التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 15

التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 15

الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحذير العلماء من الرواة الضعفاء والكذابين

يذكر تحذير العلماء من الرواة الضعفاء مثل أبي شيبة وصالح المري والحسن بن عمارة، مع بيان أسباب ضعفهم. كما يشدد على أهمية التحقق من أحوال الرواة قبل قبول رواياتهم.

أهمية التحقق من الرواة ونصيحتهم

يظهر أهمية التحقق من أحوال الرواة قبل قبول رواياتهم، مع ذكر أمثلة للرواة الضعفاء والكذابين مثل زياد بن ميمون وخالد بن محدوج. كما يبين حرص السلف على نصح الرواة الكذابين.

ختام الصلاة على النبي

يحتوي على ختام الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التمني بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في مقدمة صحيحه: حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: كتبت إلى شعبة أسأله عن أبي شيبة قاضي واسط، فكتب إلي: لا تكتب عنه شيئا، ومزق كتابي. معاذ العنبري كتب إلى شعبة يسأله عن أبي شيبة قاضي واسط، وأبو شيبة هذا هو جد أولاد أبي شيبة الذين هم من مشايخ الإمام مسلم، وبعضهم كذلك من مشايخ الإمام البخاري: أبو بكر، وعثمان، والقاسم. وكان أبو شيبة هذا قاضي واسط، وكان ضعيف الحديث، فلما سأله وبلغه كتاب شعبة، قال له: لا تكتب عنه شيئا، ومزق كتابي، يعني: مزق الرسالة ولا تتركها، وذلك خشية أن يترتب على هذه الرسالة شيء من المفاسد، فلذلك أمره بأن يمزقها. والشاهد أن شعبة رحمه الله بين حاله وأنه ضعيف الحديث ولا يستحق أن يروى عنه. قال: وحدثنا الحلواني، وهو الحسن بن علي الحلواني، الإمام أحمد رحمه الله أساء الرأي فيه بسبب توقفه عن تكفير الواقفة، أي: الواقفة في مسألة خلق القرآن، فإنه لما ظهرت فتنة خلق القرآن وأنكر العلماء هذه المقالة أو هذا الاعتقاد وكفروا من قال بذلك من الجهمية، فبعضهم توقف عن تكفيره أو توقف عن القول بأن القرآن كلام الله وأنه ليس بمخلوق، فالعلماء تكلموا في هؤلاء وألحقوهم بالجهمية، وكان لزاما على المسلم والسني أن يجهر بالقول بأن القرآن كلام الله، ليس بمخلوق، بأنه كلام الله ليس بمخلوق. فكان الحلواني رحمه الله ممن توقف، فلذلك أساء فيه رأي الإمام أحمد رحمه الله. قال: سمعت عفان، وهو ابن مسلم، قال: حدثت حماد بن سلمة عن صالح المري بحديث عن ثابت، فقال: كذب. قال: وحدثت هماما عن صالح المري بحديث، فقال: كذب. صالح المري اسمه صالح بن بشر، وكان من كبار العباد والزهاد، الصالحين. نعم، صالح بن بشر، إلا أنه في الحديث كان ضعيفا، ليس ممن أتقن حفظ الحديث وضبط حفظ الحديث، فربما حدث، فوقع في الخطأ، فنسيب إلى الكذب. وهذا كما مر معنا في الأثر: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. ومر معنا تفسير ذلك: أنه يجري منهم الكذب من غير قصد، يحدث وبسبب عدم حفظه وضبط وإتقانه يقع في الخطأ، فيكذب في ذكر الحديث، فيقال: هذا كذب لأنه خلاف الواقع. نعم، ومر معنا أنه لا يشترط في الكذب القصد والعمد، فإذا أتى الإنسان بخبر أو حديث خلاف الواقع، فإنه يقال: بهذا كذب. أما ترتب الإثم، فهذا لا بد فيه من القصد والتعمد. وهذا من ضمن ذلك أن صالح المري كان من هؤلاء الصالحين الذين حدثوا فأخطأوا، فنسبوا إلى الكذب. هذا معنى قوله: كذب، أنه كان يحدث بالشيء فيغلط فيه ويخطئ، فيقال في حقه: كذب، وإلا كان رجلاً عابداً صالحاً، حسن الصوت بالقرآن، حتى ذكر النووي رحمه الله أنه مات أناس من قراءته، مات أناس من شدة تأثرهم بقراءته. وأشهد من هذا الأثر أن حماد بن سلمة بين حاله وأنه كذب فيما ذكر وفيما بلغه من رواية صالح المري رحمه الله، فبين حاله وأنه ليس بأهل أن يروى عنه. قال: وحدثنا محمود بن غيلان، وهو المروزي، قال: حدثنا أبو داود، وهو سليمان بن داود الطيارسي، قال: قال لي شعبة: إيتني جرير بن حازم، فقل له: إلا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب. قال أبو داود: قلت لشعبة: وكيف ذاك؟ قال: حدثنا عن الحكم -أي الحكم بن عتيبة- بأشياء لم أجد لها أصلا. قال: قلت له: بأي شيء؟ قال: قلت للحكم: أصل النبي صلى الله عليه وسلم على قتل أحد؟ فقال: لم يصل عليهم. فقال الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم ودفنهم. قلت للحكم: ما تقول في أولاد الزنا؟ قال: يصلى عليهم. قلت: من حديث من يروى؟ قال: يروى عن الحسن البصري. فقال الحسن بن عمارة: حدثنا الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي. هذا الأثر في تحذير شعبة رحمه الله من الرواية عن الحسن بن عمارة، وذلك لأنه كان يكذب، وبين ذلك بما ذكر بعد ذلك من تحديثه عن الحكم بأشياء ليس لها أصل، كروايته عنه عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتل أحد، والأحاديث الثابتة الصحيحة أنه لم يصل عليهم. وهكذا أيضا روايته للحديث أو الأثر الثاني: أنه من حديث علي، والصواب أنه يروى عن الحسن البصري. والحسن بن عمارة متفق على ضعفه، متفق على أنه متروك. وهذا أيضا تحذير من شعبة رحمه الله أن يؤخذ ويروى عن الحسن بن عمارة، فلذا ذكره الإمام مسلم في هذا الموضع في بيان أن الإسناد من الدين، وبيان حال بعض الرواة وما فيهم من عيوب وجرح. قال: وحدثنا الحسن الحلواني، قال: سمعت يزيد بن هارون، وذكر زياد بن ميمون، فقال: حلفت أن لا أروي عنه شيئا، ولا عن خالد بن محدوج. وقال: لقيت زياد بن ميمون فسألته عن حديث، فحدثني به عن بكر المزني، ثم عدت إليه فحدثني به عن مورق، ثم عدت إليه فحدثني به عن الحسن، وكان ينسبهما إلى الكذب. قال الحلواني: سمعت عبد الصمد، وذكرت عنده زياد بن ميمون، فنسبه إلى الكذب. خالد بن محدوج، كما قال النووي رحمه الله: واسطي، وهو ضعيف، قد ضعفه الإمام النسائي رحمه الله. وزياد بن ميمون بصري، وهو أيضا ضعيف، قال البخاري رحمه الله في التاريخ: تركوه. فيزيد بن هارون يذكر ضعف زياد بن ميمون، وهكذا أيضا خالد بن محدوج، وأنه لا يروي عنهم. ثم ذكر السبب في ذلك، قال: يزيد بن هارون حلفت ألا أروي عنه شيئا -يعني عن زياد بن ميمون- ولا عن خالد بن محدوج. وقال: لقيت زياد بن ميمون فسألته عن حديث، فحدثني به عن بكر المزني، وهو بكر بن عبد الله المزني التابعي الجليل. قال: ثم عدت إليه فحدثني به عن مورق، ومورق هو ابن المشمرج الكوفي، وهو أيضا تابعي جليل كما ذكر النووي رحمه الله. قال: ثم عدت إليه فحدثني به عن الحسن -أي البصري- وهذا يدل على كذبه، يدل على كذبه، فإنه امتحنه واختبره، فكلما -في كل مرة- يسأله عنه فيأتي له بشخص آخر، يدل على أنه كاذب فيما يدعيه من سماعه أو روايته عمن روى عنه. وهذا يعرف بخبرة العلماء عن من روي هذا الحديث أو هذا الأثر، فيعلم أن الدعوى روايته عن فلان، ولا يعلم عنه رواية، أن هذا كذب، أن هذا من الكذب. ولهذا قال: وكان ينسبهما إلى الكذب. وقول: وكان ينسبهما إلى الكذب، القائل بذلك هو الحلواني، والذي نسبهما إلى الكذب يزيد بن هارون. وهذا أيضا كما مر، قاله يزيد بن هارون، بما بالنصيحة والتحذير من الرواية عن الضعفاء والمتروكين، فبين حال زياد بن ميمون، وكذلك أيضا حال خالد بن محدوج، حتى لا يروى عنهم، وينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ما ليس من قوله، فيقع من روى ذلك عنهم في الكذب. قال: وحدثنا محمود بن غيلان، قال: قلت لأبي داود الطيالسي: قد أكثرت عن عباد بن منصور، فما لك لم تسمع منه حديث العطارة الذي روى لنا النظر بن شميل؟ قال لي: اسكت، فإنا لقيت زياد بن ميمون وعبد الرحمن بن مهدي -يعني أن أبا داود لقي زياد بن ميمون هو وعبد الرحمن بن مهدي- فسألناه، فقلنا له: هذه الأحاديث التي ترويها عن أنس؟ قال: أرأيت ما رجلا يذنب فيتوب، أليس يتوب الله عليه؟ قال: قلنا: نعم. قال: ما سمعت من أنس من ذا قليلا ولا كثيرا، إن إن كان لا يعلم الناس، فأنتما لا تعلمان أني لم ألق أنس. قال أبو داود: فبلغنا بعد أنه يروي، فأتيناه أنا وعبد الرحمن، فقال: أتوب. ثم كان بعد يحدث، فتركناه. عباد بن منصور كان يدلس، وكان ركنا من أركان الكذب، فأتاه أبو داود الطيالسي رحمه الله وعبد الرحمن بن مهدي، فسأله عن هذه الأحاديث التي يرويها، فأخبرهما أنه لم يسمع من أنس لا قليل ولا كثير، وأن كل ذلك كذب، وادعى أنه يتوب، أنه كذب وسيتوب، وأخبرهما ليس من تاب الله عليه. قال: نعم، ثم ما لبث إلا وبلغهما أنه يحدث بهذه الأحاديث المكذوبة، فأتياه وسألا عن ذلك، فقال: أتوب. ثم بعد ذلك حدث ولم يبالي، فتركاه. وحديث العطارة، قال النووي رحمه الله: قال القاضي عياض: هو حديث رواه زياد بن ميمون، هذا عن أنس: أن امرأة يقال لها الحول العطارة كانت بالمدينة، فدخلت على عائشة رضي الله عنها، وذكرت خبرها مع زوجها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لها في فضل الزوج، ذكر لها أشياء، وهو حديث طويل غير صحيح، ذكره ابن وضاح بكماله. إذن هذا الحديث حديث باطل لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فكان يحدث به زياد بن ميمون ولا يبالي. فأشهد من هذا الأثر أولا: حرص السلف رحمهم الله على النصيحة، حرص السلف على النصيحة، فلما بلغهما ما يرويه زياد بن ميمون سألا عن ذلك وهل سمعها عن أنس، فاعترف بأنه كذب على أنس ولم يسمعها منه، وادعى أنه يتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى، فقبل ذلك منه حملا له على السلامة وأنه صادق فيما يدعي، ثم عاد فحدث، فأتياه المرة الثانية، فادعى أنه يتوب، ثم حدث المرة الثالثة، فتركاه. هذا يدلنا على أن السلف رحمهم الله كانوا حريصين على هداية المرء وكذلك نصيحته، وأن يرجع ويتوب عما وقع فيه من الكذب ومن الذنب والمعصية. وأن السلف عندما يتكلمون في الرواة ويجرحونهم لا يفعلون ذلك عن هوى ولا محبة في الكلام في أعراض المسلمين، وإنما يفعلون ذلك من باب النصيحة وبيان حال الشخص، وكذلك أيضا التحذير للمسلمين من الأخذ عنه حتى لا يقعوا في الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا تخفيفا لذنوب المحذر منه، لأن المرء إذا وقع في ذنب واتبعه أناس على ذلك تحمل أوزارهم، فكونه يحذر منه فيقل أتباعه ويقل من يروي عنه، هذا مما يخفف عنه من ذنوبه، فيكون في التحذير من الرواة ومن يحذر منهم فيه فائدتان: فائدة في حفظ الدين من أن ينسى إليه ما ليس منه، وهكذا أيضا من اغترار السامعين لحديث أمثال هؤلاء فيقعون في الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، وفائدة للمحذر منه وهو التخفيف عنه من الذنوب والأوزار التي يتحملها بسبب تضليل من اتبعه على خطئه وذنبه. ولذلك لو كان كلامهم صادر عن هوى لما ذهب ينصحانه ويكلمانه ويتكلموا فيه مباشرة، لكن أتياه المرة الأولى والثانية وهم يرجون أن يتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى. وكتجربة علماء أهل السنة ربما يناصحون المخطئ ومن يضل عن المنهج السديد والعقيدة الصحيحة المرة تلو المرة، فإن رأوا منه العناد والإصرار حذر منه، وربما أن بعضهم يحذر مباشرة، وكل ذلك وارد عن السلف، منهم من ربما يتكلم في الشخص مباشرة إذا ظهر منه الكذب والافتراء، حذر منه مباشرة، ومنهم من يناصح، فإذا رأى بعد ذلك الإصرار والعناد حذر منه بعد ذلك. فالشاهد من هذا الأثر ظاهر، وهو تحذير عبد الرحمن بن مهدي وأبي داود الطيالسي من الرواية عن زياد بن ميمون، وأنهم تركاه بسبب ما تبين لهم من كذبه. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.