التعليق على تقريب التدمرية 75

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 75، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الإيمان بمرتبة العلم في القدر

الإيمان بأن الله تعالى يعلم كل شيء أزلا وأبدا، ويشمل علمه كل شيء صغيرا كان أو كبيرا. يستدل على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

تفاصيل مرتبة العلم وموقف القدرية منها

الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء بما في ذلك ما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. القدرية أنكروا هذه المرتبة وكفروا بسبب ذلك.

المرتبة الثانية من مراتب القدر: الكتابة

الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ قبل أن يكون. الكتابة تمت قبل خلق السماوات والأرض.

تفصيل مراتب الكتابة في القدر

ذكر أربعة أقلام للكتابة في القدر وهي: كتابة المقادير العامة، كتابة مقادير بني آدم، الكتابة للجنين في بطن أمه، و كتابة الملكين لأفعال الإنسان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال مؤلف كتابنا رحمه الله تعالى: وللإيمان بالقدر مراتب أربع، المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى قد علم بعلمه الأزلي الأبدي ما كان وما يكون من صغير وكبير، وظاهر وباطن، مما يكون من أفعاله أو أفعال مخلوقاته. ذكر المؤلف رحمه الله مراتب القدر الأربع، فذكر أول هذه المراتب وهي مرتبة العلم، ومعناها كما قال رحمه الله: الإيمان بأن الله تعالى قد علم بعلمه الأزلي الأبدي ما كان وما يكون من صغير وكبير، وظاهر وباطن، مما يكون من أفعاله أو أفعال مخلوقاته. هذا معنى الإيمان بمرتبة العلم، أن تؤمن بعلم الله جل وعلا الأزلي الأبدي، وأنه سبحانه وتعالى قد علم أزلا وأبدا ما كان وما يكون في ملكوته جل وعلا، وما كان ذلك إلا وفق علمه جل وعلا، صغيرا كان أو كبيرا، ظاهرا أو باطنا، فعلا له جل وعلا أو فعلا لمخلوقاته. فلا يخرج شيء عن علم الله جل وعلا، لا يمكن أن يقع شيء في ملكوت الله جل وعلا لم يعلم به الله، بل علمه سبحانه وتعالى بكل شيء، إن الله بكل شيء عليم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فلا يعزب عنه مثقال ذرة، وذلك لإحاطة علمه جل وعلا بكل شيء، فما من حادث إلا وهو بعلم الله، أي أن الله جل وعلا قد علمه أزلا وأنه سيقع، وقد كتبه جل وعلا وأمر بكتابته، ولما حدث حدث بمشيئته سبحانه وتعالى. فهذا معنى الإيمان بمرتبة العلم. وأدلة مرتبة العلم كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قد ذكر هنا المؤلف رحمه الله تعالى أدلة المرتبتين: مرتبة العلم ومرتبة الكتابة. فذكر هنا أدلة من أدلة مرتبة العلم، قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، فهذه الآية فيها دليل علم الله جل وعلا الأزلي، وفيها كذلك كتابته لهذا العلم. وهذه الآية التي بعدها: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، فهاتان الآيتان فيهما ذكر علم الله جل وعلا، وكتابته جل وعلا لهذا العلم، وأمره جل وعلا بكتابة هذا العلم. وهكذا في كتاب الله جل وعلا قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، كما قال جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، فلا يظهر على غيبه أحدا. وهكذا قال جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾، وهكذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّ يَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، قال ذلك للملائكة سبحانه وتعالى. وهكذا قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، قال سبحانه وتعالى ذلك: ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، والآيات في بيان علمه سبحانه وتعالى كثيرة في كتابه جل وعلا. وهكذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم، قوله عليه الصلاة والسلام: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»، قال: «وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، وهذا فيه دليل لمرتبة الكتابة، وأن الله جل وعلا قد كتب مقادير الخلائق. فأعمال الخلائق علمها الله جل وعلا، وأعمالهم قد كتبت، وكل ما يحدث في ملكوت الله جل وعلا فهو بعلمه جل وعلا السابق، وأيضا بكتابته جل وعلا، وأنه قد كتبه سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا كتب مقادير الخلائق، وهذا الحديث في بيان مرتبة الكتابة وكتابة المقادير. وهذا في السنة، في بيان مرتبة العلم، قوله عليه الصلاة والسلام كما في البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، لما سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن أطفال المشركين، قال: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»، الله أعلم بما كانوا عاملين، أي علم الله جل وعلا بهؤلاء ماذا يفعلون إذا كبروا، أي أطفال المشركين. فهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، إذا كبر أطفال المشركين، هل سيقبلون رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، سيدخلون في دين الإسلام أم أنهم لا يفعلون ذلك، فهذا علمه عند الله جل وعلا. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»، فالعلم إنما هو لله جل وعلا، بأنه سبحانه وتعالى علم ما العباد عاملون، علم ما العباد عاملون من مخرج أو شر، وذلك لأن هذا من العلم الذي لم يطلع عليه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. وهكذا في الصحيحين، في حديث عمر رضي الله تعالى عنه، لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْلَمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نَعَمْ»، قال عمر: «فَفِيمَ الْعَمَلُ؟»، قال: «كُلُّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، فالله جل وعلا علم أهل الجنة من أهل النار، لأن علمه سابق جل وعلا بهم، من سيسير في طريق الخير ويأخذ بأسباب دخول الجنة، ومن سيأخذ بأسباب دخول النار. فعلمه سبحانه وتعالى سابق لما يختار عباده ولما يعملون، وذلك لإحاطة علمه سبحانه وتعالى بكل شيء. وهكذا كذلك حديث علي في الصحيحين، لما كان نبي عليه السلام في جنازة في بقيع الغرقد، وبيده عود يمكث به، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَنْزِلَهَا فِي الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ»، فقالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟»، قال: «اعْمَلُوا كُلُّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، من كان من أهل السعادة فيسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فيسر لعمل أهل الشقاوة. ثم تلا النبي عليه الصلاة والسلام قوله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، والمعنى أن من أخذ بأسباب السعادة نعم نال ذلك بتوفيق الله جل وعلا له، أي نال السعادة والجنة، ومن أخذ بأسباب الشقاوة والعياذ بالله، فهو الذي جنى على نفسه. والله جل وعلا قد جعل أسبابا لدخول جنته، وجعل أسبابا لدخول ناره، وأمر بالأخذ بأسباب دخول الجنة، ونهى عن الأخذ بأسباب دخول النار. وعلمه جل وعلا سابق بعباده، وعلمه جل وعلا سابق بعباده، من سيأخذ بأسباب السعادة فيدخل الجنة، ومن سيأخذ بأسباب الشقاوة فيدخل النار. لأن الله جل وعلا هو الذي خلق العباد، وعلم ما يختارون وما سيختارون. فإذا فعلوا ذلك كان ذلك باختيارهم، لم يجبرهم الله سبحانه وتعالى على ذلك، وإنما سبحانه وتعالى شاء لعباده ما علم منهم أنهم يشاءونه، وخلق لهم ذلك الاختيار الذي علم أنهم سيختارونه. فالاختيار اختيار العبد، وخلق هذا الاختيار هو لله سبحانه وتعالى، واختيار العبد علم الله جل وعلا سابق به، علم الله جل وعلا سابق به، وذلك لتمام ربوبيته سبحانه وتعالى بعباده، أن يكون قد علم ما سيختارون وماذا سيفعلون، ورتب سبحانه وتعالى الجزاء لمن عمل صالحا، والجزاء لمن عمل سيئا. وهذا من النصوص الدالة على علم الله جل وعلا السابق بعباده، كما في حديث علي رضي الله تعالى عنه في الصحيحين. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذلك مرتبة الكتابة. إذن نخرج من مرتبة العلم بهذا التعريف، أن الله جل وعلا علم في الأزل ما العباد فاعلون، علم كل شيء، علم ما كان وما يكون وما سيكون، بل وما لم يكن لو كان يعلمه جل وعلا كيف يكون. حتى لم يقدر الله جل وعلا أمورا أنها تكون، لكن لو قدر أنها تكون فهو يعلم جل وعلا كيف تكون. مثل أطفال المشركين كما سمعتم، ماتوا وهم صغار، لكن إذا كبروا هل سيسلمون أم لا، هذا لم يقدر الله جل وعلا أنه يكون، وهو كبر أطفال المشركين، لكن لو قدر الله جل وعلا أنه يكون ويكبروا، فهو يعلم سبحانه وتعالى ماذا يكون منهم، مع أنه لم يقدر ذلك، لكن لو قدر أنه يكون فهو يعلم كيف يكون منهم. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»، يعني إذا كبروا وبلغوا سن التكليف، هل سيسلموا أم لا. وهكذا لو أعاد المشركين إلى الدنيا، فإنه يعلم جل وعلا ما سيكون الأمر منهم، وذلك قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، مع أن المشركين ما قدر الله جل وعلا أنهم يعودوا بعد انتهاء هذه الدنيا إلى هذه الدنيا، لكن لو قدر الله جل وعلا أنهم يعودون إلى الدنيا، فإن هذا الأمر لو قدره الله جل وعلا فهو يعلم كيف يكون، وكيف يكون فعل هؤلاء المشركين. وهو كما ذكر الله سبحانه وتعالى أنهم سيعودون أنهم سيعودون لما كانوا عليه، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. وهكذا المنافقون الذين لم يخرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الأمر لم يقدر الله أنه يكون، لكن لو قدر أنه يكون فهو يعلم كيف يكون. ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يحصل، ولم يقدر الله جل وعلا أنه يكون، لكن لو قدر أنه يكون فقد علم الله جل وعلا ماذا يكون منهم. ولذلك أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لو قدر هذا وجعل المنافقين يخرجون مع النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فإنه يكون منهم هذا الذي يكره الله سبحانه وتعالى من نشر الفتنة بين أوساط أهل الإيمان. وهكذا الزعزعة والقلاقل: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، أي يريدون فتنتكم. فالمراد بهذا أن مرتبة العلم هي الإيمان القاطع بأن الله جل وعلا قد علم كل شيء، ما كان وما يكون وما سيكون، بل وما لم يكن لو كان كيف يكون، أن يعلمه جل وعلا. وهذه المرتبة التي أنكرتها القدرية الغلاة، الذين ظهروا في آخر عهد الصحابة، في عهد أبي هريرة وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر. فكفروهم، كفروا هذه الطائفة التي ظهرت في البصرة، حديثهم أول حديث في صحيح الإيمان مسلم رحمه الله تعالى، قال عبد الله بن عمر: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ أَوْ لَقِيتُمُوهُمْ فَقُولُوا لَهُمْ إِنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَإِنَّهُمْ مِنِّي بُرَآءُ»، وكما تقدم معنا هذا، فكفرت هذه الطائفة، والقدرية. ولذلك يقول الشافعي رحمه الله، وهكذا عمر بن عبد العزيز: «ناظروا القدرية بالعلم، ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا». يقال لهذا القدر الذي أنكر مرتبة العلم: ماذا تقول في علم الله جل وعلا؟ هل ربنا سبحانه وتعالى علم الأشياء قبل أن تقع، أو أنه علمها بعدما تقع؟ إذا قال: إنما علمها بعدما تقع، فقد كفر، وإذا قال: أقر بأن الله سبحانه وتعالى علم بالأشياء قبل وقوعها، فيقال له: إنك إن تقر بالعلم فتخصم، خير لك من أن تجحده فتكفر، كما قال الشافعي رحمه الله تعالى، وكما قال كذلك عمر بن عبد العزيز. الغيلان الدمشقي الذي أظهر مقالة القدر ونشرها، فاستدعاه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وقال له: «يَا غَيْلَانُ مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ؟»، قال: «يُكَذَّبُ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُكَذَّبُ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ»، فقال له: «مَاذَا تَقُولُ فِي عِلْمِ اللَّهِ؟ مَاذَا تَقُولُ فِي عِلْمِ اللَّهِ؟»، فقال: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقِرُّ بِذَلِكَ أَقِرُّ بِذَلِكَ»، وأن الله جل وعلا ماذا يعلم الأشياء قبل وقوعها؟ لكنه كاذب، إنما قال ذلك خوفا من عمر، إلا أنه على عقيدة القدرية، ولا يعتقد أن الله جل وعلا يعلم الأشياء بعد وقوعها، أما قبل وقوعها فإن الله جل وعلا لا يعلمها. فقال له عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «يَا غَيْلَانُ إِنَّكَ إِنْ تُقِرَّ بِالْعِلْمِ فَتُخَاصَمُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجْحَدَهُ فَتَكْفُرَ». ولما كان غيلان كاذبا في قوله، ذهب حتى مات عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فأظهر مقالته بعد ذلك، بعد موت عمر بن عبد العزيز رحمه الله. فأظهر غيلان هذه المقالة، فلما مات ذلك الأمير الذي كان بعد عمر بن عبد العزيز، وكان غير مهتم بمثل هذا الأمر، جاء بعده هشام بن عبد الملك، فاستدعى غيلان الدمشقي بعد أن علم أنه أظهر مقالته مرة أخرى، وقد عاهد عمر بن عبد العزيز أنه لن يتكلم في هذه المقالة حتى أن عمر بن عبد العزيز دعا عليه، قال: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَاغْفِرْ لَهُ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَاجْعَلْهُ آيَةً وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِ»، فاستدعى هشام بن عبد الملك، قال: «مَا الَّذِي تَقُولُهُ؟ وَمَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ؟»، قال: «مَا أَقُولُ شَيْئًا»، قال: «أَلَمْ تَكُنْ قَدْ عَاهَدْتَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّكَ لَا تَعُودُ إِلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ؟»، فقال: «أَقِلْنِي»، قال: «أَقِلْنِي فَلَا أَعُودُ»، يعني اتركني ولن أعود، قال: «لَا أُقِيلُكَ اللَّهُ إِنْ أَقَلْتُكَ»، «لَا أُقِيلُكَ اللَّهُ إِنْ أَقَلْتُكَ»، فصلبه، فصلبه رحمه الله تعالى، وتحقق فيه دعاء عمر بن عبد العزيز رحمه الله، حيث قال: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَاغْفِرْ لَهُ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَاجْعَلْهُ آيَةً وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِ»، فكان آية وعبرة لغيره، من الزنادقة الذين يطعنون في دين الله جل وعلا، وفي الاعتقاد الذي عليه أهل الإسلام والأنبياء وأتباع الأنبياء. قال رحمه الله تعالى: «الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ أَوْ يَكُونُ إِلَّا هُوَ مَكْتُوبٌ مُقَدَّرٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ»، هذا فيه المرتبة الثانية من مراتب القدر، ألا وهي مرتبة الكتابة. وعرفها رحمه الله بأن الإيمان بمرتبة الكتابة: الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ، كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء. فكل شيء يحدث في ملكوت الله جل وعلا فهو مكتوب قد كتب، فهو مكتوب قد كتب في اللوح المحفوظ، حين خلق الله جل وعلا القلم، ومره بكتابة المقادير، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فكل ما يحدث في ملكوت الله سبحانه وتعالى فهو مكتوب قد كتب في اللوح المحفوظ، أعمال العباد، وهكذا ما من حركة، ما من سقوط ورقة، ما من هبوب ريح، ما من شيء يحدث في ملكوت الله من تقدير قدره الله سبحانه وتعالى أن يقع، إلا فهو مكتوب، إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، قد قدره الله جل وعلا قبل أن يكون. فإذا وقع، ماذا كان ذلك الوقوع؟ موافقا لما كتب، لا شيء يخرج لا شيء يخرج عما كتب، فكل ما كتب فإنه يقع وفق ما كتب، كل ما يقع فإنه يقع وفق ما كتب في اللوح المحفوظ. وهذا معنى الإيمان بمرتبة الكتابة. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى من أدلة هذه المرتبة في كتاب الله جل وعلا، قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، وهكذا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وذكر من السنة حديث عبد الله بن عمر: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»، «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، كما في مسلم عن عبد الله بن عمر. وفي البخاري من حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». وذكر حديث عبادة بن الصامت الذي رواه الإمام أحمد والترمذي، وهو حديث حسن، صححه العلامة الألباني وغيره رحمه الله تعالى، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ»، قال: «رَبِّ مَا أَكْتُبُ؟»، قال: «اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فهذه أدلة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأخذ الأدلة كثيرة، لكن اقتصر المؤلف رحمه الله تعالى على بعض الأدلة، وإلا فالأدلة كثيرة في مرتبة الكتابة في كتاب الله جل وعلا، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾، قوله جل وعلا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، قوله جل وعلا: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، قوله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، وهكذا الآيات كثيرة. وهكذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، منها قوله عليه الصلاة والسلام: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ»، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. وهكذا في حديث علي بن أبي طالب في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا وَمَنْزِلَتَهَا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً»، وهكذا الأحاديث كثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، إضافة إلى ما ذكر المؤلف. وهنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث عمران بن حصين، وهو حديث عظيم، وفيه منقبة لأهل اليمن، لأن أصحاب السؤال هم أهل اليمن، أصحاب هذا السؤال هم أهل اليمن الذين جاء ذكرهم في حديث عمران بن حصين في الصحيحين، حين قدموا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام لبني ثقيف: «يَقْبَلُ الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ»، قالوا: «بَنِي ثَقِيفٍ أَوْ بَنِي تَمِيمٍ؟ نَعَمْ»، قالوا: «بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا»، فجاء أهل اليمن، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لهم: «اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو ثَقِيفٍ»، قالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ عَنْ أَوَّلِ أَمْرٍ كَانَ؟»، لم يسألوا يقولون كيف كانت هذه الحياة؟ وكيف كانت هذه الدنيا؟ كيف كانت بدايتها؟ ويسألون عن أول الأمر وأول ما حدث. فالنبي عليه الصلاة والسلام بين لهم ماذا بقوله عليه الصلاة والسلام: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ»، يعني أن الله جل وعلا هو الأول الذي ليس قبله شيء، الأول الذي ليس قبله شيء، كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾، فسر الأول الذي ليس قبله شيء. إلا أنه قال هنا عليه الصلاة والسلام: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ»، فالله سبحانه وتعالى هو الأول في ذاته، والأول في صفاته، والأول في أفعاله، فهو الخالق جل وعلا بأسمائه وصفاته، ولم يكن وجود لمخلوق، وإنما كان وجوده جل وعلا وحده لا شريك له. فوجوده أول سبحانه وتعالى، لا يشاركه وجود، لا يشاركه وجود، بل هو سبحانه وتعالى أول في وجوده، وأول في أسمائه وصفاته. قال: «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، وهذا يدلنا على أن العرش أول المخلوقات على الصحيح، قبل القلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، بعد أن ذكر أولية الرب جل وعلا، قال: «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». قال: «ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ»، فإذا كتابة القلم كانت بعد خلق العرش، وكانت بعد خلق السماوات والأرض. وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام بن تيمية، وابن القيم، وقد أشار إليه ابن القيم في شفاء العليل، وهكذا كذلك في نونيته، قال: «وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي الْقَلَمِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الْقَضَاءُ مِنَ الدِّيَانِ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْعَرْشِ أَمْ هُوَ بَعْدَهُ قَوْلَانِ عِنْدَ أَبِي الْعَلَاءِ الْهَمَذَانِيِّ وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَرْشَ قَبْلُ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ كَانَ ذَا أَرْكَانٍ وَكِتَابَةُ الْقَلَمِ الشَّرِيفِ تَعَقَّبَتْ إِيجَادَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلِ زَمَانٍ لِمَا بَرَأَهُ اللَّهُ قَالَ اكْتُبْ كَذَا فَغَدَا بِأَمْرِ اللَّهِ ذَا جَرْيَانٍ». والقلم أقلام كما ذكر ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى في شرحه للطحاوية، الأقلام أربعة، والقلم الأول هو ما كتب مقادير كل شيء، ما كتب في اللوح المحفوظ بأمر الله جل وعلا، كما في حديث عبادة بن الصامت. والقلم الثاني هو كتابة مقادير بني آدم، فهو قلم خاص ببني آدم بكتابة مقادير بني آدم فقط، وهذا هو القلم الثاني، وهو حين خلق الله جل وعلا آدم، أمر القلم بكتابة مقادير بني آدم. والقلم الثالث هي الكتابة للجنين وهو في بطن أمه، وكتابة القلم الرابع هي كتابة الملكين: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، فكتابة الملكين هي كتابة القلم الرابع من الأقلام التي أشار إليها ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى في شرحه للطحاوية. والنبي عليه الصلاة والسلام لما عرج به إلى ربه سبحانه وتعالى، سمع صريف الأقلام، سمع صريف الأقلام، وصل إلى هذا الموضع الذي لم يصل إليه أحد من البشر، تكرمة له عليه الصلاة والسلام، وصل إلى موضع سمع معه صريف الأقلام، يعني الأقلام التي تكتب بها المقادير. وهكذا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام ذكر هنا ماذا أمر الله جل وعلا للقلم بكتابة المقادير، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فهذا ذكر لهاتين المرتبتين: العلم والكتابة، وسيأتي معنا ذكر المرتبتين الأخريين: المشيئة والخلق، في درسنا اللاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.