الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 80، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المؤلف غرض الباب في إثبات وقوع الشرك في هذه الأمة والرد على من يزعمون انتفاءه بعد عهد النبوة. يستدل بأحاديث مشروطة بالإخلاص وبموقف قريش الرافض لكلمة التوحيد لعلمهم بلزوم إفراد الله بالعبادة.
يوضح الشيخ ابن عثيمين أن حديث يأس الشيطان مجمل يُرد إلى المفصل من الآيات الدالة على أن دعاء غير الله شرك. يأس الشيطان كان في عهد النبي والصحابة لقوة التوحيد ولا ينفي وقوع الشرك لاحقًا، كما أنه مختص بالمصلين الحقيقيين.
يستعرض المقطع أدلة من الكتاب والسنة والواقع التاريخي على وقوع الشرك والردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. يرد على شبهة القبريين بحديث يأس الشيطان بتفسيرات لغوية وشرعية، مستشهداً بقتال الصحابة للمرتدين وظهور مدعي النبوة.
يذكر المقطع أن العلماء ألفوا في نواقض الإسلام كدعاء غير الله وسب الله ورسوله. يورد المؤلف هذا الباب للرد على شبهة معينة مستدلاً بالكتاب والسنة، على أن يستكمل الأدلة في الدرس القادم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن وآله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. مناسبة هذا الباب لما قبله من الأبواب أمران اثنان: الأمر الأول: ليبين أن الشرك الذي حذر منه في الأبواب السابقة أنه واقع في هذه الأمة، واقع في هذه الأمة، وليس كل من قال لا إله إلا الله فهو موحد، فقد يقولها بلسانه وتخالفه أفعاله. هذا أمر. الأمر الآخر: يريد أن يرد على عباد القبور الذين يزعمون أن الشرك في هذه الأمة قد انتهى من عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يقع الشرك في هذه الأمة. هذه شبهة كثيرًا ما يدندنون حولها منذ زمن المؤلف إلى يومنا هذا، ويستدلون بأدلة عامة، منها ما جاء في بعض الأحاديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة». قالوا: نحن نقول لا إله الله، فكل من قال لا إله إلا الله لا يقع منه الشرك. ومن أدلتهم على هذه الشبهة ما جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم». فقالوا: إذن كون الشيطان يأس، إذن لا يقع الشرك، خلاص يأس الشيطان، واليأس بمعنى القنوط وكذلك ذهاب الأمل في أن يعبد أحد من هذه الأمة غير الله. هذه هي من أقوى شبههم على هذا الأمر، أن الشرك لا يقع في هذه الأمة. فأراد المؤلف بهذا الباب أن يبين أن الشرك واقع في هذه الأمة بأدلة شرعية وأدلة محسوسة كونية. وأما الجواب على قولهم: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، ففي كثير من الأحاديث مقيد هذا القول بالإخلاص، أو بابتغاء وجه الله، أو بالعلم، أو نحو ذلك من شروط لا إله إلا الله. «من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه»، إذن لو قال لا إله إلا الله وفقد الإخلاص هل يكون موحدًا؟ لا يكون موحدًا. وهكذا في بعض الأحاديث: «ابتغاء مرضات الله» أو «ابتغاء وجه الله». «من قال لا إله إلا الله ابتغاء مرضات الله أو ابتغاء وجه الله»، أي بمعنى الإخلاص. بل القرآن يرد عليهم: كفار قريش لما قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ﴾. أبوا أن يقولوا هذه الكلمة، لماذا؟ لأنهم هم أهل البلاغة وهم أهل الفصاحة، فيعلمون أن من قال لا إله إلا الله يلزمه أن لا يعبد إلا الله وحده. فلو قالوا لا إله إلا الله، معنى ذلك أنهم يتركون عبادة اللات والعزة ومنات الثالثة الأولى، وكذلك هبل وغيرها ممن يعبدون من دون الله. فدل ذلك على أن من قال لا إله إلا الله يلزمه أن يفرد الله عز وجل بالعبادة، فإذا لم يفرد الله عز وجل بالعبادة فإنه يقع في الشرك لا محالة، وإن قالها مليون مرة، قال مليون مرة لا إله إلا الله ولم يعمل بمقتضاها فليس بموحد. وأما الرد على ما يستدلون به من حديث جابر، فقد ذكر الشيخ ابن عثيمين أوجهًا عدة. فالرد على الاستدلال بهذا الحديث: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب»، فمن تلك الأدلة: أولًا: الدليل العام المجمل، وهذا قلنا في كل شبهة أن يقال: هذا الحديث مجمل، فيرد إلى الأدلة المفصلة، يرد إلى المفصل. فمن المفصل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾. فسماه الله شركًا، فمن دعا غير الله فقد أشرك. كيف تقولون لا يقع الشرك في هذه الأمة؟ وفي الواقع المشاهد من يدعو غير الله، ومن يذبح لغير الله، ماذا نسميهم؟ هؤلاء نسميهم موحدين؟ وقد سماهم الله مشركين. هذا الرد المجمل. وأما الرد المفصل على عيني هذا الدليل، فأجاب الشيخ ابن عثيمين بعدة أوجه، وعدة أوجه: الوجه الأول: قال: إن الإخبار بيأسه لا يدل على عدم الوقوع. يعني: هل الله عز وجل أخبر أن الشيطان لا يوقع الشرك في الأمة، أو أن هذا اليأس إنما وقع من الشيطان؟ والشيطان هل يعلم الغيب؟ ما يعلم الغيب الشيطان. الشيطان ما يعلم الغيب، فهو يأس في زمانه أو في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لما رأى من انتشار التوحيد ومن رسوخ التوحيد في قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فلما رأى قوة الإسلام والتوحيد ودخول الناس في دين الله أفواجًا، يأس في نفسه في ذاك الزمان. فهل معنى ذلك أن الشرك ما يقع بعد عصر الصحابة؟ أن الشيطان ما يعلم الغيب؟ الشيطان لا يعلم الغيب. وهذا الحديث وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾، اليوم بمعنى في عهد الصحابة، لما رأى المشركون انتشار الإسلام ودخول الناس فيه أفواجًا وقوة إيمان المؤمنين، أصابهم اليأس. لكن الكفار بعدهم، لما ضعف الإسلام، أليس سعى هؤلاء الكفار والمشركون في خلخلة صفوف المسلمين وفي محاربة أهل الإسلام؟ فإذن الآية مثل الحديث: «اليوم يأس الذين كفروا من دينكم» في ذاك الزمان، والشيطان يأس أن يعبد المصلون في جزيرة العرب في ذاك الزمان، في زمن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. هذا وجه. الوجه الثاني: قال: أيس من المصلين، ولم يأس من غير المصلين. والمصلي هو الموحد. وأضاف بعضهم: أيس، أي: لمن أقام الصلاة على حقيقتها لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. أما من لم يعتني بأمر الصلاة فيقصر في أدائها في جماعة مثلًا، أو يقصر في أدائها في وقتها، أو بالإخلال بشروطها أو أركانها، فهذا لم يأتِ بالصلاة على حقيقتها. فهنا الشيطان لم يأس من أمثال هؤلاء المصلين الذين لم يؤدوا الصلاة على حقيقتها، وإنما أيس من المصلين الذين أقاموا هذه الصلاة على حقيقتها، وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. هذا وجه آخر. ووجه ثالث: يقال أن هذا الفهم من الحديث يخالف كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، كما سيأتي معنا. فقد ورد من أدلة الكتاب والسنة، إضافة إلى ما ورد في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ما يدل على وقوع الشرك بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي من أدلة المؤلف شيئًا من ذلك أو شيئًا من ذلك. ومما يرد هذه الشبهة أيضًا مما ذكره الشيخ العثيمين: أن الصحابة قاتلوا المرتدين في الجزيرة لأجل شركهم. أي أن الواقع يدل على وقوع الشرك بعد ذهاب شيء من عهد الصحابة رضي الله تعالى عنه. فالمرتدون قد كفروا وأشركوا بالله عز وجل، إذن وقع الشرك أو لم يقع؟ وقع الشرك. والفقهاء في كتبهم يبوّبون في كتب الفقه أبوابًا في الردة، أبوابًا في الردة، معنى أن الردة في هذه الأمة تقع. كم نسمع من مؤمن ارتد عن دينه، كان مسلمًا فصار مشركًا؟ إذن الواقع المشاهد يدل على كذب هذه الشبهة، على كذب هذه الشبهة. ومما ذكر: أن هذا ما وقع في قلب الشيطان وهو لم يترك العمل على إغواء بني آدم، يأس لكنه لم يأس من العمل وكذلك الإغواء، إغواء بني آدم، وإنما يأس في نفسه، يأس في نفسه في ذاك الزمان، في ذاك الزمان. ومن هذه الأوجه التي ذكرها غير الشيخ ابن عثيمين: فالرد على شبهة هذا الحديث أن الألف واللام في قوله «المصلون» تدل على العموم، أي: أيس، يكون المعنى: أيس الشيطان أن يجتمع، أن يجتمع المصلون على عبادته. يعني: أن يجتمع كل الناس في جزيرة العرب على عبادته، يعني ما يبقى موحد، لأن الألف واللام تدل على العموم. فيكون معنى الحديث: أن الشيطان أيس أن يعبده جميع المصلين، أن يعبد غير الله جميع المصلين، ولا ينفي ذلك أن بعض المصلين يقع في الشرك، يقع في الشرك. هذا بعضهم أجاب بهذا. وجواب آخر أيضًا، بعضهم ذكره في قوله «المصلون»: أن أل للعهد، أن أل للعهد، يعني: خاصة ببعض المصلين. من هم هؤلاء المصلون؟ الصحابة. يعني: أيس الشيطان أن يعبده الصحابة، لكن بعد الصحابة ما يأس الشيطان. فيكون أل ليس لكل مصلي، وإنما هم الصحابة خاصة. وهذا بمعنى قول ابن عثيمين فيما تقدم أنه ليس من المصلين كلهم، وإنما من بعضهم، كما مر معنا، وممن لم يقم الصلاة كما ينبغي على حقيقتها. هذه مجموعة من الأجوبة الخاصة على شبهة هذه المقولة التي يرددها عباد القبور ويستدلون عليها بمثل هذا الحديث، بمثل هذا الحديث. طيب، كذلك كما ذكرنا أن هذه الشبهة، كما أن الأدلة تردها، كذلك الواقع يردها، الواقع يردها. فمثلا من الواقع على سبيل المثال: أجمع العلماء أن من اعتقد أن نبيًا يأتي بعد نبينا محمد فقد كفر. فكم من من ادعى النبوة بعد عهد الصحابة، بل وفي عهد الصحابة، كمسيلمة الكذاب وغيره ممن ادعى النبوة، ممن ادعى النبوة. وهكذا ما وقع من الخوارج، وبعض الفرق التي غلت في علي رضي الله تعالى عنه، فحرقهم علي وقتلهم. ثم أيضًا ما وقع بعد العهد المفضلة من الشرك الصراح. فكل هذه الوقائع تدل على أن الشرك واقع في هذه الأمة، واقع في هذه الأمة. فكل من أتى بناقض من نواقض الإسلام فقد خرج من الإسلام. ولذلك ألف العلماء في نواقض الإسلام أشياء، أشياء التي ينتقض بها الإسلام، ومنها: دعا غير الله، ومنها كذلك: سب الله وسب رسوله صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما ورد بهذا المعنى. فإذن المؤلف أتى بهذا الباب من أجل أن يرد على هذه الشبهة، فذكر من الأدلة من الكتاب والسنة ما يردها. وندخل في هذه الأدلة إن شاء الله في الدرس القادم. نكتفي بهذا إلى هنا، والله تعالى.