مسائل وأحكام من حديث الرضى بالله والنبي والإسلام 2

مسائل وأحكام من حديث الرضى بالله والنبي والإسلام 2

الدرس في مسائل وأحكام من حديث الرضى بالله والنبي والإسلام 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية الذكر

يتناول أهمية الذكر الذي كان يردده النبي عليه الصلاة والسلام "رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا" وكيف يحوي خيري الدنيا والآخرة. يشير إلى أن هذا الذكر يعد من أعظم الأسباب في مغفرة الذنوب وستر العيوب.

أهمية الكلمات الثلاث في الدين

يُبرز أهمية الكلمات الثلاث في الدين الإسلامي حيث تشمل مقامات الربوبية والرسالة والشريعة وتُعد خلاصة ما يُسأل عنه في القبر. كما تُظهر أهمية الإخلاص والاتباع في الأعمال وتشمل جميع أهل الإيمان والإسلام.

أثر الذكر على أصناف الناس ودائرة الإسلام

يفسر كيف أن الذكر "رضيت بالله ربًا، والإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا" يحدد دائرة الإسلام ويخرج الملاحدة والمشركين وأهل الكتاب وأهل النفاق منها. كما يبين أن هذا الذكر يشمل جميع أهل الإسلام.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى. يعبر عن الختام بالشكر والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن ذلكم الذكر الحكيم والورد العظيم الذي كان يردده نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم، ألا وهو قوله: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا». وكان المبحث الأول، والذي قد مضى معنا، ما يتعلق بذكر مناسباته ومتى يقال هذا الذكر. فأشرنا إلى أن موارد هذا الذكر لك أن تجعله، يا عبد الله، ذكرًا عامًا تذكره في كل ساعة من ساعات حياتك، في ليلك أو نهارك، تكثر من ذكره وتتقرب إلى الله جل وعلا به. ومن موارد هذا الدعاء أنك تذكره عند الأذان، وأشرنا إلى الخلاف الحاصل بين العلماء، إما أن يكون بعد الشهادتين، وإما أن يكون بعد الانتهاء من الأذان. والمورد الثالث أنه يذكر في أذكار الصباح والمساء. وهنا نقف معكم في هذا المقام، وفي هذا المجلس، مع مبحث ثاني من المباحث المتعلقة بهذا الذكر، ألا وهو ما يتعلق بأهميته. ما يتعلق بأهمية هذا الذكر، من أين ولما كان لهذا الذكر من العظمة ومن الإجلال، ومن هذه الفضائل التي جاء ذكرها في شرعنا. قال العلماء: إن هذه الكلمات الثلاث «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا» تكمل أهميتها، وأهمية هذه الكلمات أنها حوت على خيري الدنيا والآخرة، وشملت ووسعت سعادة الدارين في الأولى وفي الآخرة. مضى معنا ونحن نذكر موارد هذا الذكر، ما يكون من فضله وأجره على صاحبه، فمن أتى بهذا الذكر، فالله جل وعلا وعده بالجنان، وعده بالجنان، وأن يكون من سكان دار القرار، وجبت له الجنة. ومن فضائل هذا الذكر كذلكم أنه من أعظم الأسباب في مغفرة الذنوب، وفي ستر العيوب، غفر له ذنبه. وأن هذا الذكر كذلكم يتجلى فيه رضى الله، فالله يرضى عن صاحبه متى ما أتيت به، فهذه من الأجور العظيمة التي جعلها ربنا في حق من أتى به في هذه الدنيا، في الآخرة يوم القيامة. زد على ذلكم كذلك أن من فضائل كما مر معنا ما يجده المسلم من راحة الصدر، وانشراح القلب، وطمأنينة البال، والتلذذ بحلاوة الإيمان، ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا. فتجد أن هذه الكلمات الثلاث قد حوت على خيري الدنيا والآخرة. السبب الثاني مما يدلل به على أهمية هذه الكلمات، وهذا الذكر، أنها من الأمور التي سنسأل عنها جميعًا بلا استثناء، ونحن في قبورنا، ما من أحد إلا وسيلج إلى هذه الحفرة في قبره، وفي برزخه، حينها سنسأل عن أسئلة ثلاث لا محيص عنها: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ قارن، يا عبد الله، بين هذه الأسئلة الثلاث، وقارن بين هذه الكلمات الثلاث «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا»، فماذا تلاحظ؟ تلاحظ تمامًا انطباقًا، تجد الأسئلة هنا والأجوبة هنا: من ربك؟ رضيت بالله ربا. ما دينك؟ رضيت بالإسلام دينا. ومن نبيك؟ رضيت بمحمد نبيًا ورسولا. فإذا كان من عادة الإنسان أنه في هذه الدنيا يكثر من هذا الذكر دائمًا وأبدًا، كما أشرنا، كذكر عام أو ذكر خاص، فإنه لا يكاد يفارق -لا أقول قلبه، لا أقول لسانه- بل حتى قلبه سيحفر حفرًا في قلبه، بل ربما لو أدرج في قبره وجاءه الملك، من ربك؟ قال مباشرة: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا. وهنا تظهر أهمية هذه الكلمات الثلاث، إذ أنها خلاصة ما سنسأل عنه ونحن في قبرنا، خلاصة ما سنسأل عنه في قبرنا: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ موجود في هذه الكلمات الثلاث. وهنا تظهر فضيلة هذا الذكر العظيم عن باقي الأذكار والأوراد والأخبار، فحرص عليها، يا عبد الله، وأكثر من ذكرها وتردادها. الفائدة الثالثة مما يدلل به على أهمية هذه الكلمات الثلاث أنها هي في الحقيقة شملت الدين الإسلامي، الدين الذي أرسل الله جل وعلا به الأنبياء والرسل، هو موجود في هذه الكلمات الثلاثة. فهذه الكلمات الثلاثة فيها بيان لمقام الربوبية، ومقام الرسالة، ومقام الشريعة: الربوبية الله ربنا، الرسالة محمد نبينا، والشريعة الإسلامي ديننا. وما من ملة ودين إلا يقوم على هذه الأسس الثلاثة: على الرسول، وعلى المرسل، وعلى الرسالة ألا وهي الإسلام. وأيضًا في هذه المسألة «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا» فيه إشارة إلى أهمية الأعمال، إذ أن قولك «رضيت بالله ربا» فيه الإشارة إلى إخلاص العمل لله. «رضيت بالله ربا، ورضيت بمحمد رسول» فيه الإشارة إلى أهمية مقام الاتباع، لأنك رضيت بمحمد أن يكون رسولك تتبعه. وفي قولك «وبالإسلام دينا» بيان على أن هذا الدين الإسلامي بما حوى من أقوال وأفعال وأحوال إنما هو مبني على الإخلاص والاتباع، مبني على الإخلاص والاتباع. فتجد أن هذه الكلمات حوت على الدين كله في كل ملة، وعلى لسان كل رسول. رابعًا من فوائد هذه الكلمة العظيم، وهذا الذكر العظيم، إخواني في الله، أنه اجتمع على جميع أصناف وأطياف أهل الإيمان والإسلام، من أهل التقى والإحسان، من كان مؤمنًا، من كان مسلمًا، من كان برًا، من كان تقيًا، من كان محسنا، من كان على أعلى مراتب الإيمان، ومن كان على أدنى منازل الإسلام. فإن هذا الورد يشمل الجميع، لأن الكل -من كان في الأعلى ومن كان في الدون- الكل قد رضي بالله ربه، وبالإسلام دينًا، وبمحمد الرسول. ويقابل هذا أن من خرم -أي أنقص- واحدًا من هذه الثلاثة، فإنه خرج عن الدين كله، خرج عن الدين كله. فإن الإنسان لن ينال الفضل، ولن ينال الأجر، ولن ينال القبول من رب العباد إلا إذا حاز على الكلمات الثلاث من غير فكاك، لا بد أن تأتي بها، تأتي برضى عن الله رب، وعن الإسلام كدين، وعن نبيك محمد كرسول. فمن خرم واحدًا من هذه الثلاثة فقد خرج عن ربقة الإسلام، خرج عن ربقة الإسلام. ولهذا خرج بهذا الورد الثلاث، خرجت لنا الأصناف الأربعة، وهم أعداء الدين على شتى صورهم ومِلَلهم ونِحَلهم. خرج بهذا الذكر الملاحدة في أي زمان وفي أي مكان، كل ملحد -وهو من أنكر الصانع، من أنكر الخالق، من أنكر الرب وجودًا- فهو لم يرتض بالله ربًا، فليس من أهل الدين والملة. لأن من شرط هذه الكلمات أن ترضى بالله ربًا، فخرج الملاحدة على كل صنف من أصنافهم. وخرج بهذا الذكر أيضًا أهل الإشراك ممن أشركوا مع الله إلهًا غيره، لأن من لوازم هذه الكلمات الثلاث «رضيت بالله ربًا» أن ترضى بأن الله جل وعلا هو ربك، لا رب لك سواه، ما هناك أحد يزاحمه، ما هناك أحد يشاركه، لا صنم ولا وثن، لا شجر ولا حجر، لا قبر ولا بشر، ما هناك أحد يزاحم الله. فإن عثر ووجد أن أحدًا ما زاحم الله في ألوهيته وربوبيته، فقد خرج عن الدين والملة، فما يدخل في هذا الأثر. لأن من شروطه أن ترضى بالله ربًا، والمشركون ما رضوا بربوبية الله ولا بألوهيته. الصنف الثالث أخرج أهل الكتاب بهذا الذكر، أخرجنا أهل الكتاب، وذلك لأن أهل الكتاب وإن زاحموا على الإيمان بالله جل وعلا، لكنهم ما آمنوا برسولنا عليه الصلاة والسلام، فاليهود كفروا بمحمد، والنصارى كفروا بمحمد، وهكذا قل في سائر الملل ممن ينتسبون إلى الكتاب المقدس، كلهم اتفقوا على الكفر بمحمد، إذا خرجوا معنى الدين والملة. لأن من شروط هذه الكلمة أنك ترضى بمحمد نبيًا ورسولا، فخرج أهل الكتاب. وصنف الرابع أهل النفاق بهذا الذكر «رضيت بالله ربًا، والإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا» أخرجنا أهل النفاق من أي باب. المنافق وإن ادعى وإن ادعى أنه قد رضي بالله ربًا، وإن ادعى أنه قد رضي بالإسلام دينا، فها هو يصلي، وها هو يصوم، وها هو يذكر الله، أو أنه ادعى بإيمانه وإذعانه برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، فها هو يقولها ليل نهار: محمدًا أن محمدًا هو رسول الله. لكن أخل بقيد مهم جاء ذكره في هذا الذكر، ألا وهو الرضا، الرضا: «رضيت بالله ربًا، رضيت بالإسلام دينا، رضيت بمحمد نبيًا ورسولا». وأهل النفاق وإن شاركونا في هذه الأمور الثلاثة، لكن من غير رضًا، فهم يقولونها وقلوبهم كاذبة، كرهًا، كرهًا لله، وكرها لرسوله، وكرها للدين، كما قال ربنا عنهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، فأحبط أعمالهم. فعلمنا أن من أهمية هذه الكلمة «رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا» كما أنها شملت واحتوت على جميع من دخل في هذا الدين، من هو في الأعلى، ومن هو في الدون، فإنها بالمقابل أخرجت جميع أعداء الدين، فأخرجت الملاحدة، وأخرجت المشركين، وأخرجت أهل الكتاب، وأخرجت كذلكم أهل النفاق. لما سمعنا وقررنا سلفًا، فشاهد إخواني في الله أن هذه الكلمة من الكلمات العظيمات التي ينبغي أن يراعيها أهل الإسلام من الرجال، من المسلمين والمسلمات، لعظيم فضلها، ولما كان من أهميتها. وبقي مبحث رابع ومبحث ثالث، أعني وهو مما يتعلق بمعانيها، وهذا مما يطول ذكره، ولعل هذا في مقام آخر نتطرق إلى معاني هذه الكلمات، لأنه على قدر التأمل والتدبر في معانيها يكتسب الإنسان قوة في دينه وفي تقواه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.