الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول الإمام مسلم جرح بعض الرواة مثل عبد القدوس بن الحجاج ومهدي بن هلال وأبان بن أبي عياش، ويبين أخطاءهم وعدم ضبطهم للحديث. يذكر أقوال العلماء في جرح هؤلاء الرواة وتوضيح أخطائهم.
يُذكر الكلام عن أبان بن أبي عياش واتهامه بالكذب، ورواية حمزة الزيات عنه، وكلام العلماء في قراءة حمزة الزيات. كما يُبين عدم ثبوت الأحكام الشرعية بالرؤى المنامية.
يُحذر العلماء من رواة ضعفاء مثل بقية بن الوليد وإسماعيل بن عياش، ويشرح أسباب ضعفهم. كما يُذكر آراء الأئمة في هؤلاء الرواة وكيفية التعامل مع رواياتهم، مع التركيز على تقييم رواية إسماعيل بن عياش.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في مقدمة صحيحه: قال وحدثنا الحسن الحلواني، لهذا قرأنا، قال: وحدثنا محمود بن غيلان، قال: قلت لأبي داوود الطيالسي... وهذا أيضا قرأنا، قال: حدثنا الحسن الحلواني، قال: سمعت شبابة -وهم نسوار الفزاري، وليس في التقريب شبابة غيره- قال: كان عبد القدوس يحدثنا، وهو عبد القدوس بن الحجاج، فيقول: سويد بن عقلة. وسيأتي الصواب أنه ابن غفلة، قال: شبابة. وسمعت عبد القدوس يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ الروح عرضا. قال: فقيل له: أي شيء هذا؟ قال: يعني تتخذ كوة في حائط ليدخل عليه الروح، يعني الرياح. قال مسلم: وسمعت عبيد الله بن عمر القوارير يقول: سمعت حماد بن زيد يقول لرجل، بعدما جلس مهدي بن هلال بأيام: ما هذه العين المالحة التي نبعت قبلكم؟ قال: نعم يا أبا إسماعيل. هذا الأثر ذكره الإمام مسلم رحمه الله عن شبابة، أنه قال: كان عبد القدوس يحدثنا فيقول: سويد بن عقلة. ويريد بذلك أن يبين ما كان عليه عبد القدوس من الوقوع في الخطأ والتصحيف والغباوة وعدم الضبط. فكان يروي فيقول: حدثنا سويد بن عقلة، وهذا تصحيف، والصواب: من غفلة، بألف. وهكذا أيضا في متن الحديث، قال: نهى رسول الله أن يتخذ الروح عرضا. والحديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ما فيه الروح غرضا. الروح بضم الراء، وغرضا يعني أن يجعل مقصدا للرمي والهدف، يأتي بحيوان ينصبه كدجاجة مثلا، أو شاة أو حمار أو ذلك من الحيوانات، ثم يجعلها غرضا حتى يصيبها بالرمي بالسهام أو بغير ذلك. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فروى هذا الحديث بقوله: نهى أن يتخذ الروح عرضا، فقيل له: أي شيء هذا؟ يعني إيش معنى هذا؟ قال: يعني تتخذ كوة في حائط ليدخل عليه الروح، يعني ليدخل عليه الريح، أي الرياح تدخل عليه. وهذا أيضا من تصحيف المعنى بسبب الخطأ في الرواية. وأراد أن يبين بذلك ما كان عليه من عدم الضبط وعدم كذلك أيضا الإتقان في حفظ الحديث وفي معرفة معناه. وقوله: وسمعت عبيد الله بن عمر القوارير يقول: سمعت حماد بن زيد يقول لرجل، بعدما جلس مهدي بن هلال بأيام: ما هذه العين المالحة التي نبعت قبلكم؟ قال: نعم يا أبا إسماعيل. وأبا إسماعيل كنية حماد بن زيد. وقوله: ما هذه العين المالحة التي نبعت قبلكم كناية عن الضعف والجرح، كناية عن ضعف وجرح مهدي بن هلال. فقال: نعم، يعني أنه كذلك، أنه كذلك ضعيف ومجروح. والشاهد من هذا الأثر ظاهر في إخبار حماد بن زيد، أو في جرحه لهذا الراوي مهدي بن هلال، والإخبار بأنه ضعيف. قال: وحدثنا الحسن الحلواني، قال: سمعت عفان -وهو ابن مسلم- قال: سمعت أبا عوانة -وهو الضحاك- من عبد الله ليشكري، قال: ما بلغني عن الحسن حديث إلا أتيت به أبان بن أبي عياش فقرأه علي. ما بلغني عن الحسن حديث -أي الحسن البصري- إلا أتيت به أبان بن أبي عياش فقرأه علي. ويشير بهذا إلى اتهام أبان بن أبي عياش وأنه كان يكذب في الحديث. وأبان بن أبي عياش، قال الحافظ في التقريب: متروك. وذكر في تهذيب الكمال رحمه الله أن البخاري كان يسيء أو قال البخاري: كان شعبة يسيء الرأي فيه. كان شعبة يسيء الرأي فيه. وأبان بن عياش ذكر أنه من العباد ومن أهل الصلاح، إلا أنه كان يختلط عليه الحديث، ما عنده ضبط ولا تمييز. كما ذكر ابن حبان: أنه كان يسمع حديث أنس ويسمع عن الحسن فينسب حديث أنس إلى الحسن ويرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيجعله مرفوعا. وسئل أبو زرعة: هل كان يتعمد الكذب؟ قال: لا، لكن أتي من عدم التمييز، أتي من عدم التمييز فوقع في الكذب. فوقع في الكذب، وشعبة رحمه الله أساء فيه الكلام حتى قال فيه: لئن أشرب من بول حمار أحب إلي من أن أحدث أو أن أقول حدثني أبان بن أبي عياش. لئن أشرب من بول حمار أحب إلي من أن أقول حدثني أبان بن أبي عياش. وذكر عنه أنه قال: لئن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان بن أبي عياش. وهذا القول منه على جهة التغليظ في الرواية عنه، وأنه ينبغي أن لا يروى عنه بسبب ما يقع فيه من الكذب بنسبة الأحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا سعيد بن سعيد -وهو الهروي- قال: حدثنا علي بن مسهر -وهو القرشي الكوفي قاضي الموصل- قال: سمعت أنا وحمزة الزيات من أبان بن أبي عياش نحوا من ألف حديث. قال علي: فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فعرض عليه ما سمع من أبان، فما عرف منها إلا شيئا يسيرا، خمسة أو ستة. حمزة الزيات هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات القاري، كان من العلماء في القراءات، وإليه تنسب قراءة حمزة. وقيل له الزيات لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان، يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان فقيل له الزيات. وكان بعض السلف يكره قراءة حمزة كراهة شديدة، كما ذكر عن يزيد بن هارون، وهكذا أيضا عن الإمام أحمد رحمه الله، كان يقول: أكره أن يصلى خلف من يقرأ بقراءة حمزة. أكره أن يصلى خلف من يقرأ بقراءة حمزة. وروي نحو ذلك عن غيره من الأئمة، كراهة قراءة حمزة. ذكر الذهبي رحمه الله السبب في ذلك، هو ما كان عنده من تطويل المد المفرط، وهكذا أيضا كثرة السكت وإبدال الهمزة في الوقف والإمالة وغير ذلك من الأمور التي كانت في قراءته رحمه الله. ثم بعد ذلك استقر الإجماع كما قال الحافظ على تلقي قراءته بالقبول. فعلي بن مسهر يقول: سمعت أنا وحمزة الزيات من أبان بن أبي عياش نحو من ألف حديث. وأكثر هذه الأحاديث أو ربما جلها يحدث بها عن أنس، يحدث بها عن أنس كما ذكر ابن حبان رحمه الله: أنه روى نحو من ألف وخمسمائة حديث عن أنس، وأكثرها ليس لها أصل. قال: قال علي: فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فعرض عليه ما سمع من أبان -يعني أن حمزة الزيات رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام فعرض عليه ما سمع من أبان من الأحاديث- قال: فما عرف منها إلا شيئا يسيرا، خمسة أو ستة -يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف من هذه الأحاديث إلا خمسة أو ستة مما تنسب إليه- وهي من قوله عليه الصلاة والسلام. وأما البقية فليست من قوله. وهذه الرؤية المراد بها هو حصول الاستئناس ببيان كذب أبان أبي عياش وأنه لا يوثق في روايته وأنه يخلط في الرواية وينسب للنبي عليه الصلاة والسلام ما ليس من حديثه. وإلا فالرؤى كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة: أنه لا يثبت بها الأحكام، لا يثبت بها الأحكام. فمن ادعى أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بأوصافه، فرؤي النبي صلى الله عليه وسلم. ماذا ممكن؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، فإن الشيطان لا يتمثل بي». لكن هل يتغتب على هذه الرؤية شيء من الأحكام من تحليل أو تحريم أو نحو ذلك؟ الجواب: لا، الأحكام لا تثبت بالرؤى والمنامات، وإنما تثبت بالأدلة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وإنما الذي يعتبر ماذا المنامات ويأخذ منها الأحكام المتصوفة ومن كان على شاكلتهم. لكن المقصود كما قلنا هو الاستئناس استيناس بهذه الرؤية على كذب أبان بن أبي عياش وعدم ماذا صدقه فيما يروي عن النبي عليه الصلاة والسلام وعدم ثبوت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي -وهو أبو محمد السمرقندي صاحب السنن، ويقال لها: المسند- وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي إمام، كما قال الإمام أحمد رحمه الله، قال فيه: إمام. وقد روى عنه مسلم وأبو داود والترمذي والبخاري في غير الجامع -أي في غير الصحيح- كل هؤلاء رووا عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي رحمه الله. وكان رحمه الله صاحب علم، صاحب حديث، وفق وديانة وعبادة وورع، وكان صاحب سنة، وقد نشر السنة في بلاده رحمه الله. ولما بلغ الإمام البخاري رحمه الله وفاته، كان في مجلس علم، فأتاه نعي الدارمي رحمه الله، فأطرق رأسه، ثم رفع رأسه وعيناه تدمعان، ثم أنشأ يقول: وإن تفجع تفجع بالأحبة كلهم، وإن تبقى تفجع بالأحبة كلهم، وفناء نفسك لا أبالك أفجع. نعم، أتى بهذه الأبيات مع أنه ليس بشاعر، ليس بشاعر، لكن لعلها خرجت من قلبه من شدة ماذا ألم الخبر والحزن الذي وقع في قلبه رحمه الله. وهذا يدل على ماذا تبجيل الإمام البخاري له ومحبته له، وذلك لما كان عليه الدارمي رحمه الله من تعظيم السنة، وكذلك ما كان فيه من دفاع عن دين الله جل وعلا، وذم للبدع وأهلها. قال: أخبرنا زكريا بن عدي، قال: قال لي أبو إسحاق الفزاري: أكتب عن بقية ما روى عن المعروفين -يعني أثبات- ولا تكتب عنه ما روى عن غير المعروفين، ولا تكتب عن إسماعيل بن عياش ما روى عن المعروفين ولا عن غيرهم. بقية هو بقية بن الوليد الكلاعي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، كثير التدليس عن الضعفاء كما قال الحافظ رحمه الله في التقريب. وسبب ذلك أنه كان يدلس تدليس التسوية، كان يدلس تدليس التسوية. وما هو تدليس التسوية؟ ها نعم، أن يسقط ضعيف بين ثقتين، سمع أحدهما من الآخر، فمن يرى السند يرى أنه متصل، وأن فلان هذا سمع من فلان، فيسقط الضعيف وهو الواسط بين هذا الراوي الثقة والآخر، فيجعله ماذا سالما من الضعف. هذا الذي كان يكثر منه، وضعف بسببه، فأوتي من باب التدليس. قال فيه علي بن مسهر رحمه الله: «بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية». بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية، يعني اتقي أحاديثه واحذر منها. ونحو عبارة الفزاري رحمه الله قالها الجوزجاني رحمه الله، قال: رحم الله بقية، ما كان يبالي إذا وجد خرافة عمن يأخذ، عمن يأخذ، وإذا حدث عن الثقات فلا بأس به. ما يبالي عمن أخذ إذا وجد شيء غريب حدث به، وإذا حدث عن الثقات فلا بأس به، إذا حدث عن الثقات فلا بأس به. وهذا نحو كلام الفزاري: أكتب عن بقية ما روى عن المعروفين، إذا روى عن الثقات المعروفين فاكتب عنه واروي عنه، ولا تكتب عنه ما روى عن غير المعروفين، يعني من الضعفاء والمجاهيل ونحو ذلك. قال: ولا تكتب عن إسماعيل بن عياش ما روى عن المعروفين ولا عن غيرهم، يعني يترك بالكلية، يترك إسماعيل بن عياش بالكلية. والإمام النووي رحمه الله انتقد كلام الفزاري هذا وعلق عليه، وأن قوله هذا خلاف قول جمهور الأئمة فيه. قال النووي رحمه الله: قال العباس، سمعت يحيى بن معين يقول: إسماعيل بن عياش ثقة، وكان أحب أهل الشام من بقية. ثم ذكر كلاما طويا، خلاصته أنه يفصل في حديثه، إسماعيل بن عياش يفصل في حديثه، فما كان من حديثه عن الشاميين فهو صحيح، ما كان من حديثه عن الشاميين فهو صحيح، كما قال البخاري رحمه الله وغيره. وما كان عن المكيين والمدنيين فهو ضعيف، وما كان عن المكيين والمدنيين أو عن غير الشاميين فهو ضعيف. هذا خلاصة ما نقله الإمام من كلام في إسماعيل بن عياش: أنه إن كانت رواية عن الشاميين فهي صحيحة، وإن كانت عن غير الشاميين فهي ضعيفة. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.