الدرس في الاقبال على الله 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الدرس بالحديث عن أهمية الإقبال على الله وضرورة أن يكون هذا الإقبال على علم واتباع للكتاب والسنة. يُشدد على أن أول ضوابط الإقبال هو العلم بالطريق الصحيح.
يُنبه المدرس على أن بعض الطرق في العبادة والزهد ليست على هدى، بل هي مبتدعة. يحذر من الغلو في الزهد والتركيز على تربية النفس بطريقة غير صحيحة.
يروي المقطع قصة الإمام أحمد بن حنبل مع بعض الصوفية وكيف حذر من طريقتهم. يُفسر أن السلف كانوا يحذرون من هذه الطرق لأنها تفتقر إلى الرجاء والخوف من الله.
يُؤكد الدرس على أن الإقبال على الله يجب أن يكون على علم واتباع وليس بالطرق العشوائية. هذا الضابط هو الأساس في ضبط الإقبال على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى من أخلاق الصائمين الإقبال على الله جل وعلا، يا باغي الخير أقبل، فالإقبال على الله من أخص أخلاق الصائمين التي ينبغي أن يتخلقوا بها، أن يقبلوا على الله جل وعلا. وذكرنا ما هو الإقبال وأهميته وفضله، ونكمل هذه الصفة العظيمة، فنذكر في هذا الدرس إن شاء الله تعالى ضوابط لهذا الإقبال. ضوابط لهذه الصفة لأن هذه الصفة تكون على أحوال، فمنها ما يكون صحيحًا ومنها ما لا يكون صحيحًا، وهذا يحتاج إلى ضوابط تضبط هذه الأشياء. ولأن ليس هناك كما قال ابن القيم ما يلم شعث القلب وتشتته إلا الإقبال على الله جل وعلا، فلهذا ينبغي أن نعرف ما هي الضوابط التي تضبط هذا الإقبال ويكون إقبالًا صحيحًا مثل ما أراده الله عز وجل. فأول ضوابط من هذه الضوابط أن يكون هذا الإقبال على علم واتباع، يكون على علم أن يعلم أن هذه الطريق التي يسلكها والعمل الذي يعمله عمل صحيح قد دل عليه الشرح، وقد دل عليه الشرح، وهذا يكون بالإقبال على العلم. فقد جاء في الصحيحين في حديث معاوية رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين، ولا تزال طائفة قائمين على الحق حتى يأتي يوم القيامة. وهذا يدل على أن من أراد التوجه إلى الله والإقبال على الله عز وجل أنه ينبغي عليه أن يتفقه في دين الله سبحانه وتعالى ويرجع إلى الله بعلم. وكذلك أيضًا باتباع، ولهذا ذكر بعد العلم الاتباع، وأن هناك طائفة لا تزال على الحق، لماذا لا زالت على الحق؟ لأن رجوعهم إلى الله عز وجل وإقبالهم على الله بعلم الكتاب والسنة، فلهذا لزموا الحق لما عندهم من علم في هذه الطريق. فتحتاج إلى علم، «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»، ولا تزال طائفة من أمة ظاهرين على الحق حتى يأتي يوم القيامة وهم على ذلك، أو حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. فلهذا فإن من الضوابط العظيمة أن يكون الإنسان على علم بهذا الإقبال وباتباع، لأن من هذا الإقبال من لا يكون على جهل. فبهذا كان السلف رحمهم الله كما جاء عن عبد الله بن مسعود يقول: «الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في بدعة». الاقتصاد في سنة خير من الاجتهاد في بدعة. فبعض الناس يقبل على الله عز وجل لكن طريقته التي يقبل بها خطأ، معنى أن نيته أنه يرجع إلى الله ويسير في الطريق التي توصله إلى الله، لكنها طريقة خطأ، إما أن يسلك طريق الجهل، إما الطريق التي يكون فيها الشرك بالله جل وعلا أو البدع وغيرها. مثلًا من يرجع ويقبل على طريقة بعض الطرق هذه المخالفة، مثل الروافض مثلًا، بعض الناس يظن أن الإقبال على الله مثلًا تعظيم آل البيت وكذا، وأيضًا يقبل على طريقة الروافض أو طريقة الصوفية، فلهذا هذه الطرق غير صحيحة أصلًا، ووقع في ذلك الجهل بالطريقة التي توصل إلى الله جل وعلا. أو قل وقع في ذلك الجهل بالطريقة التي توصل إلى الله، ولهذا كما قلنا أن الاجتهاد في هذه الطريق لا ينفع، كما قال ابن مسعود: «القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة»، وأن إنسان يقتصد في سنة ويستمر عليها أفضل من أن يجتهد ويضع جهده كله في بدعة وانحرافات. أيضًا كذلك مما أيضًا يبغي أن ينبه عليه أنه وجد الطريقة سلكها بعض الناس وظنوها من الإقبال على الله عز وجل، وهي طريقة أصلها من النصرانية، معلوم أن النصرانية عندهم الرهبانية التي ابتدعوها ما كتبها الله عز وجل عليهم، «ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها»، هذه الرهبانية وهي الجلوس في الصوامع والبيع وترك الناس وترك الاختلاط بهم وهكذا. فذكرها الله عز وجل وذكر أصحابها وأنهم أهل أعمال، لكن هذه الأعمال لا تنفعهم كما قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، عاملة وتتعب ناصبة تتعب في عملها تجتهد، لكن تصلى نارًا حامية، لماذا؟ لأن طريقتها ليست على علم ولا على اتباع، ليست على علم ولا على اتباع. فلهذا فلابد من العلم والاتباع. قلنا أيضًا كذلك هذه البدعة حدثت في الإسلام، حدثت في أزمان من أزمان الإسلام، وهي بدعة الرهبانية، فترهب كثير من من يسمى زمانًا بالصوفية حتى طلعوا الجبال وتركوا جماعة الناس، وحدثت لهم أشياء غريبة، معنى مع الزمن تطورت هذه الطريقة لأنها ليست على طريقة صحيحة. فالذي ابتدع هذه الطريقة كانوا على خوف وعلى وجل وعندهم زهد وعبادة، لكن كانت الطريقة غير صحيحة، فتجد أكثر كلامهم وتركيزهم على تمرين النفس وأيضًا زيادة في خوف النفس وكذلك ترويضها، حتى سماها بعض السلف أنها وساوس، أصبحت مثل الوساوس، فتجد أكثر كلامهم في النفس وفي تصفية القلب، لكن على طريقة غير صحيحة لم يكن عليها النبي عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه. فلهذا كانت هذه الطريقة طريقة خاطئة، مرة سأل عالم علماء السنة وهو الإمام أبو زرعة الرازي، فقالوا: يا أبا زرعة ما هذه الكتب التي وضعها بعض الناس كالحارث المحاسبي وكذلك الغنية لعبد القادر الجيلاني وغيرهم أيضًا قوت القلوب لأبي طالب المكي؟ فقال رحمه الله: «هذه وساوس». هذه قال: وساوس، لم يكن هل تعلمون أن مالكًا وسفيان الثوري وفلان وفلان من الأئمة تكلموا في هذه الوساوس والخطرات؟ هل تجدون أنهم تكلموا في هذه الأشياء؟ هذه أشياء مبتدعة. فلهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يحذر من الحارث المحاسبي، مع أنه رجل يعني من أهل الخير ويحب الخير، لكن طريقته غير صحيحة، وابتدع طريقة غير الطريقة التي توصل إلى الله على علم، فكانوا يجتمعون على تربية النفس، لكن غلوا في هذا الباب غلوا في هذا الباب في الزهديات، حتى كما قلنا أورثهم ذلك أشياء أخرى من الجهل والغلو في أنفسهم والاغترار. فالإمام أحمد رحمه الله يحذر من الحارث المحاسبي، حتى جاءه رجل من أصحابه وقال: يا أبا عبد الله هؤلاء ما يعملون إلا خير ولا يتكلمون إلا في خير، أفلا تسمع لهم تسمع ما يقولون وكذا؟ فقال له: «سأسمع، لكن لا أريدهم أن يعرفوا أني أسمعهم». قال: علي هذا، فجاء بهم إلى بيته وجاء بالإمام أحمد أيضًا عنده يسمع ما يقولون، لكن جعله تحت البيت، يعني كأن البيت كان على طابقين، فجعلهم في الطابق العلوي وجاء بأحمد في الطابق السفلي حتى يسمع ما يقولون، وليس هو سر حتى مثلًا يقال هذا ما يجوز أو شيء، لا هم في علن يأتون بهذه الأشياء في العلن. فلهذا فهو أراد الإمام أحمد أن يسمعهم حتى يقوم هذه الطريقة، فسمعهم الإمام أحمد وكانوا يأتون بأشعار زهدية ويبكون فيها، وأيضًا كذلك منهم من يأخذه الوعظ ويغيب ويغمى عليه وغيرها من هذا السماع الصوفي الذي كان عنده. فكان الإمام أحمد يسمع الكلمات تأثر بها، وتعلمون ذاك الشعر الذي فيه كانوا يقولون معنى إذا معنى أن الرجل إذا جاء إلى الله عز وجل يستحي أن يأتي ويفعل الذي سيقوله، وهو معنى إذا قابل الله مهم من هذه الأشياء الزهدية. فالإمام أحمد تعثر بها حتى أنه دمعت عينيه، لكن قال: «حذروا من هذه الطريقة، أن هذه الطريقة غير صحيحة أصلًا، حتى ولو كانت أبعادها صحيحة». الآن تجد مثلًا بعض الناس مثلًا يسمع بعض الوعظين أو بعض الوعظ يتكلم مثلًا كلام قوي جدًا في الوعظ وكذا وقد يبكي الناس، لكن طريقة غير صحيحة، تجد يستغل مثل هذه الجموع في التهييج على الحكام وفي الانقلابات وكذا. فبعض الأخوة مثلًا يتأثر بطريقة طرحه وطريقة كذا، فتجد فتجد أنه مثلًا يحب ويرغب في سماعه ويحب كذا، ولا يبالي أن هذا شخص مثلًا ليس على طريقة صحيحة ولا يبالي أن هذا شخص قد يجره إلى طريقة ليست طريقة أهل السنة. فلهذا كان السلف رحمه الله يحذرون من هذه الطرق لأجل أنها طرق غير صحيحة في الإقبال على الله عز وجل. قد ضربوا المثال العظيم في التعبد، لكن بطريقة المحبة فقط، طريقة المحبة فقط، وتركوا الرجاء الذي جاء به الشرع، تركوا أيضًا حتى الخوف، حتى قالت رابعة العدوية وهي من هذه الطريق، ورابعة هذه كانت في زمن التابعين، وأثر عنها أشياء صحيحة وأشياء غير صحيحة، حتى كان سفيان الثوري مع فضله رحمه الله إلا أنه كان يأتي رابعة ويأخذ من حكمتها كما يقولون. لكن كانت هذه رابعة تأتي بكلمات غير صحيحة أحيانًا، مثل قولها أنها كانت تقول في ابتهالاتها أنها تعبد الله عز وجل ليس خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته، ليس خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنة، أي أنها محبة في الله عز وجل، وهذا كلام باطل. فالله عز وجل لما ذكر أصفياء الخلق وأفضل الخلق وهم الأنبياء، قال: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. ولما ذكر أيضًا أهل الصلاح قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضَّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾. فلهذا هؤلاء أهل الصلاح وأهل الخير هذه كانت طريقتهم، أما هؤلاء قالوا: نحن ما نخاف يا رب معنا لا نخاف من نارك ولا نطمع في جنتك، وهذه الطريقة باطلة. وتجد الآن بعض الأنشيد الصوفية يذكرون مثل هذه الأشياء، ويقولون أن أول من جاء بمثل هذا الكلام هو رابعة العدوية، ولهذا حكم عليها بعض السلف حتى بالزندقة، كما كان يقول الإمام أبو داود صاحب السنن: «رابعة رابعتهم في الزندقة». رابعة رابعتهم في الزندقة. والمهم كما قلنا ليس الغرض الكلام في هذا، لكن الكلام في الطريقة غير الصحيحة التي يسلكها بعض الناس في سيرهم إلى الله جل وعلا، فلابد أن تكون الطريقة على علم واتباع. فهذا الضابط الأول من الضوابط التي يضبط فيها الإقبال على الله عز وجل. وإن شاء الله نكمل في درس لاحق. والله تعالى أعلم.