الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 367

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 367

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 367، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مسند أبي طلحة الأنصاري وبركة دعاء النبي

يتناول هذا الفصل الحديث عن أبي طلحة الأنصاري وزوجه أم سليم، وبركة دعاء النبي لهم. يشمل ذلك بعض الأحداث المتعلقة بأسرته مثل وفاة ابنه وولادة عبد الله بن طلحة بعد الدعاء.

ورع العلماء وتطبيقهم للحديث النبوي

يتناول هذا الفصل ورع العلماء مثل سفيان ومالك بن أنس في أخذهم العطايا، ويذكر أقوال العلماء حول عبد الله بن المبارك. كما يشرح حديث أنس بن مالك حول الوضوء بعد الطعام وتفسيرات العلماء له.

حكم الوضوء من الطعام الذي مسته النار ولحم الإبل

يتناول هذا الفصل آراء العلماء حول الوضوء مما مسته النار، ويستثني لحم الإبل الذي يوجب الوضوء. يشرح الاختلافات في تفسير الأحاديث ذات الصلة.

خلاصة حول الوضوء من الطعام

يلخص هذا الفصل الأحكام المستفادة من الحديث الشريف حول الوضوء من الطعام، مؤكداً على الوضوء بعد أكل لحم الإبل دون غيره من الأطعمة التي مستها النار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند بطلحة الأنصاري زيد بن سهل، رضي الله عنه. وأبو طلحة الأنصاري هو من الخزرج، من بني النجار، أخوال النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ابن عمي أبي بن كعب، وهو زوج أم سليم، رضي الله عنهم جميعا. وابنه عبد الله بن طلحة، وعبد الله بن طلحة له عشرة من الأبناء، منهم إسحاق بن عبد الله، وكلهم من الحفاظ. وأيضا من بعضهم من نقل الحديد، وهذا ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، لما دعا لأبي طلحة وأم سليم، رضي الله عنهما. لما مات كان ابن لأبي طلحة أخو أنس، والظاهر أنه أبو عمير الذي كان يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟" والنغير طائر. فالظاهر أنه هو. لما مات لم تخبر أم سليم زوجها أبا طلحة لما جاء وتهيأت له ووقع بها في ذلك اليوم، ثم لما أصبح قالت له: أو لما قضى حاجته قالت له: إن ابنك قد مات. شاء في رواية أنها قالت له: لو أعطانا الجيران شيئا إعارة، ثم أرجعناه. فقال: نعم يرجع. فقالت: ولدك، الله عز وجل أعطانا إياه ثم أخذه، فحزنا لذلك. وقال: كيف تجعليني أفعل هذا وابني قد مات؟ فلما أصبح جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشتكي عند النبي صلى الله عليه وسلم من أم سليم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "هل أعرستم البارحة؟" قال: نعم يا رسول الله. فقال: "بارك الله لكما في ليلتكما". فولدت بعد ذلك أم سليم عبد الله بن طلحة بن أبي طلحة، أخو أنس. ثم أن عبد الله بن أبي طلحة ولد له عشرة من الولد، ومنهم كما قلنا إسحاق. قال: فأبو طلحة من الصحابة الأخيار والأنصار الذين كانوا يحوطون بالنبي عليه الصلاة والسلام. وبنو النجار من مخيرة دور الأنصار، وما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل"، أو قال: "خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو الأشهل". بنو الأشهل هم قبيلة سعد بن معاذ، وهم من الأوس. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي كل دور الأنصار خير". قال الإمام محمد رحمه الله: حدثنا عتاب بن زياد، عتاب بن زياد هو خرساني، أبو عمر الميروزي، من أصحاب عبد الله بن المبارك، وليس هو من الطبقة الأولى من أصحاب عبد الله، وإنما من الطبقة الثانية، ثقة لا بأس به، كما قال الإمام محمد. قال: أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك-، أبو عبد الرحمن الميروزي، إمام حافظ عابد، قد جمع، كما قال سفيان بن عيينة: عبد الله بن المبارك جمع كل خصال الصحابة إلا شرف الصحابة. إلا أنه ما ينقصه إلا أن يكون صحابيا، وإلا كل ما كان عند الصحابة من الصفات فهي عند عبد الله بن المبارك: جهاد وعلم وعبادة، وأيضا إنفاق في سبيل الله، ويعانى لإخوانه. كان تاجرا يتاجر في الزيت والعسل، وكان ينفق على العلماء حتى كان يقول: لولا فلان وفلان وفلان ما اتجرت. كأن الله عز وجل سخره لإخوانه العلماء، هؤلاء سفيان الثوري، سفيان بن عيينة، وغيرهم من هؤلاء العلماء، كان يعطيهم وأيضا يعينهم. فكان أولئك العلماء يأخذون من عبد الله بن المبارك لأنهم يعلمون أنها نفقة حلال. كان سفيان ما يأخذ من أحد إلا أنه كان يأخذ من عبد الله بن المبارك، مثل مالك، مالك بن أنس رحمه الله، ما كان يأخذ من أحد إلا من الليث إذا أعطاه شيئا، الليث أخذه، وهذا لتحريهم الحلال، رحمة الله عليه، لأنهم يعلمون أن هؤلاء هم أهل دين والورع، ما سيأخذون إلا الحلال، فلهذا من باب التورع، فكانوا ما يأخذون إلا ممن عرفوا صدقه. فكان عبد الله بن المبارك قد جمع خصال الصحابة، كما قال سفيان بن عيينة: ليس هناك، أو قال: لم يسبق عبد الله بن المبارك في الصحابة إلا بشرف الصحابة، أنا كل الصفات عنده إلا شرف الصحابة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لم نعب على عبد الله بن المبارك شيئا إلا أنه كان يتبع أمر أبي حنيفة -أنا في الفقه في المسائل-، ثم بعد ذلك ضرب عليه وتركه -أنا في آخر عمره-. قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا موسى بن عقبة، وهو قرشي مولى آل الزبير بن العوام، وكتابه في السيرة من أحسن الكتب، كما قال الإمام أبو الزكريا يحيى بن معين: أفضل، أو قال: أفضل كتاب في المغازي كتاب موسى بن عقبة، عن الزهري، قال: عن عبد الرحمن بن زيد بن عقبة، وهو مدني أنصاري، عن ناس من بني مالك، رضي الله عنه. وموسى بن عقبة يعتبر تابعيا قد رأى أنسا وأدرك أيضا سهل بن سعد ورآه، فهو يعتبر تابعيا. قال: عن عبد الرحمن بن زيد بن عقبة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: كنت أنا وأبي وأبو طلحة جلوسا، فأكلنا لحما وخبزا، ثم دعوت بوضوء. فقال: لم تتغدى؟ قال: فقلت: لهذا الطعام الذي أكلناه. فقال: توضأ من الطيبات؟ لم يتوضأ منه من هو خير منك. قال: هذا حديث حسن. فلحديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدم وضوئه من أكل الطعام، ولو مسته النار، كثيرة. أنا جاء في البخاري في حديث عمر بن أبي الضمري، وجاء في مسلم عن ابن عباس، وعن غيره، فالأحاديث كثيرة في أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل لحما وخبزا وأكل غيره، ثم قام وتوضأ أو قام وصل ولم يتوضأ. وأما حديث أبي هريرة فيحمل على أنه منسوخ: "توضئوا مما مست النار"، "توضئوا مما مست النار"، فيحمل على أنه منسوخ. وهناك رواية عن شيخ الإسلام أنه قال: يحمل على الاستحباب، يحمل على استحباب الوضوء. لكن أكثر العلماء على أنه منسوخ. ولهذا كان ابن عباس لما حدث بهذا الحديث أبي هريرة، فقال: نتوضأ من الحميم. ثم قال أبو هريرة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "توضئوا مما مست النار". فقال ابن عباس: نتوضأ من الحميم، الحميم معنى الماء الحار لأنه مسته النار. فقال أبو هريرة، رضي الله عنه: يا ابن أخي، إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال. لكن ابن عباس أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكل. وحديث جابر أيضا في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل طعاما ثم قام فصلى. وجاء في السنن، لكن بلفظ: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار". قد ذكر بعض علماء الحديث أن هذا أو سياق هذا الحديث إنما ساقه هكذا شريك النخعي، وليس هكذا حدث به جابر، وإنما جابر يقول: أنه أكل النبي صلى الله عليه وسلم طعاما ثم توضأ، فآخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الظاهر أنه كما قال بعض العلماء: هذا الصيغة جاءت من شريك بن عبد الله النخعي، لأنه كان فقيها، فساغها على طريقة الفقهاء، لكنها صحيحة من ناحية المعنى، صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأمرين منه أنه لم يتوضأ مما مست النار. فلهذا القول الصحيح هو قول جمهور العلماء: أنه لا يتوضأ مما أكل الإنسان إذا أكل طعاما، لا يتوضأ ولو مسته النار، لا يشرع الوضوء في ذلك. وهل يدخل في ذلك لحم الإبل؟ فالظاهر أنه يستثنى، لأنه جاءت أحاديث بخصوصه. وجاءت أحاديث بخصوصه، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحم جزور ثم لم يتوضأ، وإنما إما أنه يقال: أكل لحما، أو يأتي بتقييده أنه أكل لحم غنم. فلهذا جاء في حديث بريدة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "التوضأ من لحوم الإبل". وجاء في حديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سئل أن توضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. وسئل أن توضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا". فدلت هذه الأحاديث على أن من أكل لحم إبل فإنه يتوضأ، فإنه يجب عليه أن يتوضأ. ومن أكل غيره من اللحوم فإنه لا يتوضأ، لا يشرع له الوضوء، وإن توضأ فحسن. لكن الذي يجب بعده الوضوء هو لحم الإبل، لحم الجزور، هذا الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولا يدخل في هذا أو هذه الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في أكله ثم عدم وضوئه، وقولهم هنا: "أن يتوضأ من الطيبات"، فهذا اجتهاد منهم، رضي الله عنهم، لأنهم يعلمون أنه لا يتوضأ من الطعام، يعلمون ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا الشاهد في هذا الحديث قولهما: "لم يتوضأ منه من هو خير منك". هذا حديث مشترك بين أبي طلحة وأبي بن كعب، رضي الله عنهما، وهما كما قلنا أبناء عم. أبو طلحة، رضي الله عنه، لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فقال أبو طلحة، رضي الله عنه: يا رسول الله، إن بيرحاء -وهو بستان الذي كان قرب المسجد- بستان أبي طلحة، وكان فيه ماء عذب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب منه. فقال أبو طلحة، رضي الله عنه: بيرحاء يا رسول الله أحب أموالي إلي، فإنها صدقة لله ولرسوله، ففعل بها ما شئت يا رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لو جعلتها في أبناء عمك وأقاربك، فهي خير لك". أنا أجعل هذه هو وكل النبي صلى الله عليه وسلم أن يتصرف فيها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اجعلها في أبناء عمك، أنا محتاجون، وأيضا قرابة، والصدقة على القريب صدقة وصلة. فاجعلها أبو طلحة لأبناء عمك، أنا أبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وغيرهما من أبناء عمه. فخلاصة هذا الحديث وما يدل عليه أن المسلم لا يتوضأ مما أكل مما مسته النار، إلا إذا أكل لحم إبل فإنه يتوضأ، فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.