرص ومبالغة في حب الخير لعمه. علق الشيخ المثلين وقال: لقرابته لأنه عمه، ولما أسدى للرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام من معروف، لأنه كان يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، فهو على هذا مشكور، وإن كان على كفره مأزور. فكما تقدم: أي عمل تقدمه من أعمال الخير ولو فيه نصر للإسلام وأنت على غير الإسلام، ما ينفعك هذا يوم القيامة. قد تجد جزاءك في الدنيا، مثلاً يثني عليك الناس أو يكافئوك بشيء من الدنيا أو نحو ذلك، لكن في الآخرة ليس لك من نصيب ولا من أجر، بل أنت في الآخرة مأزور. السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه. يعني هذا الحديث صريح. بعض الصوفية يثبتون إسلام أبي طالب وأنه مسلم، بل يثبتون إسلام حتى أبي رسول الله وأمه، وهذا خلاف النصوص الواضحة الجلية في كفر هؤلاء. وهذا ليس فيه من قصر للنبي صلى الله عليه وسلم، إن هذا أمر ليس بيد النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عمران: 128]. ثم إن أباه وأمه ماتا قبل الإسلام، قبل ظهوره عليه الصلاة والسلام وبعثته. فالصوفية يعظمون، لما تقول: أبو الرسول كافر، أبو الرسول كافر، يا أخي هذا نصوص واضحة صريحة، واضحة صريحة في هذه المسألة. وكذلك عم الرسول عليه الصلاة والسلام أبو طالب، هذا الحديث صريح في كفره. السابعة: كونه صلى الله عليه وسلم استغفر له فلم يغفر له، أي الله عز وجل، بل نهي عن ذلك. وهذا يدل على أن الأمر بيد الله، الأمر بيد الله عز وجل. وهذا هو وجه الشاهد من إراد هذا الحديث في هذا الباب: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾. وهو رسول الله، فما كان مما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا لا يجوز صرفه لغير الله، ولا تطلب الهداية من غير الله، ولا الرزق، ولا الولد، ولا المدد. كل هذه الأمور لا يقدر عليها إلا الله، وتطلب من الله عز وجل وحده. الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان. فصديق السوء قد يكون سبباً في كفرك، كما في هذا الحديث: كان عنده هذان الكافران، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «قل لا إله إلا الله»، وهما يقولان: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» حتى مات على قولهما واعتقادهما. وهذا ورد في القرآن: ﴿ قَالَ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ [الصافات: 51-57]. يعني أكون مثلك. وكان صاحباً له، والأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وعن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه، إن القرين بالمقارن يقتدي. فالصاحب يؤثر على صاحبه، وكما يقال: الصاحب ساحب، الصاحب ساحب، يسحبك. فاحرص على مصاحبة الصالحين، أهل الخير والصلاح، أهل الجد، أهل التنافس في أمور الخير، أهل الأخلاق الفاضلة. لا تصاحب الأشرار، لا تصاحب المتكاسلين عن الطاعات والمتهاونين في عمل الصالحات، لا تصاحب هؤلاء، فإنهم يجرونك إلى شرورهم. لكن الصالحون يجرونك إلى الصلاح والخير، تتأثر بهم. التاسعة: مضر التعظيم للأسلاف والأكابر. لأنهم قالوا له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» ذكروه بما عليه الأسلاف والأجداد. وهذه شبهة انطلت على كثير من هؤلاء، القدماء والمعاصرين. تأتي عند واحد اليوم: يا أخي، هذا دعا غير الله، هذه الزيارات الشركية، قال: كان أجدادنا على هذا، كلهم على ضلال، كان أبي على هذا، وجدي، وأهلنا كلهم على هذا، ثم جئتم الآن تقولون: هذا بدع وهذا شرك، نحن ما عليه آباؤنا وأجدادنا. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 22، 23]. نعم، فهذه مضرة عظيمة، تعظيم الأسلاف. وهذا طبعاً إذا كانوا على الباطل. أما تعظيم الأسلاف إذا كانوا على الحق فهذا أمرنا بالاقتداء بهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ [البقرة: 137]. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: 115]. من هم المؤمنون؟ أسلاف، من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فجدك وأبوك إذا كانوا على الخير والتوحيد والصلاح، فهذا مرغب في الاقتداء بهم واتباع طريقهم. أما المراد: تعظيم الأسلاف والأكابر إذا كانوا على ضلال وعلى انحراف. العاشرة: الشبه، الشبه أو الشبهة للمبطلين في ذلك، لاستدلال أبي جهل بذلك. يعني أن أهل الباطل يلقون هذه الشبهة على من خافوا عليه الخروج عن طريقهم الضال والمنحرف، فيأتون يقولون: ما كان أبوك هكذا. واحد من الإخوة من آل البيت، هداه الله إلى التوحيد والسنة، قال: فآذوني أذية كبيرة، وكان أكثر ما يرددون عليه يقولون: ما كان أبوك هكذا، وما كان جدك هكذا، ما كان أبوك فيه لحية، وما كان أبوك... يعني لا يحضر الزيارات الشركية وهذه الأمور، فكانوا يعيرونه بهذا. وهكذا هي الشبه إلى يومنا هذا، ومن قبل قد قال هؤلاء لأبي طالب: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» ذكروه بجده، ذكروه بأجداده. الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم، لأنه لو قالها لنفعته. نعم، لو قالها لنفعته هذه الكلمة، وكان آخر ما قالها. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمة أحاج لك بها عند الله»، لعلها تنفعك. فالأعمال بالخواتيم. فكم من شخص كان على الكفر، فمن الله عليه بالإسلام، فلم يعمل خيراً قط، ومات على «لا إله إلا الله»، فختم له بهذه الخاتمة، خاتمة الإسلام. فالأعمال بالخواتيم، والعكس بالعكس: كم من إنسان كان على خير وعلى استقامة، فزاغ وضل، فكان آخر حياته على الضلال والزيغ والانحراف، فمات على ذلك، فختم له بسوء، كما جاء في حديث ابن مسعود: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين، لأن في هذه القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغة صلى الله عليه وسلم وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها. وهذا يدل على أنها شبهة عظيمة. يعني لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: «قل لا إله إلا الله»، هل ذكروا لأبي طالب معارضاً آخر غير هذا، غير قولهم: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» مع أن الرسول كرر، وهم يكررون نفس هذه الشبهة، ما تجاوزوها، ما تجاوزوا هذه الشبهة أبداً. فهذا يدل على ماذا؟ يدل على أنها من أكبر شبههم، ومن أعظم شبههم. وكما تقدم إلى الآن وهم يحتجون بهذه الشبهة، وهي شبهة تعظيم الأسلاف والأكابر، وهم على ضلال وانحراف. نكتفي بهذا، وإلى هنا.