الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 23، ألقاها
كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأنس بالوحي ويجد لذة في نزوله، ويصاب بالكآبة والهم عند تأخر جبريل عليه السلام. هذا يدل على أهمية الوحي في حياة النبي.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اقتناء الكلاب والتصاوير في البيوت لأنها تمنع دخول الملائكة. هناك استثناءات محددة للكلاب مثل كلب الصيد والماشية والزرع.
النبي نهى عن الصور في البيت، وذكر أن بعض الصور تعد محرمة مثل قطع الرأس أو تغييره. هذا يدل على ضرورة تجنب الصور في البيوت.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام رحمه الله تعالى: وقال شيخنا -رحمه الله-، نقلا عن هذا الوالي: قال الإمام رحمه الله: حدثنا عثمان بن عمر، وهو عثمان بن عمر بن فارس العبدي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب القرشي المدني، كان إماما من أئمة السلف في المدينة، قال: حدثنا الحارث، وهو ابن عبد الرحمن، الحارث ابن عبد الرحمن أيضا قرشي مدني، وهو قال: ابن أبي ذئب قال: حدثنا ابن أبي ذئب، وهو الصدوق، قال: عن كريب، مولى ابن عبد الرحمن القرشي المدني، قال: عن أسامة بن زيد، وهذا الإسناد إسناد مدني، وهو على شرط الشيخين، إلا أن رجاله رجال مسلم، إلا الحارث ابن عبد الرحمن، كما سيذكره الشيخ رحمه الله. قال رحمه الله: عن كريب المولى ابن عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه كآبة، فسألته: ما له؟ قال: لم يأتني جبريل منذ ثلاث. قال: فإذا جروا كلبا بين بيوته، فأمر به فقتل، فأتاه جبريل عليه السلام. فبادر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى جبريلا، فقال: لم تأتني؟ قال: إننا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تصاوير. قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: الحسين -هنا- هو ابن زيد الجعفي، قال: الحارث ابن عبد الرحمن به. قال الشيخ رحمه الله: هذا حديث حسن، والحارث ابن عبد الرحمن هو خال ابن أبي ذئب. قال: فهذا الحديث فيه أن أسامة بن زيد رضي الله عنه يخبر أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الأيام، قال: وعليه كآبة، أي كأنه حزين عليه الصلاة والسلام، قال: فسألته: ما لك؟ أي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا رسول الله؟ فقال: لم يأتني جبريل منذ ثلاثة، وهذا يدل على فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجيء جبريل إليه، مع أنه كان يجد مشقة مع ما يجده عليه الصلاة والسلام من الشدة عندما يأتيه جبريل بالوحي، حتى أنه -كما قالت عائشة- ليتصبب عرقا في اليوم الشاتي، إلا إذا جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن بالوحي، حتى أنه يخرج منه العرق بكثرة، تصببا منه العرق في اليوم الشاتي، إلا أنه صلى الله عليه وسلم يفرح بإتيان جبريل، ولهذا لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم مجيء جبريل إليه ثلاثة ليالي وهو في مكة، وظاهر أن جبريل كان يأتيه كل يوم أو كل ليلة، فلما غاب عنه ليلتين أو ثلاثة، قال بعض أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نزل إلا أن صاحبك قد قلاه. وفي رواية أخرى: أن الذي قال هذه الكلمة امرأة، امرأة أبي لهب، التي يقال لها أم جميل، فقالت: ما أرى ذلك إلا إن ربك قد قلاه. فأنزل الله عز وجل: ﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾، ما تركك أبدا ولا غضب عليك. وأمت الرواية التي جاءت في رواية الزهري في البخاري: أنه قال: حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كاد أن يرمي نفسه من فوق الجبل، أو أن يتحدر من فوق الجبل. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه عندما لم يأتيه جبريل فترة ليال أو كذا، لكن سلام ربه جل وعلا في هذه السورة العظيمة: ﴿ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ إلى آخر السورة، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصاب بالكآبة وبالهم إذا لم يأتيه جبريل. ولأن هذا أيضا يدلنا على أن هذا الوحي يحيي الروح ويحيي القلب، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأنس بذلك، وأيضا يجد لذة في نزول الوحي عليه، ويجد أيضا انشراحا لصدره في نزول الوحي عليه عليه الصلاة والسلام، فلهذا كان إذا جاء جبريل يفرح، وإذا تأخر يحزن، وكان له مثل الكآبة أو مثل الهم الذي يعنيه هذا التأخير. وكيف لا، وهو منقطع عن ربه جل وعلا الذي علق رسول الله صلى الله عليه وسلم قلبه به، أي بربه سبحانه وتعالى. والخلة هي منزلة من أعلى مراتب أو من منازل المحبة، أعلى مرتبة في المحبة هي الخلة، لأنها تتخلل جميع الجسد، ليس القلب فقط. وقيل: إن المرتبة الخلة صارت أعلى المرتبات لأنها تأخذ القلب كله، تأخذ القلب كله. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب كل ما يأتي به من ربه جل وعلا، فكان يفرح إذا جاءه جبريل، يفرح إذا جاءه جبريل لأنه من عند الله جل وعلا عليه الصلاة والسلام. فقال صلى الله عليه وسلم: أو قال أسامة: وعليه كآبة، سألته: ما له؟ فقال: لم يأتني جبريل منذ ثلاثة. وهذا ما قلنا يدل على أن جبريلا كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة، فيوحي إليه بالقرآن عن طريق الوحي. قال: فإذا جروا كلبا بين بيوته، وزعم بعض الرواة أن الذي رآه هو أسامة، رأى هذا الكلب بين أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي بين حجره وسهله. فقال: فإذا جروا كلبا -والجر هو الكلب الصغير- بين بيوته، فأمر به فقتل. والظاهر -كما قال العلماء- أن هذا قبل أن ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الكلاب، وفي الوقت الذي أمر بقتلها، لأنه جاء في عدة أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب. ثم بدأ له جبريل عليه السلام بعد ما قتل الكلب، فأتاه جبريل، فبادر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه عليه الصلاة والسلام. وبادر معنى أسرع إليه، يعني مثل الإنسان المنتظر، إنسان منتظر فارغ الصدر، فإذا جاء سرع يسرع إليه، ويقبل عليه مسرعا. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريلا بادر إليه، أو فبادر إليه، أي أسرع إليه ليستقبله. وفي رواية جاءت عن بعض الرواة: فهش إليه، والهش هو الابتسام. لكن أكثر الروايات أنه بادر إليه، وقد يجمع بينها على أنه بادر وبش، كما يقول: بادر إليه مع فرح. فقال له جبريل: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تصاوير. وهذا يدل على أن الملائكة لا تدخل البيوت التي تكون فيها أو يكون فيها ما يحضر الشياطين، وما يجعل الشياطين تتواجد. فلهذا قال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تصاوير. فلا ينبغي للمسلم أن يجعل كلبا في بيته، ولو كان مثلا يقول: إن هذا الكلب حراس للبيت، إذا كان حراسا للبيت يخرجه خارجا، يخرجه خارج البيت. مع الاختلاف الذي حصل بين العلماء: هل يجوز أن يجعل حارسا كلبا في البيت؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال -في الصحيحين-: من اقتنى كلبا غير كلب صيد ولا ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان. نقص كل يوم من أجره بسبب أنه اقتنى هذا الكلب. من اقتنى كلبا غير كلب صيد ولا ماشية، لكلب الصيد ما في ذلك، كلب ماشية ما في ذلك، على الذي يحرس الماشية. وجاء في حديث آخر: وكلب زرع. وقيل: يا عبد الله بن عمر، إن بني فلان كانوا يقولون: وكلب زرع. قال أبو هريرة: صاحب الزرع، وما معنى قول عبد الله: أن أبا هريرة صاحب الزرع؟ معنى أنه حفظ ذلك لأنه صاحب الزرع، فحفظ هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا الذي جاء في الحديث: هذه ثلاث الكلاب، كلب الصيد، وكلب الماشية الذي يحرس الماشية، وكلب الزرع الذي يحرس الزرع. أما أن يكون حارسا في بيته، فلم يأت شيء، بل هو داخل في عموم النهي. وفي الحديث أيضا: أن الملائكة لا تدخل البيوت التي فيها الكلاب، والتي فيها أيضا تصاوير. وقد جاء أيضا في المسند: أن جبريلا أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمثالا تحت سرير، فأخرج، وأيضا فلما جاء جبريل، فقال: إن التمثال، لو لم يكن أتني. قال: إن التمثال كان في بيته، أو كلبا، وأيضا قطع رأسه حتى صار كهيئة الشجرة. فقال جبريل: إنا لا ندخل بيوتا فيها كلب ولا تصاوير. فهذا الحديث يدل على أن الإنسان لا ينبغي أن يعلق التصاوير في بيته، حتى من يقول بجواز مثل هذا. وإن كان هذا قد دلت الأدلة الصحيحة والمتكافرة على أنه لا يجوز التصوير إلا لضرورة، وفرق بين الضرورة والحاجة. فالأصل عدم جواز التصوير، وقد دلت الأدلة على ذلك. لكن كما جاء في هذا الحديث: إن كان هناك في التمثال قطع رأسه حتى صارت الشجرة، وفيه أن الصورة إذا قطع الرأس فلا صورة. ويقطع الرأس أو يجعل الرأس شيئا آخر، على يغميه بشيء أو كذا، فهذا طرس لهذه الصور. قال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تصاوير. والله تعالى أعلم.