الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 368، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول اختلاف أهل الحديث في رواية ونشر الحديث، حيث كان بعضهم شديدًا في الرواية بينما كان آخرون يحرصون على نشر الحديث. يبرز المقطع أهمية رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوجه الصحيح.
يروي قصة تعيين النبي لأبي بكر إمامًا للصلاة أثناء مرضه، واستدل العلماء من ذلك على خلافة أبي بكر. كما تطرق إلى اقتراح عائشة تعيين غير أبي بكر بسبب خوفه من البكاء أثناء الصلاة.
يتناول آراء العلماء حول جواز الصلاة خلف الإمام الجالس واختلافهم في تفاصيل هذه المسألة. كما يبرز آراء المذاهب الفقهية المختلفة حول هذه القضية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند سالم بن عبيد رضي الله عنه، سالم بن عبيد هو من موالي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رحمه الله: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، وهو أبو علي الجهضمي البصري، وهو حافظ من حفاظ الحديث، قال: أنبأنا عبد الله بن داود من كتابه في بيته، أي عبد الله بن داود الخريبي الكوفي. وكان عبد الله بن داود عنده عسر في الرواية، أنا شديد في الرواية، حتى أن عبد بن حميد رضي الله عنه قال: ذهبت إلى الكوفة عند بعض أبنائي عمي، قلت لهم: أهنا أحد من أهل الحديث نطلب الحديث؟ فقالوا: نعم، عبد الله الخريبي هنا. قال: فذهبنا إليه وهو في مزرعته، فقلنا: نريد أن نسمع الحديث. كانوا شبابًا، قال: أما تروني أعمل؟ فقالوا: نعمل معك. فعملوا معه في الزراعة إلى آخر النهار، فتعبوا، قال: حتى تعبنا جدًا، ثم قلنا له: نريد أن تحدثنا. أما عملوا معه لأجل أن يحدثهم، فقال: أنا متعب، ودخل بيته. قال: فما جئته بعد ذلك. إنهم كانوا يظنون أنه سيحدثهم إذا ساعدوه، لكنه لم يحدثهم، وهذا يدل على عسر روايته. وتجد أهل الحديث يختلفون في هذا الباب، من أهل الحديث من لا يعطي حديثًا لأحد إلا من يعرفه، ومن يعرف أنه أهلاً لطلب العلم، وهذا كثير من أهل الكوفة. ومن أهل الحديث من ينشر الحديث في كل مكان، مثل الإمام الزهري رحمه الله، كان ينشر الحديث، وكذلك سفيان الثوري. بل يقول عبد الرزاق رحمه الله: لما جاءنا سفيان إلى اليمن، قال: رأيته يجلس مع طفل صغير معنا، وكان يحفظه الحديث. قال: فلما رأيته بكيت، لماذا بكى؟ لأنه يرى حرص هذا العالم الكبير الذي الناس بأشواق إليه، وكذلك يحرصون على أن يسمعوا منه الحديث، وهو يجلس إلى طفل صغير يحفظه الحديث. وأيضًا يدل على محبتهم للحديث، لهذا يقول زيد بن الحباب: كنا نجلس إلى سفيان، وكأنه لا يعرف إلا "حدثنا" و"أخبرنا". وكان أوقاتهم كلها في الحديث، فلهذا كما قلنا: فأهل الحديث يختلفون، منهم من يحب نشر الحديث في كل مكان، ولعل هذا أنفع. لكن بعضهم يحرصون على أن لا يضعوا الحديث إلا في مكانه، حتى لا يبتذل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا ينقل على غير الوجه الصحيح. فلهذا كان هؤلاء الأئمة يكونون قليلاً، فبالكاد أنهم يخرجون الحديث، مثل الأعمش، وبعض تلاميذه، مثل الخريبي، وأبي بكر بن عياش، الذي قال له شعبة في القراءة. فكان أيضًا عبد الله بن عياش -أقصد أبو بكر بن عياش- كان أيضًا شديدًا في الرواية، حتى أنه جعل له كلبًا عند بابه. ولعله تأول، وإلا فالكلب عند الباب لا يجوز أن يكون حارسًا على البيت، وإنما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم كلبًا على الماشية، أو على الزرع. من اقتنى كلبًا غير كلب صيد أو ماشية، حديث أبي هريرة، وفي حديث ابن عمر: غير كلب صيد أو ماشية. فقال أبو هريرة: أو كلب حرث، قال: حفظه لأنه صاحب حرث. فقال أبو هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: من اقتنى كلبًا غير كلب صيد أو ماشية أو زراعة، نقص من أجره كل يوم قيراطان. فلهذا فكلب الحراسة كما قلنا فيه نظر، لكن قد يكون متأولاً. فجعل هذا الكلب عند بابه، إذا جاء أحد من أهل الحديث تهجم عليه هذا الكلب، ثم إن أهل الحديث جاءوا له بلحم مسموم، فأعطوه لحمًا مسمومًا فمات. ومات الكلب أيضًا، فمر عند الكلب ورآه قد مات، فقال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فإلى هذا الحد وصل عسرهم في الحديث، وهذه القصة حصلت لأبي بكر بن عياش، وليس للأعمش. قال: أخبرنا عبد الله بن داود من كتابه في بيته، قال: سلمة بن نبيت -سلمة بن نبيت بن شريط، وهو ثقة، وله نسخة حديثية موضوعة- قال: أنبأنا نوح بن أبي هند البصري عن نبيت بن شريط، أو بن شريط عن سالم بن عبيد رضي الله عنه، قال: أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه، ثم أفاق. وكان إذا أغمي عليه صب عليه من الماء البارد من القربة، حتى أنه في ذلك اليوم -في آخر يوم من حياته عليه الصلاة والسلام- أراد أن يخرج، فحس بالنشاط، فأراد أن يخرج، فأغمي عليه، فاغتسل، ثم أراد أن يخرج، فأغمي عليه، ثم بعد ذلك لم يخرج. فقال سالم بن عبيد: أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه، ثم أفاق، فقال: حضر الصلاة؟ قالوا: نعم. قال: مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس. لأنه رأى أنه لم يستطع أن يخرج عليه الصلاة والسلام، وإلا كان حريصًا على أن يخرج إلى الصلاة، لكن لما رأى أنه لا يستطيع، حتى أغمي عليه ثلاث مرات. فقال: مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس. قال: ثم أغمي عليه، فأفاق، فقال: حضر الصلاة؟ قالوا: نعم. قال: مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس. قال: ثم أغمي عليه، فأفاق عليه الصلاة والسلام، فقال: حضر الصلاة؟ قالوا: نعم. قال: مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس. وهذا كله إشارة منه عليه الصلاة والسلام أن الأذان لبلال، وأن الإمامة لأبي بكر رضي الله عنهما، وأن أبا بكر خليفته في الصلاة. ومن هذا أخذ العلماء، ومنهم عمر رضي الله عنهم جميعًا من الصحابة، قالوا: إن تقديم النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر في الصلاة إشارة إلى إمامته وأنه خليفته. فلهذا كان يحرص النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يؤم الناس إلا أبا بكر، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. ولهذا أجمع العلماء -أقصد أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم- على خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال سالم رضي الله عنه: ثم قام فقال: حضر الصلاة؟ أو فأفاق فقال: حضر الصلاة؟ قالوا: نعم. قال: مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة: إن أبي رجل أسيف، فإذا قام ذلك المقام يبكي، لا يستطيع. فلو أمرت غيره. أسيف معناه كثير الحياء والحزن، وأيضًا كثير الدمعة والرحمة. فقالت عائشة رضي الله عنها: لو أمرت غيره. قال: ثم أغمي عليه، فأفاق، فقال: مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس. فإن كن صواحب يوسف -أو صواحبات يوسف- معناه عرف النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا من عائشة، أرادت أن تبرئ أباها، وهي محقة، أي تخرج أباها من هذا الأمر. لكن هذا معناه عده النبي صلى الله عليه وسلم مكرًا لأجل إخراج أبي بكر. وهذا أمر عظيم، النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يريد أحدًا أن يخلفه إلا الصديق رضي الله عنه. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث عائشة أنها قالت لحفصة: أخبريه أن أبا بكر رجل أسيف. ولهذا قضب النبي صلى الله عليه وسلم لما كرروا عليه هذا الكلام. قال: فأمر بلالاً فأذن، وأمر أبا بكر فصلى بالناس. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة، فقال: انظروا لي من يتكئ عليه. قال: فجاءت بريرة ورجل آخر، فاتكأ عليهما، والرجل الآخر هذا هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. قال: فاتكأ عليهما عليه الصلاة والسلام، فلما رآه أبو بكر ذهب لينصرف، فأومى إليه أن اثبت مكانك. ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلى جنب أبي بكر، حتى قضى أبو بكر صلاته. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض -أي قبض في نفسه- في ذلك اليوم. واستدل العلماء بهذا أن في مسألة الصلاة خلف الإمام الجالس، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إمامًا، جلس عند أبي بكر، فكان يكبر، لكن لا يسمع تكبيره، فكان أبو بكر يبلغ تكبيره حتى يسمع الناس. فالإمام هو أولًا النبي عليه الصلاة والسلام، وأبو بكر المبلغ. فلهذا استدل كثير من العلماء، وهم الحنابلة، على أن الإمام إذا جاء في وسط الصلاة، أو جلس في وسط الصلاة، فإن المأمومين لا يجلسون خلفه. فإن المأمومين لا يجلسون خلفه، وإن جلس في بداية الصلاة، فإنهم يجلسون خلفه، أو يجلسون معه، أو خلفه، للحديث الآخر: "إنما جعل الإمام ليؤتم به". وفي آخره: فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون. فعن إذا صلى الإمام جالسًا، فمن خلفه يصلي جالسًا. لكن أخذ من هذا الحديث أن إذا صلى الإمام جالسًا بعدما ابتدأ في الصلاة، ثم جلس، فإنه لا يجلس خلفه، وإنما يبقى المأمومون قيامًا. وهذا كما قلنا قول أحمد، جمع بين هذا الحديث وحديث أبي موسى وأبي هريرة: "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون". وأما جمهور أهل العلم فرأوا أن هذا الحديث منسوخ بهذا الحديث، رأوا حديث "وصلوا جلوسًا أجمعون" رأوه منسوخًا بهذا الحديث، وحديث عائشة في الصحيحين في نفس القضية. ومن أهل العلم من رأى أن وجوب أن المأموم يجب أن يصلي جالسًا إذا صلى الإمام جالسًا، وهذا مذهب المالكية، ورواية عن أحمد، وهو قول ابن حزم. ولعل الصحيح وأقرب الأقوال الجمع بين هذه الأدلة، هو قول أحمد: أنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة جالسًا، فهنا يبتدئون أو يصلون خلفه جلوسًا. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما سقط من الفرس، صلى بالناس جالسًا في بيته، وكان الظاهر أنه تطوع في الضحى، فصلى خلفه الناس قيامًا، فأشار إليهم أن يجلسوا، فجلسوا. فقال بعدما انتهى: لقد كدتم تفعلون فعل فارس والروم، يقومون لملوكهم وهم جلوس. فدل هذا على أنه لا يصل المأموم خلف الإمام قائمًا والإمام جالس، إلا في هذه الحالة، إذا كان جلس في أثناء الصلاة، إذا جلس في أثناء الصلاة، مثلًا حس الإمام بدوار أو جاءه شيء من المرض، فجلس، وهنا لا يجلس خلفه، ويصلي المأمومون قيامًا خلفه. فهذا خلاصة هذه المسألة، وإن شاء الله تعالى بعض المسائل التي في الحديث نذكرها في الرواية الأخرى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.