شرح كتاب التوحيد 242

شرح كتاب التوحيد 242

الدرس في شرح كتاب التوحيد 242، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم ألقاب التعظيم لغير الله وتفسير الحديث النبوي

يتناول تحريم التسمية بألقاب التعظيم لغير الله مثل 'ملك الأملاك' لما توحي به من تعظيم لغير الله، ويشرح الحديث النبوي الذي يعتبر هذه الأسماء من أبغض الأسماء عند الله.

شرح معنى الألقاب المحرمة وتأثيرها

يشرح معنى شاهان شاه وأنه يدخل في الحكم المنعي مثل مالك الأملاك، ويوضح أن التحريم ليس على مجرد اللفظة بل على اللفظة وما كان في معناها.

عقوبة من يتسمى بألقاب التعظيم وسيادة النبي يوم القيامة

يتحدث عن عقوبة الله لمن يريد الدنيا وينسى الآخرة، ويحذر من التسمية بألقاب التعظيم، ويبين سيادة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة واستدلاله بحديث صحيح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى - أو يسمى - ملك الأملاك، لا مالك إلا الله». قال سفيان: مثل شاهان شاه. وفي رواية: «أغيض رجل على الله يوم القيامة وأخبثه». قال: قوله «أخنع» يعني أوضع. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث مع تفسير السفيان رحمه الله في هذا الباب، والذي مضى معنا في درسنا الأخير، وفي قوله «باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه»، قاضي القضاة ونحوه. وقد أشرنا إخواني في الله إلى ما يتعلق بهذا التبويب من مسائل، والخلاف الدائر بين العلماء حول مثل هذه الألقاب، وأن الأصل المنع؛ لأنه يوهم التعظيم لغير الله جل وعلا، كقاضي القضاة، وحاكم الحكام، وسلطان السلاطين، وقس على ذلك. فقوله رحمه الله تعالى: «وفي الصحيح»، وهذا الحديث في الصحيحين، في البخاري ومسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أخنع اسم - إن أخنع اسم - أخنع» كما قال المؤلفون، أي أوضع، فأخنع تأتي بمعنى أوضع، تأتي بمعنى أحقر، تأتي بمعنى أبعد، فهذه من أحقر الأسماء عند الله جل وعلا، «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى»، وفي رواية «يسمى»، فعلى قول «تسمى» بفتح التاء والسين يعود إلى نفسه؛ بأن هذا الرجل هو الذي سمى نفسه بهذا الاسم، على رواية «تسمى»، وعلى رواية «يسمى» بضم الياء على أن غيره هو الذي سمى، فكل ذلك يدخل في النهي، يدخل في التحريم. فهذه من الأسماء التي يبغضها الله جل وعلا، وهي من الأسماء البغيضة عند الله جل وعلا، إما أنك تتسمى به، أو سماك به غيرك، وإثمك يكون عند الرضا على هذه التسمية. قال: «رجل تسمى ملك الأملاك»، وفي لفظة «مالك الأملاك». وهذه المسألة إخواني في الله قد مضى ذلك معنا؛ لأنها توهم أن هذه الأملاك التي هي في الأرض هي كلها تبع لهذا الرجل، وهذا لا يكون إلا لله عز وجل، فالله هو الذي ملك الملك، ملكوت السماوات والأرض، فالكون كونه، والملك ملكه جل وعلا، فمن هذا الذي تملك الأملاك إلا هو جل في علاه؟ ولهذا لما كان هذا الاسم بهذه المثابة من التعظيم والتجليل لغير الله جل وعلا كان حكمه التحريم. فالله سبحانه وتعالى بيده الملك، يؤتيه من يشاء. قال: «رجل تسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله»، أي حقيقة سبحانه وتعالى. ثم قال سفيان وابن عيينة من رواة هذا الحديث: قال مثل شاهان شاه، شاهان شاه، وتطلق أيضًا شاه شاه بالتنوين، وهي كلمة أعجمية، كلمة أعجمية، وكان تردد في زمن سفيان رحمه الله تعالى، وشاه شاه أو شاهان شاه معناها عند العجم بنفس معنى مالك الأملاك، هي بنفس هذا المعنى. فقال سفيان رحمه الله تعالى: قال مثل شاهان شاه، أي أن هذا يدخل في الحكم، يدخل في الحكم المنعي، فمن قال مثلًا في رجل: يا مالك الأملاك، أو قال لآخر: يا شاهان شاه، وأراد هذا المعنى، فالكل يدخل في المنع. ومن هنا يستفاد على أن التحريم والمنع ليس على مجرد اللفظة، وإنما على اللفظة وما كان في معناها، على اللفظة وما كان في معناها. ألا ترى أن سفيان أدخل هذه الكلمة؟ فأين كلمة شاهان شاه من ملك الأملاك؟ هذه بحروفها، وذاك بحروفها، لكن أدخل هذا في حكم هذا؛ لأن المعنى واحد. ومن هنا أدخل العلماء ما قد مضى معنا، أدخل العلماء كلمة قاضي القضاء، أو حاكم الحكام، أو سلطان السلاطين، وقس على ذلك مثل هذه العبارات، وإن لم يرد فيها التنصيص، لكن الحكم يشملها؛ فالعبرة بالحكم، العبرة بما كان من مضمون الحكم، الحكم يدور على أنه لا تعظيم في الألقاب التي تستحق لله إلا لله، فلا أحد يزاحمه، لا أحد يشاركه سبحانه وتعالى في ألقاب التعظيم والتبجيل. ولهذا أدخل سفيان رحمه الله تعالى هذا اللقب شاهان شاه، أو في لفظة شاه شاه، فقال سفيان رحمه الله تعالى: مثل شاهان شاه. قال مؤلف رحمه الله: وفي رواية - وهذه رواية كمسلم - «أغيض رجل على الله يوم القيامة وأخبثه». وهذا كذلك رواية مسلم، فيها بيان إلى شدة التحريم لمثل هذا اللقب، وما كان من أمثاله، وأن من صور تحريمه أن هذا اللقب مما يجلب على صاحبه الغيظ، والغيظ بمعنى الغضب، أي أن الله سبحانه وتعالى يغضب على صاحبه «أغيض رجل على الله يوم القيامة وأخبثه»، وهذا كذلك خبيث النفس، خبيث الطبع. من هو هذا الذي مر معنا الذي يسمي نفسه أو يسميه غيره وهو راض بتسميته بالألقاب التي فيها التعظيم والتوقير والتبجيل، والتي لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى؟ ومن خلال إخواني في الله هذا الباب وما في معناه نعلم أن من عقوبات الله جل وعلا أن الله سبحانه وتعالى يعاقب العباد من المسيئين على نقيض قصدهم، على نقيض قصدهم. فتأمل في هذه الجملة والعبارة واللقب مالك الأملاك، لربما يأتي الإنسان إلى هذا اللقب ويجد الارتياح بأن يوصف بأنه مالك الأملاك، فعاقبه الله جل وعلا أن يبين أنه ليس بهذه المثابة، وإنما مثابته الذل، فقال: «إن أخنع اسم»، أنت أردت العلو في الأرض، لكن عند الله ما لك إلا المذلة، «إن أخنع»، فعامل الله جل وعلا المسيئين على نقيض قصدهم. وهذا له نظائر كثيرة في الشريعة، كحال المتكبرين الذين يتكبرون على وجه الأرض، فيتكبرون على البلاد وعلى العباد وعلى الأفراد بنفوذهم وسلطانهم وحكمهم، عند الله جل في علاه أن يبعثهم الله جل وعلا في يوم الحشر على أشكال الذر، على أشكال الذر تطأهم الأقدام في أرض المحشر، عاملهم الله على نقيض قصدهم، هم أرادوا العلو في الأرض، فعاقبهم الله أن جعلهم في الصغار، في ذل وهوان، في ذل وهوان. وهكذا قل فيمن أراد الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت الدنيا همه» - همه الدنيا - ما فكر في يوم القيامة، لا فكر في الحساب، ولا في العقاب، ولا في يوم البعث ولا النشور، فمن كان الدنيا همه، ما الذي فعله؟ جرى سعى، ضيع حق الله، فرط في حقوق العباد، ماهي عقوبته؟ عقوبته أن الله يعامله بنقيض قصده، فقال عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له»، كل هذه العقوبات إنما جاءت على نقيض قصده، على نقيض قصده. وبهذا تعلم يا عبد الله أنك إذا جنحت إلى فعل المخالفة والذنب، سواء كان في السلوك أو كان في الأحوال أو كان في الأقوال أو كان في الأعمال، فإن الله جل وعلا من صور عقوبته لك في الدنيا قبل الآخرة أن يعاقبك على نقيض قصدك، أن يعاقبك على نقيض قصدك. فالشاهد إخواني في الله في هذا الباب، والذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى «باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه»، وما كان في هذا الحديث الذي بين أيدينا في حرمة التسمي بمالك الأملاك أو بملك الأملاك، كل ذلك فيها التعظيم لغير الله، يجري مجرى التحريم؛ لأنه مما ينافي التعظيم والتوحيد الواجب لله جل وعلا. وإن الشيء بشيء يذكر، والعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عندما تطرق إلى هذا الحديث أدخل في هذا الحديث كذلك ما يكون في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأبان أنه كما أن هناك ألقاب لا ينبغي أن تكون إلا لله، قال: وهكذا في حق رسول الله هناك ألقاب لا تكون إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الألقاب ما ذكره عن عبارة سيد الناس، وعبارة سيد الكل، فذكر رحمه الله تعالى أن هذه كذلك نفس الحكم، أنها لا تجوز سيد الناس وسيد الكل. وهذا كذلك من العبارات المشتهرة بين ألسنة الناس، أن بعضهم يصف بعضهم بعضًا بهذه الأوصاف. فذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن من الذي يستحق هذا؟ من الذي يستحق أن يوصف بأنه سيد الناس وأنه سيد الكل؟ قال: ما يستحق ذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستدل بما جاء في الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة»، فالنبي صلى الله عليه وسلم له السيادة، له السيادة في مجتمعات الناس، فلا أحد يسوده عليه الصلاة والسلام، فإن كان أحد هو سيد الناس فهو رسول الله، وإن كان أحد وسيد الكل فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أشار إلى ذلك ابن القيم. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.