الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 91، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
توحيد الألوهية يعني إفراد الله بالعبادة، واستدل المؤلف بآيات قرآنية على وجوبه. الرسول صلى الله عليه وسلم دعا قومه إلى توحيد الألوهية قبل تشريع الفرائض.
الأنبياء والرسل دعوا إلى توحيد الله، بينما أنكر المشركون واستكبروا، فكان جزاؤهم القتال بعد الدعوة. أمر الله نبيه بقتال المشركين لإزالة الشرك.
النبي صلى الله عليه وسلم قاتل كفار قريش بعد دعوتهم للإسلام، وأمر بقتال الناس حتى يشهدوا شهادة الحق ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. إقرار الكفار بتوحيد الربوبية لا يكفي لعصمة دمائهم وأموالهم.
يختتم الفصل بالإشارة إلى استكمال ما تبقى في الدرس التالي، ويتم الختام بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. ما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: فصل وأما توحيد الألوهية، فهو إفراد الله تعالى بالعبادة، بأن يعبد وحده، ولا يعبد غيره، من ملك أو رسول، أو نبي، أو ولي، أو شجر، أو حجر، أو شمس، أو قمر، أو غير ذلك، كائنا من كان. ومن أدلته قوله تعالى: ﴿واعبد الله ولا تشركوا به شيئا﴾، وقوله: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾، وقوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل بعد أن تقدم في الفصل السابق ذكر النوع الأول من أنواع التوحيد، وهو توحيد الربوبية، ذكر هنا توحيد الألوهية، فقال رحمه الله: وأما توحيد الألوهية، فهو إفراد الله تعالى بالعبادة. يقال: توحيد الألوهية بإضافته إلى الله جل وعلا، ويقال: توحيد العبادة بإضافته إلى العباد. وعرفه رحمه الله بقوله: هو إفراد الله تعالى بالعبادة؛ لأن التوحيد في اللغة الإفراد. توحيد في اللغة الإفراد، وحد الشيء إذا أفرده، فهو مصدر وحد يوحد توحيدا إذا أفرد الشيء. قال: إفراد الله تعالى بالعبادة، أو يقال كذلك: إفراد الله بأفعال العباد. يعرف توحيد الألوهية أو توحيد العبادة بإفراد الله تعالى بالعبادة، أو إفراد الله بأفعال العباد. توحيد الربوبية يتقدم معنا: إفراد الله بأفعاله، وهنا إفراد الله بأفعال عباده، بأن يعبد وحده، ولا يعبد سواه جل وعلا، من ملك أو رسول، أو نبي، أو ولي، أو شجر، أو حجر، أو شمس، أو قمر، أو غير ذلك، كائنا من كان. وذكر رحمه الله تعالى بعض الأدلة من كتاب الله جل وعلا الدالة على هذا القسم من أقسام التوحيد، وهذا النوع من أنواع التوحيد، فذكر قول الله جل وعلا: ﴿واعبد الله ولا تشرك به شيئا﴾، فهذه الآية فيها الأمر بإفراده جل وعلا بالعبادة. واعبد الله ولا تشرك به شيئا، والمعنى: أفردوه بالعبادة، واعبده وحده جل وعلا. فالآية ظاهرة في الأمر بإفراده جل وعلا بالعبادة، وأنهي عن الإشراك به جل وعلا. والآية التي بعدها وهي قوله جل وعلا: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾، هذه الآية فيها بيان أن الله جل وعلا ما أرسل من رسول إلا أوحى إليه هذا الأمر، وأن يدعو إليه، وأن يدعو الناس إليه، ما هو إلا أن لا إله إلا الله، أنه لا إله إلا أنا، كل رسول أمر بأن يدعو إلى هذا، يدعو الناس إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة، وأن لا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى. والآية التي بعدها فيها بيان أن الله جل وعلا هو المستحق وحده للعبادة، وهو المستحق جل وعلا بأن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له. ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾، فالإله الحق واحد، والمعبود الذي يستحق العبادة وحده واحد، وهو الله جل وعلا الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى. وإلهكم إله واحد، وهذا الواجب عليكم أن تعبدوه، فمعبودكم هو واحد الذي يستحق أن تفردوه بالعبادة، وتخصوه وحده جل وعلا بالعبادة، وهو الرحمن الرحيم، وهو الرحمن الرحيم جل وعلا الخالق العظيم سبحانه. والآية التي بعدها فيها شهادة الله جل وعلا، وشهادة ملائكته على هذا الأمر، وشهادة أهل العلم، ثلاث شهادات في هذه الآية، كلها تشهد على هذا الأمر العظيم، ألا وهو توحيده سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا الإله الحق الذي يستحق العبادة وحده سبحانه وتعالى، وهو العزيز الحكيم جل وعلا. فقال سبحانه: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾. وأيضا قوله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسولنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾، هذا فيه بيان أن الله جل وعلا ما أرسل رسولا إلا بهذه الدعوة، بأن يدعو إلى إفراده جل وعلا بالعبادة، وأن يعبد وحده سبحانه وتعالى. وهكذا الآيات كثيرة في كتابه جل وعلا، دعوات الرسل واضحة، قال جل وعلا: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، وهكذا نوح، قال لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لكم إله غيره﴾. فالجميع اشتركوا في الدعوة إلى هذا الأمر العظيم، إلى دعوة الناس إلى إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، بأن يعبد وحده جل وعلا. وذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك قال: وهذا النوع، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام، جاء إلى قومه قائلا لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. مكة في مكة ثلاثة عشر سنة يدعو ويقرر هذا الأمر العظيم، ويدعو إليه عليه الصلاة والسلام دعوة الناس إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة، قبل أن تشرع الفرائض عليه الصلاة والسلام، بدأ بهذه الدعوة العظيمة. وأرسل الرسل يدعون إلى هذا الأصل العظيم، أرسل معاذ اليمن كما في الصحيحين، قائلا له: فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله. فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يفردوا الله جل وعلا بالعبادة، قبل الأمر بالصلاة، قبل الأمر بالزكاة. لذلك قال له عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: فإنهم أطاعوك لذلك، أي أفرعوا الله جل وعلا بالعبادة، وانقادوا لذلك. فأعلموا أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، إلى آخر الحديث. فالشاهد أن الدعوة إلى التوحيد هي دعوة الأنبياء والرسل، وهي أول ما دع إليه الأنبياء والرسل، وبعث لأجله. وأرسل الرسل إلى مشارق الأرض ومغاربها يدعون إلى هذا الأمر العظيم، وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة. قال رحمه الله: وهذا النوع قد أنكره المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون﴾. وقال تعالى: ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب﴾. وقال تعالى: ﴿جعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾. وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد﴾. وهذا فيه بيان أن كفار قريش الذين بعث فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أنكروا هذا التوحيد، لم يقروا بإفراد الله جل وعلا بالعبادة. أجعل الآلهة إلها واحدة، لا إله إلا واحد. اللات ليست إله، ولا العزى، ولا هبل، ولا منات، كل هذه ليست آلهة، إنما هو إله واحد، وهو الله جل وعلا. هم يقرون بأن الله جل وعلا إله، لكن أيضا يريدون اللات والعزى وهبل ومنات، الثالثة الأخرى آلهة مع الله. فإنكارهم إفراد الله جل وعلا بالألوهية: أجعل الآلهة إلها واحدة، لا مانع عندهم أن تجعل الآلهة متعددة، أن يكون الله إله، لا مانع. لكن أن يفرد لا، وإنما أيضا كما أن الله إله، اللات والعزة وهبل ومنات. فقولهم: أجعل الآلهة إلها واحدة، إن هذا لشيء عجاب. أنكروا ولم يدعنوا إلى هذه الدعوة العظيمة، إلى إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، واستكبروا. إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، إذا قيل لهم لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، وهذه المعبودات باطلة، لا تستحق العبادة. استكبروا ولم يدعنوا ولم يستسلموا، بل وجعلوا هذا من الأمر العجاب والعجب منهم: كيف يجعلون لهذه الآلهة شيئا من العبادة، وحقا من العبادة؟ هم يعلمون أنها لم تخلقهم، بل هم عملوها، أعملوها بأيديهم، صنعوها بأيديهم، ثم أرادوا أن يجعلوها آلهة تستحق أن تعبد، وأن يستغاث بها، وأن يذبح لها تقربا وتعظيما إلى غير ذلك. فاستكبروا كما أخبر الله جل وعلا عنهم، وزادوا على ذلك أنهم يقولون: ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون. نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الجنون، كأنهم جنوا حين يدعوهم إلى أن يتركوا عبادة اللات والعزة ومنات وهبل. كيف نترك عبادة هذه الآلهة؟ فوصفوا النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوا الجنون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، بل هم المجانين. لماذا؟ لأنهم أين عقولهم؟ كيف يذبحون ويدعون ويستغيثون أحجارا لا تكلمهم ولا تسمعهم؟ بل منها من هذه الآلهة ربما صنعوها من التمر، فإذا جاعوا أكلوها، أكلوا آلهتهم. سبحان الله، إله يدعون ويستغيثون به، وإذا جاع أكله. كما قال عمر رضي الله تعالى عنه حين أدرك نعمة الإسلام عليه، فذكر ذلك الذي كان عليه من سخافات الجاهلية، أنه ربما صنع الإله من التمر، إذا جاع أكله. أين العقول؟ نعم، من المجنون إذن؟ هم، هل لهم عقول؟ ولو كانت عندهم عقول لما عبدوا هذه الأصنام والأوثان والأحجار، وعكفوا عندها، واستغاثوا بها، ودعوها من دون الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ومن أجل إنكارهم إياه قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستباح دماءهم وأموالهم وسباء نساءهم وذرياتهم بإذن الله تعالى وأمره. النبي عليه الصلاة والسلام قاتل كفار قريش لما لم يقروا بتوحيد الألوهية، ولم يفردوا الله جل وعلا بالعبادة. قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام بأمر الله، الله جل وعلا أمره بقتالهم، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. فكل من لا يدين دين الحق، وكل من لا يحرم ما حرمه الله ورسوله، وكل من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فهو كافر. أمر الله جل وعلا بأن يقاتل، كان من أهل الكتاب أو من المشركين. فمن لم يقر بوحدانية الله جل وعلا، وبدين الله جل وعلا الحق، فإنه يقاتل بعد الدعوة، يدعى أولا، فإذا أبى يقاتل. وأهل الكتاب إذا أرادوا أن يبقوا على دينهم، يدفعون الجزية عليهم أن يدفعوا الجزية، لكن لا جزية ولا قبول لهذا الدين، فما هو إلا السيف. وهكذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، والفتنة الشرك. فأمر الله جل وعلا بقتال المشركين الذين لم يقروا بتوحيد الله جل وعلا. فهذا يدلنا على أن الله جل وعلا أمر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بقتال المشركين الذين لم يحققوا التوحيد، وهم كفار قريش. أما من كان له كتاب كاليهود والنصارى، فهؤلاء كما هو معلوم يدعون إلى التوحيد، فإما أن يدخلوا في هذا الإسلام، وإما أن يبقوا على دينهم، وعليهم أن يدفعوا الجزية، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. وكما في حديث بريدة في الصحيح، في حديث علي لما أرسل علي ينظر عن قتال المشرك، قتال أهل الكتاب. قتال الكفار، دعاهم إلى ذلك. أمره أن يدعوهم أولا إلى الإسلام، فإن أبوا عليهم أن يدفعوا الجزية، وإذا لم يرضوا بذلك فأمره أن يقاتلهم. فاستعد بالله وقاتلهم، الحديث. فالشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام قاتل كفار قريش حين لم يدعنوا إلى توحيد الله جل وعلا، وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة. أمره الله جل وعلا بذلك. وكما في الصحيح، بل هو متفق عليه، من حديث عبد الله بن عمر، وجاء الحديث بهريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل». أمرت، أي أمره الله. أمرت أن أقاتل الناس، أي أمره الله جل وعلا بأن يقاتل الناس حتى يشهدوا لله جل وعلا بالوحدانية، وبما يستلزم ذلك، تلك الوحدانية. فمن أقر بالوحدانية يلزم أيضا بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهي حقوق التوحيد. فمن حقق ذلك صار مسلما، وعصم ماله ودمه. دمه هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، واستباح دماءهم وأموالهم وسباء نساءهم وذرياتهم بإذن الله تعالى وأمره. ولم يكن إقرارهم بتوحيد الربوبية مخرجا لهم عن الشرك، ولا عاصما لدمائهم وأموالهم. وهذا واضح. كفار قريش لما أقروا بالرزق لله، والتدبير والإحياء والإماتة، هذا كلهم الإقرار بالربوبية لله جل وعلا. لكن هل هذا كان سببا في عصمة دمائهم وأموالهم؟ لا. لماذا؟ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم منه الإقرار بالألوهية. الإقرار بالربوبية يستلزم منه الإقرار بالألوهية، والإقرار بالألوهية يتضمن الإقرار بالربوبية. فلابد من الإقرار بالألوهية، من لازم الإقرار بالربوبية الإقرار بالألوهية. وهؤلاء كفار قريش أقروا بالربوبية، لكن لم يأتوا بلازم هذا الإقرار، لم يأتوا بلازم هذا الإقرار، وهو الإقرار بالألوهية، بإفراد الله جل وعلا بالعبادة. ولذلك إقرارهم بالربوبية لم يكن مخرجا لهم من الكفر الذي هم عليه، ومانعا من استحلال دمائهم وأموالهم. لماذا؟ لأنهم لم يقروا بتوحيد الألوهية. قال: وتحققوا هذا النوع أن يعبد الله وحده لا شريك له، بشرعه الذي جاءت به رسله. كما قال الله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. التوحيد لا يكون إلا بالسير على تشريع الرسل. لا يمكن أن يحقق العبد التوحيد إلا باتباع الرسول الذي أرسل إليه. فاليهود والنصارى في عهد موسى عليه الصلاة والسلام، تحقيقهم للتوحيد باتباع رسالة موسى، وباتباع شرع موسى الذي بعث فيهم. وهكذا النصارى. وهكذا أمة النبي عليه الصلاة والسلام، بل سائر الأمم بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، لابد أن تتبع شريعة النبي عليه الصلاة والسلام. فمن عبد الله جل وعلا بغير شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه لم يحقق التوحيد. وهذا كحال من يظن أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى. وهذا جعله شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله ناقضا من نواقض الإسلام، في رسالته العظيمة: نواقض الإسلام. قال: من زعم أن أحدا يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، فهو كافر بالله جل وعلا، وقع في ناقض من نواقض الإسلام، ولم يحقق التوحيد. لماذا؟ لأن تحقيق التوحيد لابد فيه من اتباع شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لا يسعه كالخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. الخضر إذا صح أنه خرج عن شريعة موسى، فموسى أرسل إلى قومه. الأنبياء السابقون كانت رسالتهم إلى أقوامهم فقط، بخلاف شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فهي إلى الأمم كلها. وأيضا أضف إلى ذلك أن الخضر على الصحيح نبي، الخضر نبي، كما أن موسى عليه الصلاة والسلام نبي، كما قال جل وعلا عنه: ﴿وما فعلته عن أمري﴾. وما فعلته عن أمري، أي فعل ما فعل من خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار، كل ذلك بأمر الله، بوحي الله، أو إلهام إليه. فهو نبي. فالذين يقولون: الأولياء، وهذا يقع عند أهل التصوف، يزعمون أن الولي ماذا له؟ أن يخرج عن شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ويتعبد بعبادات، نعم غير ما يتعبدها المسلمون الذين يتأسون برسول الله عليه الصلاة والسلام. كل هذا باطل. ومن يقول: حدثني قلبي عن ربي، ويظن أنه يأتيه الوحي، وأن له شرع خاص. كمن يجعلون للخواص شريعة خاصة لهم. وهذه الشريعة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم إنما شريعة العوام. ويجعلون العباد والفقهاء والعلماء الذين يأتون بهذه الشريعة إنما هم على شريعة العوام. لكن هناك شريعة خاصة يجعلونها لهم. هم الذين بلغوا المنزلة التي سقطت عند وصولهم إياها التكاليف عنهم. صاروا يدعون أنهم يأتيهم الحديث الإلهي عن رب العالمين جل وعلا. يفعلوا كذا، وفعلوا كذا. فصار يضحكون على الناس. يفعلون الفواحش والمنكرات، ويقولون: هذه عبادات، أنتم لا تعلمون هذا الأمر. هذا أمر عظيم، إلى آخر ذلك. فكل هذا من من يصدر من من لم يحقق التوحيد؛ لأنه زعم أنه وسعه الخروج عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن اعتقد ذلك فهو كافر بالله جل وعلا، غير موحد. وما تبقى في هذا الفصل نكمله في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.