رمضان والمقامات الحسان - مقام إطعام الطعام 13

رمضان والمقامات الحسان - مقام إطعام الطعام 13

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام إطعام الطعام 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل إطعام الطعام في رمضان

يتناول أهمية إطعام الطعام في رمضان وأدلته من الأحاديث النبوية وأقوال العلماء والزهاد. يشير إلى الأجر الكبير المرتبط بهذا العمل الصالح.

صور وأشكال إطعام الطعام

يذكر صورا متنوعة لإطعام الطعام في رمضان مثل السلات الغذائية والإفطار في المساجد والولائم بين الجيران وسقي الماء، ويبين أن هذه الأعمال تدخل تحت باب إطعام الطعام وتحتسب عند الله.

تشجيع على إطعام الطعام وتفطير الصائمين

يشجع على إطعام الطعام وتفطير الصائمين في رمضان ويوضح أن هذا العمل له أجر كبير حتى لو كان الإفطار قليلا، وليس مقصورا على الفقراء بل يمكن أن يكون للأغنياء أيضا.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الختام التوجه الديني والاعتماد على الله ويؤكد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، في الدرس الأخير من هذه السلسلة «المقامات رمضان والمقامات الحسان»، أشرنا إلى مقام بذل الندى، وعلمنا أن معناه وفحواه هو بذل الخير والجود، وما يكون من السخاء والكرم والعطاء. ثم أشرنا إلى فضيلة هذا العمل، وما يكون من أمر الجود في رمضان، وكيف أن المسلم والمسلمة ينبغي أن يكون لهم من الجود كل بقدر طاقته وعلى حسب استطاعته. ومن هنا، إخواني في الله، تتفرع لنا مسألة، وهي مما تتفرع من بذل الندى، وحقها أن يكون في مقام خاص، ألا وهو مقام إطعام الطعام. إطعام الطعام، يا عبد الله، هي من المقامات العظيمة، بل ومن الصفات البديعة، بل هي تعد من أعظم صفات من شيم أهل الإسلام، ما يكون من إطعام الطعام. ويدخل في ذلكم إفطار أهل الصيام. كم هي الأدلة الكثيرة الدالة على فضيلة هذا العمل؟ قال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، أفش السلام، وأطعم الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخل الجنة بسلام». فمن أعمال أهل الجنة إطعام الطعام. وجاء بلفظ: قال عليه الصلاة والسلام: «أفش السلام، وأطعم الطعام، تورث الجنان». من أعظم ما يسعفك، يا عبد الله، أن تدخل الجنة بأن تكون مفشيا للسلام، ومكثرا من إطعام الطعام. وجاء كذلك من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا». من أحب الأعمال إلى الله أن تزيح وتبعد وتطرد الجوع من أخيك، ولا يكون هذا إلا بإطعام الطعام، ولا يكون ذلك إلا بإطعام الطعام، فدل على أن إطعام الطعام من الأعمال المحبوبة والمحمودة عند الله جل في علاه. وكما أشرت سلفا، كانت هذه الصفة، إطعام الطعام، من أعظم ما تميزت به العرب قبل الإسلام. قبل الإسلام، كان العرب يتنافسون جدا على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، ومن ذلك ما يكون من إطعام الطعام وقرى الضيفان، تميزت عن باقي الشعوب والأمم. فكانت هذه الأدلة العامة الماثلة أمام إخواني في الله دافع لنا جميعا في أننا نتنافس على إطعام الطعام، ونجعلها من رؤوس الأعمال التي نحرص عليها في رمضان. فكيف بعد ذلك ما كان من الأدلة الخاصة؟ الأدلة الخاصة التي تدل على أن من أهم أعمال أهل الصيام إطعام الطعام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجره شيئا». من فطر صائما كان له مثل أجره. هذا الحديث، نعم، رواه الترمذي من حديث عطاء عن زيد بن خالد، وقد تكلم النقاد كابن المديني بأن عطاء لم يسمع من زيد بن خالد، لكن هناك شواهد لهذا الحديث. كذلك عممات الأدلة، الأدلة العامة تدل على أن من تسبب لخير فله أجر فاعله، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من دل على خير كان له كأجر فاعله»، وفي لفظ: «من دل على هدى كان له كأجره»، كقوله: «من جهز غازيا فقد غزى»، ومثله: «من فطر صائما فله أجره». فالأدلة تدل على هذا، على أنه من كان سببا في إفطار الصائمين فله أجرهم. ومن هنا، إخواني في الله، تنافس العلماء والزهاد والعباد وأهل الصلاح على جعل من رأس الهرم، من أهم أعمال أهل الصيام، إطعام الطعام. قال الإمام الزهري رحمه الله: «إذا دخل رمضان، ما هو إلا قراءة القرآن وإطعام الطعام». إذا دخل رمضان، ما هو إلا قراءة القرآن وإطعام الطعام. وقال أبو سوار العدوي رحمه الله: «لقد أدركت أناسا من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أفطر أحد منهم وحده قط». ما أفطر أحد منهم وحده قط، فإن وجد أحدا أكل معه، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس، وأكل الناس معه، تعظيما لهذه الخصلة، تعظيما لهذه الخصلة. ما كانوا يحكون عن هؤلاء النفر اعتادوا على هذا تحقيقا لإطعام الطعام، لوحده لا ينبغي أن يكون معه أحد، إن وجد أحد كان بها، ما وجد أخرج طعامه إلى الناس، هو يذهب إليهم يعطيهم من طعامه، ويقول الناس يطعمون من طعامه، وذلك لأهمية هذه المسألة. بل نقل كذلكم عن بعض أهل العلم من لربما كان لا يأكل إلا مع المساكين، إذا حان وقت المغرب ينتظر ويجز في الخارج، عل وعسى يظفر بأحد من أهل المسكنة فيأتي به، قل: «كل معي»، يأكلوا معه. بل ما هو أعظم من ذلكم، نقل عن جماعة من السلف -ورحمهم الله تعالى- أن بعضهم كان إذا حان وقت الفطر، وطعامه وإفطاره بين يديه، فجاءه من كان من السائلين، دفع طعامه إليه، «خذوا». نقل هذا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وكذلك مع الإمام أحمد، عن غيرهم. لربما وقت الفطر طعامه قد جهزوا لنفسه، فإذا جاء في هذه الساعة السائل يسأل يطلب، قل: «خذوا الطعام إليه»، فجلس بلا شيء، تحقيق لمسألة إطعام الطعام. إطعام الطعام ونقل كذلكم عن الحسن البصر رحمه الله تعالى أنه لربما كان يطعم إخوانه ألوانا من الأطعمة وهو صائم، وهذا يتصور في غير رمضان، في أيام صوم النفل، يقدم الطعام لإخوانه وزواره وهو صائم. وهذا قد وجدناه، هذا ليس بالأمر المحال، هذا قد والله قد رأينا رأي العين، نذهب يمن ويسر عند المشائخ والدعاء ومن إخواننا الأفاضل، ويكون ذلكم في أيام صومه، أيام صومه وهو صائم، فلا يحب أن يفطر، فلما يأتي زواره يرحب بهم: «يا أهلاً ويا ساهلاً، عندي غذا عندي»، ويرع عليهم بالوجبة، فنجلس، فإذا به يقرب الطعام ويعطيه ويسمعنا لأقول قائم، بل معنا في الصحن: «كن يا فلان، كن يا فلان، كن، تعال، خذ ما شاء الله». ثم نلتفت إليه ونعلم أنه صائم، لأنه ما أكل شيئا، ما أكل شيئا، صائم. هذا مما قد جرب، جرب. كل ذلكم تحقيقا لإطعام الطعام وإكرام الضيفان. هذه، إخواني في الله، من العادات الحسنة. إخواني في الله، إذا علمنا فضيلة هذا العمل، ما يكون من إطعام الطعام، وخاصة في شهر رمضان، نأتي الآن إلى بعض صوره. ربما بعض الناس يريد أن يعرف كيف لي؟ وكيف بي أن أطعم غيري؟ إطعام الطعام، يا عبد الله، مثاله في مثل هذه الأزمان، ما يكون مثلاً من شراء السلات الغذائية، من كان عنده قدرة سلة غذائية صغرت كبرت، عظمت على حسب بطاقته، ثم يدفع بها إلى من يستحقها، ومن كان من أهلها، هذا من إطعام الطعام. كذلكم إعداد وجبات الإفطار في بيوت الله، في المساجد، هذا من إفطار الصائمين، ومن إطعام الطعام، بشرط أن يكون هذا الإفطار بقيوده وشروطه، من حفاظ على بيوت الله، من الصخب واللغط، ومن القذارة ينظف، أو ما يكون من إعداد وجبات الأفطار للبيوت وللأسر، يطرق على هذا الباب وعلى هذا الباب، ما هذا إفطار؟ إفطار، هذا إطعام طعام. أو كذلك ما يكون من إعداد الولائم، وهذا كذلك لا زال ولله الحمد في هذا المجتمع الطيب، ومن العادات الجارية، أن من كان أباً أو من كان كبيراً أو كان من أفراد الأسرة يدعو إخوانه أخواته أبناءه بناته: «الإفطار عندي»، وذاك يقول: «الأفطار غداً عندي»، ثم يدعو أهل وقرابة وأرحام، فيجتمعون على هذه المأدبة، هذا من إفطار الصائمين، وهو من إطعام الطعام، من إطعام الطعام، تحتسب الأجر في هذا الباب، تحتسب الأجر. مثله كذلك ما يكون من التهادي بين الجيران، وهذه كذلك من العادات الحسنة المستحسنة في مجتمعاتنا، عند قبيل المغرب تسمع تجد الأطفال يذهبون هنا وهنا، ذاك معه الطبق، وذاك معه صحن، وذاك معه كيس، وذاك يطرق على دار بني فلان: «خذوا، ما هذا إفطار من دار أهلي»، ما أشار أجزاك الله خير، وذاك يطرق، وذاك يطرق، وذاك يطرق، انتظر يأتن بطبغه، ثم يفرغ ما فيه، ثم يملأ من عندهم، ويعطى للجيران، وهكذا، هذا كل من إطعام الطعام، ويدخل في إفطار أهل الصيام. فضائل، يا عبد الله، تحتسب الأجر فيها عند الله، لا تجعلها عادات بحتة، بل اجعلها عبادات تتقربك إلى ربك جل وعلا. ومما أحب أن أنبه عليه في مسألة إطعام الطعام، أن مما يدخل في هذا الباب ما يكون من سقي الماء، سقي الماء تدخل في باب إطعام الطعام، لأن الطعام في اللغة هو كل ما يطعم، كل ما يطعم، سواء كان مأكلا أو مشربا. قال ربنا: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، طعام وهو ماء. ولهذا، يا عبد الله، إذا تعسر عليك إطعام الطعام مما يكون من جنس المأكولات، فعندك، يا عبد الله، طريق أخرى، وهو سقي الماء، وهي من أفضل الصدقات، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصدقة سقي الماء». أفضل الصدقة، وذلك لها صور، مثل، يا عبد الله، تبحث عن إنشاء بردات ماء في بيوت الله، في المساجد، هذا من سقي الماء. أو جعل هذه البردات في الطرقات والحارات، كما نجد من هذه البردات المعدة الجائزة الجاهزة، تأتي بها ثم تجعلها في الطرق العامة، هذا من سقي الماء. أو ما يفعله بعض الناس كأصحاب المحلات، من يأتي بالدبة الماء فيملأها ماءً وثلجًا، ثم يجعلها على قارعة الطريق ليشرب منها المار والقادم والمار، هذا من سقي الماء. أو ما يفعله بعض الناس من شراء قارورات الماء أو كياء كياس الماء، فيوزعها في بيوت الله، وفي غيرها من المحلات، هذا كله من سقي الماء، وهو يدخل في إطعام الطعام، يدخل في إطعام الطعام. الصور كثيرة، يا عبد الله، تحوز على هذا الفضل العظيم، وعلى هذا الأجر الكبير. ومما أحب أن أنبه عليه أيضًا في مسألة إطعام الطعام، لا تظن، يا عبد الله، أن شرط إطعام الطعام وإفطار أهل الصيام أن هذا خاص بأهل الفقر والمسكنة، لا ليس هكذا. إذا أردت أن تفطر صائما، لك أن تفطر من شئت، ولو كان غنيًا، ولو كان تاجرًا. قال نبينا: «من فطر صائما»، ما قال: «من فطر مسكينا»، ليس من شرط حصولي على أجر الصوم أنك تبحث عن مساكين، لا، حتى الأغنياء، حتى الأثرياء، إذا ظفرت بغني، بغني، قل له: «يا عبد الله، انتظر لحظة، خذ»، قالك: «ما أقول هذا إفطارك»، فإن أكل من إفطارك فلك أجره، ولو كان غنيًا. فباب، إخواني في الله، ما يكون من إفطار أهل الصيام، ليس فقط خاص بأهل الإعسار، وإنما يدخل فيه كذلك من كان من أهل السعة والاقتدار، صاحب زميل، جار، قريب، ولو كان ثريًا غنيًا، ما فيه شيء، أفطر. ولهذا يقول بعض السلف: «لأن أدعو عشر من إخواني على طعام يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة رقاب». لأن أدعو عشر من إخواني على طعام يشتهونه، عندك، يا عبد الله، زمالة، عندك صحبة، وتعرف بأحوالهم، لربما عندهم طعام يتطلعون إلى أن يتذوقوا في يوما ما، وعندك القدرة على إطعامهم، أطعمهم، وتقرب إلى الله بهذا، قال: «فإن ذلك أحب إلي من أن أعتق عشرة رقاب»، لأن هذا هو إطعام الطعام، تتقرب به إلى ربك المولى سبحانه وتعالى. مسألة، إخواني في الله، ألا وهي في مسألة إفطار الصائمين، هل هل شرطه أن يكون إلى حد الإشباع؟ أم أن الأمر يقتصر على أدنى فطر؟ هذه مسألة وقع فيها الخلاف، وعلى كل ذهب جماعة من أهل العلم. فمن أهل العلم من يرى على أن الإفطار، من فطر صائما، يدخل فيه أي شيء من إفطار، مثل كما نجد في بعض المارة معه التمر وقت المغرب، يقرب للناس قبيل المارة، يقول: «تعالى فلان تمرة، تعالى فلان تمرة، بارك الله فيك، خذ تمرة»، لماذا؟ يقول: «أرجو بهذه التمرات إذا تفطر بها الصائم أن أنال أجره»، هل هذا يدخل في الأجر؟ قال بهذا جماعة، انتبه، قال بهذا جماعة. ومن أهل العلم قال: «لا»، إيش هذا؟ تمرات؟ تمرات تشبع الصائم، لا ما ينفع، التمرات، وإنما لابد أنك تفطر الصائم الإفطار الذي به تذهب جوعه وتذهب به ضمأه. وهذا ذهب إليه جماعة من أهل العلم. وعلى كل، الإخوان في إله الله، الأمر في ذلك مواسع، لكن خذها قاعدة: على قدر ما تنفقه في إطعام الطعام وإفطار أهل الصيام، لك الأجر، أكيد. لا يستويان، من فطر بتمر، وبين من فطر بأنواع من الطعام، ما يستويان عند الله، هذا لهم مقداره وأجره، وهذا لهم مقداره وأجره، وكلما كثرت النفقة عظم الأجر. إخواني في الله، أخيرا رعاكم الله، فالله الله في هذا الشهر العظيم المفضال، ونحن تسابق في آخر أيامه، احرص، يا عبد الله، على أنك تطعم الطعام، أن تفطر من استطعت عليهم من أهل الصيام، فوالله من تفطن لهذه الخصلة بإمكانه أن يحوز على الأجر العظيم. تخيل لو أنك فطرت صائما أو خمسة، فلك أجرهم، عشرة، فلك أجرهم، خمسين فلك أجرهم، تخيل من استطاع أن يطعم في اليوم الواحد مئة، يطعم في اليوم الواحد مئة صائم، وفي الثاني مثله، والثالث والرابع، وشهرا كاملا، حينها نقول: «ذهب أهل الدثور بالأجور»، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فاحرص، يا عبد الله، على أنك تبذل ولو القليل، فهذا، إخواني في الله، مما أذكر، وحث به نفسي وإخواني على طرقه، من المقامات العظيمة في رمضان، وهو مقام إطعام الطعام وتفطير أهل الصيام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.