الدرس في مسائل وأحكام من حديث الرضى بالله والنبي والإسلام 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع معنى الرضا بالإسلام دينا وأهمية الالتزام بأحكام الشريعة. الرضا الحقيقي بالإسلام يتطلب الاستسلام لله والالتزام بأحكامه.
الرضا بالإسلام يتطلب الفرح بأحكامه والالتزام بها، وقد أمر الله بذلك في القرآن. الكراهية لأحكام الدين من صفات أعداء الدين والمنافقين.
ينبغي للمسلم أن يعتز بدينه ويفخر به ولا يتنازل عنه، ويسأل الله الثبات على الإسلام حتى الممات. الإسلام هو دين الله الحق وما عداه باطل.
المقطع ينتهي بدعاء الله أن ينفع المستمعين ويجعلهم من أهل الهداية. الدعاء يختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا وإياكم، إخواني عباد الله، في شرح معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا». ومرت معنا المباحث السابقة في ذكر مناسباته وبذكر فضائله، وكان في درس أمس بياني مقتضى معنى «رضيت بالله ربا»، بما يكون من الرضا بالله ربا أن تعتقد أن الله جل وعلا سبحانه وتعالى هو معبودك، لا معبود لك سواه، فلا تتقرب إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل. وكان من مقتضى «رضيت بالله ربا» الرضا بقضاء الله وقدره. ونحن الآن في الفقرة الثانية من هذا الحديث: «ورضيت بالإسلام دينا». الإسلام، إخواني في الله، هي النعمة الكبرى والمنة العظمى التي حبان الله جل وعلا بها، حبان الله جل وعلا بها ليس بحولنا ولا بقوتنا، لا بحسبنا ولا بنسبنا، وإنما هو فضل محض من ربنا سبحانه وتعالى أن جعلنا من عباده المسلمين. اليوم ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، الله أتم علينا النعمة بأن رضي لنا بهذا الدين دينا نتدين به. وهذه أعظم نعمة في الوجود، أعظم نعمة في الوجود أن جعلنا الله من المسلمين. ولو أنك، يا عبد الله، حرمت كل نعمة، فلو قدر أن الله سبحانه وتعالى جعلك فقيرًا معدما أو مريضا مقعدا، ولكنك على هذا الدين، فأحمد الله ليل نهار. فوالله لو أن أحدنا شكر الله ليل نهار، في كل وقته وعمره، على هذه النعمة لما أوفى حقها لعظيم شأنها. فهذه من أعظم النعم. وإن الرضا بالإسلام دينا، إخواني في الله، يقوم على مقتضيات وعلى أمور ينبغي التأمل والتنبه لها حتى يظهر هذا كبرهان بأنك قد رضيت بهذا الدين دينا. ومن أعظم براهين الرضا بالإسلام دينا ما يكون، يا عبد الله، من التزامك بأحكامه، إذ أن الإسلام عبارة عن دين متكامل حواه الله وحباه الله بعبادات وطاعات، وبسلوك ومعاملات، بأوامر ونواهي. فكيف أنت معها؟ فعلى قدر تمسكك بأحكام الشريعة يكون فيها بيان إلى أنك رضيت بهذا الإسلام كدين. ليس حالنا كحال بعض من المسلمين، لربما نعم هو مسلم، لكن أين؟ في الأوراق الرسمية، لربما في البطاقات والهوية في خانة الديانة: مسلم. لكن أين الإسلام في واقعه؟ لا شيء. لربما كان لأهل الكتاب واليهود والنصارى أقرب من أهل الإسلام، لما كان من بعده من تحليه بهذا الدين القويم. ولهذا قال العلماء: ربنا جل وعلا سمى هذا الدين بالإسلام، وفيه شبه بكلمة الاستسلام، لأن هذا الدين حقيقة يقوم على أنك تستسلم لله، تستسلم لله في كل أمورك وفي كل شؤونك، حالك مستسلم. وقد مر معنا معنى عبارة السلف رحمهم الله تعالى، حيث قالوا: «لا تقوم قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام». على قدر استسلامك لهذا الدين يثبت قدمك في الإسلام، يثبت قدمك إذا كنت مسارعا إلى طاعاته وإلى واجباته وإلى أحكامه، مبتعدا عن زواجره ونواهيه، فأنت المسلم الحقيقي. ويظهر ذلك كما قلنا في تعاملك مع أحكام الشريعة، وهذا في كل الأحوال، سواء كانت النفس قادرة أو لم تكن قادرة، فإنك تلزمها ولابد. فها هي أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي الأركان الأربع: الصلاة والزكاة والصيام والحج، هذه أعظم مباني الإسلام. فكيف أنت معها؟ وعلى ذلكم كذلك تنطلق الأحكام على باقي الشرائع. فالإنسان ينبغي أن يصبر نفسه على هذه الطاعات حتى يظهر مدى استسلامه للدين. النفس لربما قد تتكاسل عن الصلاة، تلزمها. لربما تبخل في إخراج الزكاة، تلزمها. وهكذا لا يزال حالك. فعلى قدر ما يكون من استسلامك لله يكون رضاك بهذا الإسلام دينا. هذا الأمر الأول: الالتزام بأحكامه. الأمر الثاني: الفرح به. فإن من تمام الرضا بالإسلام دينا أن تفرح بهذا الدين، أن تفرح بهذه النعمة، كما قلنا هي نعمة. كيف أنت، يا عبد الله، مع النعم؟ لو أن الله رزقك بولد بعد طول زمان من عدم الإنجاب، كيف تفكر؟ فرحتك لو رزقك الله مالا أو عقارا أو رزقا من الأرزاق، كيف تواجه هذه النعمة بالفرح وانشراح الصدر؟ فكيف إذن أنت مع هذه النعمة العظيمة التي ما هناك نعمة تضاهيها ولا توازيها؟ هابد أن تفرح. وهذا مما أمر الله جل وعلا به، قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، قل بفضل الله وبرحمته فسرت الرحمة هنا الدين، دين الله هي رحمته، لأن الدين كله قائم على الرحمة، دين الله قائم على الرحمة. فوصف ربنا دينه بالرحمة. ما حكمنا كيف تعاملنا مع هذه الرحمة؟ قال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، تفرح، ينشأ فرح الصدر، يثرج القلب عندما ترى أنك لازلت تتقلب في هذه النعمة. واحذر، يا عبد الله، وأنت في هذا الدين، وأنت تتحلى بصفات أعمال أهل الإسلام، ويظهر عليك خلاف الفرح، ما يكون من الكره والمقت والتسخط، هذا لا يجوز، بل هذا من صفات أعداء الدين، من أهل النفاق، من أهل الشقاق. قال ربنا حاكيا وواصفا إياهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، كرهوا ما أنزل الله. نعم، المنافق كان في العهد المدني مع سائر المسلمين، يصلي مع صلاتهم، يخرج مع خروجهم، لكن في الداخل كاره، عنده بغض، بغض لأحكام الدين. ما يغني الإسلام شيئا، هذا ليس من الرضا بالإسلام دين أصلاً، لأن لو كان الأمر بيدك لألغيت الدين. وهذا للأسف يوجد من بعض المسلمين من ضعافهم، لربما من يمتثل بعض شعائر الإسلام وهو يجد من قلبه الكره وعدم الرضا بهذه الأحكام. لربما إذا صلى كان فيما بينه وبين نفسه: ياريت أن الله ما فرض علينا الصلاة. وإذا قرب رمضان وذكر بشهر الصيام، قال في نفسه: إيش من شريعة هذه أتعبتنا؟ وإذا جاء من يذكره بوجوب إخراج الزكاة، كاد أن يلمز الزكاة بأنها قرصنة على الأموال، وأنها أخذ أموال بغي وجه حق، يعطى فلان وفلان من المساكين، وإيش عليه بالمساكين هؤلاء؟ وهذا مال قد تعبت فيه ليلة نهار. لكن ما يصرح، قلبه ينبض بالكره والسخط لأحكام الدين. أو تلكم المرأة لربما تخرج مع جماعات النساء وهي بجلبابها وحجابها، وهي في قلبها كارهة لهذه الثياب التي غطت بدنها، وكم تود أن تتحرر لولا العيب والعار في هذه البلاد، وهي يتكلم الناس عنها. هذا كله كره، هذا ليس من الدين، هذا ليس من الرضا بالإسلام دين. من تمام الرضا بالإسلام دين ما يكون من الفرح بأحكامه، كلما رأيت أن الله ألزمك بشريعة تأتي هذه شريعة تلتزم بها مع الفرح بها، وتلزم نفسك بهذا المقام، مقام عظيم. ومما يتفرع من باب الفرح: الإعظام والإجلال والتقدير والتوقير لمسائل الدين، كما قال ربنا: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، فلا يظهر منك الاستخفاف أو الاستهزاء. «قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا، قد كفرتم». كفر إذا أظهرت عدم الإعظام والإجلال، وأظهرت الاستهزاء والاستهتار بدين الإسلام، فأنت كافر. رضا بالإسلام دين يوجب عليك الفرح، ويوجب عليك الإعظام وعدم الاستهزاء. «قل أبالله وآياته الآيات الكونية والآيات الشرعية ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم». فإن هذا مما يحتم عليه ديننا، وأننا رضينا بالإسلام دين، ما يكون من الإجلال والإعظام والفرح والسرور بأحكامه وشرائعه. ثالثا، مما يقضيه هذا المبدأ، مبدأ الرضا بالإسلام دين، ما يكون من الاعتزاز بهذا الدين، نعتز به، نفتخر به. إن كان من أمر عباد الله، إخواني في الله، إن كان من أمر به نعتز به على غيرنا، ونرفع به هامات رؤوسنا على من سوانا. والله ما نجد شيئا بمثل ديننا هذا الذي تميزنا به، وهذا الذي نفتخر به على غيرنا. نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. ما من عزة لا نرتفع على غيرنا بكثرة أعدادنا، ولا بقوتنا، ولا بحسبنا، ولا بعرقنا، وإنما نعتز على غيرنا بالإسلام. «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون». يذكرها على سبيل الفخر، وأن الله من علينا بالإسلام دونكم. كفاكم قبحا أنكم على غير ملة الإسلام. فالإنسان ينبغي، إخواني في الله، أن يعتز بهذا الدين، لا يكون حالنا كحال بعض المسلمين من الإنهزاميين، وخاصة ونحن في هذه الأزمان التي شعلت الحرب على الإسلام وأهله، شوهت معالمه، وضرب بمعاول الثقافة والفكر والتشكيك، ووضع الملابسات على هذا الدين، حتى أصبح المسلم لا يستطيع أن يفتخر بدينه. إنهزامية، إنهزامية، حتى أصبح البعض يحاول أن يخفي هويته أنه مسلم، هويته أنه مسلم، يحاول يخفيها ولا يظهرها. بل أصبح حتى يذلل نفسه وغيره بأنه ودين الغير سواء، لا، لا والله ليس بسواء، يا عبد الله. كما يسميه بحوار الأديان أو توحيد الأديان، بأن الإسلام هو كغير باقي الأديان، لا، يا عبد الله، ليس له سواء. الإسلام هو دين الله، ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وما عداه من الأديان ففي النار، ففي النار. كيف بعد ذلك ترضى بالدنية في دينك، يا عبد الله؟ وتجد أن الإسلام هو سواسي بغيره؟ ولهذا من باب المفاخر والاعتزاز بهذا الدين أن تسأل ربك دائما وأبدا أن تلقاه على هذه الملة. «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون»، احرص، احرص يا عبد الله، على أن تموت مسلما، لا تفرط بدينك، ولا قيد أنملة، ولو حتى مقدار شعرة، أن تتنازل على دينك أو تتنازل عن عقيدتك أو تتنازل عن هويتك. بل افتخر واعتز في كل زمان ومكان، واشهد بأننا مسلمون، ولو قالوا عننا رجعيين، ولو قالوا عننا إرهابيين، ولو قالوا عننا خلفيين، ولو قالوا عننا أننا من الجلس الثالث أو الرابع أو أننا في الحضيض، ما نبالي، هذه أحكامهم الدنيوية. لكن بيننا وبينهم الله يوم القيامة. ستجد، يا عبد الله، يا مسلم، بماذا ميز الله أهل الإسلام، وميزة أهل الإسلام جعلها الله في الدنيا والآخرة، وليس المقام مقام سردها ولا ذكرها. ولهذا أكثر، يا عبد الله، سؤال الله جل وعلا في أن يميتك على هذا الدين. فكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم يا ودي الإسلام وأهله، ثبتني على هذا الدين حتى ألقاك»، «اللهم يا ودي الإسلام وأهله، ثبتني»، وفي لفظة: «مسكني بهذا الدين حتى ألقاك». فإن هذا مما يبرهن به الرضا بالإسلام دين. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.