الدرس في شرح كتاب التوحيد 230، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش هذا الفصل تحريم قول "ما شاء الله وشاء فلان" ويبين البديل الشرعي وهو قول "ما شاء الله ثم شاء فلان". يشرح أهمية هذا التعديل في تفادي الشرك في المشيئة.
يشرح هذا الفصل تحريم المشاركة في المشيئة بين الله تعالى وغيره، ويبين كيفية تفادي هذا المحرم باستخدام العبارة الصحيحة. يستخرج فوائد الحديث حول التأدب في الألفاظ والعناية بمقام التوحيد.
يؤكد هذا الفصل على أهمية تقديم البديل عند منع الناس من شيء ما، مشيرًا إلى تغيير العبارة المشتركة إلى الصيغة الصحيحة كأسلوب تربوي إيجابي.
يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن الاحترام والتواضع لله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان»، رواه أبو داود بإسناد صحيح. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو لا زال يعدد لنا الصور والمظاهر والمقالات التي يكون فيها التنديد لغير الله، لهذا بواب على هذا الباب قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾. ومن صور التنديد أن تجعل الله ندًا، كما يكون في هذه العبارة. وما رواه أبو داود بإسناد صحيح، وهذا الحديث قد صححه جماعة من أهل العلم، كما ذكر ذلك صاحب النهج السديد، وهكذا الإمام الألباني، كما في «الصحيحة». وهو أن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان». وهذا الحديث، والذي في مطوعه يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تقولوا»، إشارة إلى المنع، وهذه من أساليب الحضر، «لا تقولوا»، «لا تفعلوا»، وهي من صور التحريم. فما سيأتي بيانه من الأمور المحرمة أن يقترفها مسلم أو مسلمة، وما يبوّب عليه مثلًا، ونجد هذا من تعابير بعض العلماء على هذا الحديث «باب ما جاء في الكراهة»، فيحمل هنا الكراهة على الكراهة التحريمية، لأن الكراهة على قسمين: كراهة تنزيهية، وكراهة تحريمية، والكراهة التحريمية حكمها الحرام، كهذا الحديث «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان». فما يعبر عنه بعض العلماء ها هنا بأنه من الكراهة، أي الكراهة المحرمة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان»، وهذا المنع لأنه نوع من أنواع التشريك، لهذا عد العلماء - كما سيأتي معنا في باب مستقل - أن هذه المقالة من صور الشرك، لأن فيها التشريك، شاركت الله بغيره، إذ أن الواو هنا «ما شاء الله وشاء فلان»، الواو تستخدم لمطلق الجمع، ففيها عطف ما قبل الواو بما بعده، أي مشاركة المعطوف على المعطوف عليه في الحكم، فهما في الحكم السواء. فلما تقول «ما شاء الله وشاء فلان»، أي أنك جعلت مشيئة فلان كمشيئة الله، وهذه العبارة يدخل فيها هذه المسألة، لا تقول «ما شاء الله وشاء فلان»، أو تقول اختصارًا «ما شاء الله وفلان»، فالمعنى واحد، كل ذلك منهي عنه، ويدخل في باب التشريك، ويعد هذا من باب الشرك. لماذا الشرك؟ لأنك شاركت مع الله غيره في باب المشيئة، فالله سبحانه وتعالى له المشيئة، وهكذا العبد له مشيئة، لكن مشيئة الله كاملة، ومشيئة العبد ناقصة قاصرة، مشيئة الله سبحانه وتعالى هي الأصل، ومشيئة العبد هي تبع، كما قال سبحانه: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾، فأثبت ربنا جل وعلا مشيئة للعباد، لكن أخبر سبحانه أن مشيئة العباد ناقصة، وما هي إلا تابعة لمشيئته. فكيف بعد ذلك يأتي من يأتي ويجعل مشيئة الله هي موازية لمشيئة خلقه وعباده؟ وهنا أصبح نوع من أنواع التشريك أن تقول «ما شاء الله وشاء فلان». ولهذا قال العلماء: الشرك هنا قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر، أو قد يصل صاحبه إلى الشرك الأصغر، فإن كانت هذه العبارة خرجت من اللسان فهي من الشرك الأصغر، وإن خرجت عن اعتقاد فهي من الشرك الأكبر. طيب ما الذي المطلوب لكي نتفادى هذا المحرم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقول ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم فلان»، أي تستخدم طريقة أخرى فيها التباعد بين المشيئتين، فيها الترتيب بين المشيئتين، وهذا مكمون حاصل في كلمة «ثم»، لأن «ثم» حرف يفيد التراخي مع التعقيب. فلما تقول «ما شاء الله ثم شاء فلان»، أبنت على أن مشيئة الله هي الأصل، وعلى أن مشيئة العبد تبع، وعلى أن مشيئة العبد تعقب مشيئة الله وتكون بعده، فكان الوفاء بالغرض باستخدام هذا الحرف من أحرف اللغة، فكان كافيًا أن تبتعد - يا عبد الله - من المحذور. فعليك أن تقول «ما شاء الله ثم فلان»، أو تقول «ما شاء الله ثم شاء فلان»، فإن فعلت ذلك كنت - يا عبد الله - في سلامة من أمرك. ويكون الحديث حينها تحت باب المستقل الذي أعده المؤلف رحمه الله تعالى لهذه العبارة، ويكون تحتها مسائل. وبهذا نختم هذا المقام ببعض الفوائد المستفادة من هذا الحديث، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقول ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان». من فوائد هذا الحديث أولًا: فيه بيان مدى حرص الإسلام على أن تتأدب - يا عبد الله - في ألفاظك، الألفاظ ينبغي أن تراعيها عندما تتحدث، عندما تتكلم ينبغي أن تتأدب. بعض الناس لو ربما حجته أن يلقي الكلام على عواهنه تحت مبرر أن هذا ليس في نيته، كما نسمع من بعض الناس تقول: يا أخي اتقل لهذا ما يجوز، يا الله أنا ما قصدي كذا، وأنا ما قصدي كذا، دعك من قصدك، دعك مما عنيت، دعك من إرادة القلب، هذا أمر آخر، نتكلم عما بدى من لسانك. أما تدري أن الله جل وعلا يحاسبك على كل لفظة؟ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، كل لفظة ما تتلفظ بها يحاسبك الله على ألفاظك، بغض النظر عما تكون في صدرك، لأن مكمن الصدر له حكم آخر. فهنا نهى نبينا - بغض النظر عن النية والاعتقاد - «لا تقول»، «لا تقول»، فدل على أن المسلم ينبغي أن يتأدب في حواره وفي خطابه، وخاصة إذا كان في مقام الدين، وفي ألفاظ الشريعة. الفائدة الثانية مستفادة من هذا الحديث «لا تقول ما شاء الله وشاء فلان»، فيه بيان مدى حرص الإسلام على العناية بمقام التوحيد، وذلك أن الشرع سد كل باب يوصل إلى ما فيه النقصان والخلل لمعالم التوحيد الكاملة والواجبة، جاء الشرع بمنعه وصده والتحذير منه، حتى يبقى توحيدك كاملًا مكملًا تلقى الله جل وعلا به. وبهذا نعلم - إخواني في الله - أن مما ينبغي أن تندفع له الآمال والأموال والقلوب والصدور، والتعلم لمعالم التوحيد، حتى لا نقع في خطأ، نقع في زلل، شعرنا بهذا أو لم نشعر. فإن هذا الحديث «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان»، فيه العناية بمقام التوحيد ولو في الألفاظ. ثالثًا وختامًا من فوائد هذا الحديث «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان»، فيه بيان على أن الإنسان إذا منع عن الناس شيئًا ينبغي أن يفتح لهم بابًا من الأبواب التي فيها العوض، التي فيها العوض. وهذه مسألة تربوية، أحيانًا تجد أن من الناس من يأتي ويخرج على الخلق ويقول: هذا لا يجوز، وهذا حرام، وهذا ما ينبغي، طيب أنت قمت الآن بالأمر الذي ترى أنك قد بلغت الدين، ألا وهو المنع والزجر والتحذير، طيب ما البديل؟ ما البديل؟ فينبغي الإنسان - إخواني - عندما يمنع عن الناس شيئًا ينبغي أن يأتي لهم بالبديل الذي به فيه النفع لهم والعوض عما هذا الذي فعلوه، لربما الواحد منا لربما أخذ فترة من الزمن، أخذ شيء من العمر على فعل شيء مما لا يرضي الله عز وجل، لماذا فعل ذاك؟ لأنه الذي يرى أمامه. فعندما أنت تسلب هذا الشيء من أمامه، إذن ما البديل؟ سيبقى لو تركته بلا شيء، سيبقى فترة وسيعود وسيعود، أن الشرع إذا منع عن الناس شيء فتح لهم بابًا آخر يخاطره، كهذا الحديث، عندما منعوا «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان»، ما قلنا نقول ماذا قال؟ «ولكن قولوا»، أتى بالبديل، أتى بالبديل «ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان»، فهذه مسألة تربوية دعوية. عندما تغلق على الناس بابًا، ابحث - يا عبد الله - عن الباب البديل الذي به ينتفعون، وأنت تنتفع لأنك دللتهم على الخير، أما علمت بقصة ذاك الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا؟ في آخر المطاف عندما أمره ذلك العالم قال: «أخرج من قريتك، إنها قرية سوء»، طيب هل ترك إذا خرج من هذه القرية سيعود إلى قرية أخرى أو ما وجد أحد سيعود إليها؟ قال: «واذهب إلى القرية الفلانية، فإن بها قوم يعبدون الله»، أتى له بالبديل. فأنت عندما مثلًا في هذا المقام، على هذا المثال، عندما تمنع فلان من الناس لا تماشي فلان، لا تجالس فلان، لا تصاحب فلان، هذه علاقة محرمة، هذه علاقة ما تجوز، طب أين البديل؟ لو تركته على هذا الحال لربما رجع إلى ما كان عليه، لكن أتي له بالبديل، وهو أنك تفتح له مجالًا، أنك تمكن نفسك أن تكون أنت البديل، قل: تعال، خاصة أنا سأغطي، تعال معي، أنا عندي دروس، أنا عندي كذا، أنا يماشيك، أو تدل على أهل الخير، أهل الصالح هناك، أنت شيء من قرية، قلت فلان عندك فلان وفلان وفلان، طيب ماشيهم، تدل على أبواب الخير، وهكذا. قس في باب التربية، ينبغي المسلم أنه لا يكتفي بالأمر الأول، ألا وهو المنع، حتى يستكمله بالباب الآخر، وهو أن يأتي بالبديل إن كان ذلك بالإمكان، ولله الحمد ما ضيق الله علينا، أبواب الخير كثيرة. هذا ما أذكر في هذا المقام من مسائل وأحكام، وكما أشرت - حفظكم الله - فإن هذا الحديث وأمثاله سيأتي له باب خاص يتعلق بمسألة المشيئة وما يتعلق بأقوال العلماء فيها، يرجى الكلام في حينه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.