الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 622، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث عن عبد الله بن عباس يفسر آية 'لا إكراه في الدين' ويبين أن الدين يُختار باختيار الفرد وليس بالإكراه. الإيمان المقبول هو ما يأتي عن رغبة واختيار.
أهل الجاهلية كانوا يعتبرون اليهود أهل الدين، فكانت بعض نساء الأنصار تنذر أن تجعل ولدها يهوديا. اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل مشهورة وتحالفوا مع الأوس والخزرج.
تم إجلاء يهود بني النظير بعد محاولة اغتيال النبي، وأُنزلت آية 'لا إكراه في الدين' لتؤكد حرية الدين وعدم إكراه أحد عليه. الدين لا يميز بين الناس إلا بالتقوى.
ينبغي عدم إكراه الناس على الدخول في دين الله إذا لم يرغبوا فيه. هذا ما يُستفاد من السياق في هذا المقام، مؤكداً على حرية الاختيار الديني.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدم، وهو ثقة حافظ إلا أنه مدلس، قال: حدثنا أشعث بن عبد الله يعني السنجستاني. قال: وحدثنا ابن بشار -وهو محمد بن بشار الملقب ببندار- قال: حدثنا ابن أبي عدي، محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، قال: وهذا لفظه. وحدثنا الحسن بن علي وهو الحلواني السعدي، قال: حدثنا وهب بن جرير عن شعبة، عن أبي بشر. هؤلاء كلهم عن شعبة: أشعث بن عبد الله، وابن أبي عدي، ووهب بن جرير، كلهم عن شعبة، قال: عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال: كانت المرأة تكون مقلاة. وجاء في تفسيرها أن أبا داود قال: المقلاة التي لا يعيش لها الولد. قال: كانت المرأة تكون مقلاة أن يموت عليها أولادها، إما سقطا وإما إذا ولدت مات، أو يموت عليها وهو صغير، فكانت تسمى مقلاة. قال: كانت المرأة تكون مقلاة، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده. فلما أجليت بنو النظير -وكان فيهم من أبناء الأنصار- قالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾. قال أبو داود: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. فهذا الحديث في تفسير هذه الآية: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾. والمراد من هذه الآية كما قال الله عز وجل: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾. المراد أن الله عز وجل بيّن الدين وبيّن الطريق، فمن أراد دين الله جل وعلا فعنده، ومن لم يرده فليس عليه إكراه، أي ليس أنه يكره عليه؛ لأنه لو أكره عليه ما قبل منه. معنى لو آمن وهو مكره، لو آمن وهو مكره معنى ما يقبل منه هذا الإيمان، وليس عن محبة ولا عن رغبة، فلا يستفيد من الإكراه على الدين. وليس معنى ذلك أن له الحرية لا، بل هو كافر إذا بقي على ما هو عليه، هو كافر. وإن قال مثلا: أنا سأدخل الدين مكره، أنا هذا الكلام غير صحيح ولا يقبل منه. وإنما يدخل العبد الإسلام باختياره، معنى ليس أنه كما يحسبه بعض الناس أنه ليس عليه إثم لا باختياره، معنى أنه إن اختار هذا الدين فهو مسلم، معنى رغب فيه. ومن لم يرغب في دين الله عز وجل فهو كافر، فهو كافر يعامل معاملة الكفار. إن كان حربيا فإنه حلال الدم والمال، وإن كان ذميا أو معاهدا أو مستأمنا وهو معصوم الدم والمال. فلهذا يقول ابن عباس رضي الله عنه: كانت المرأة تكون مقلاة أن يموت لها الأولاد. وهذا كان في الجاهلية. وسبحان الله تجد أن هذا مثله موجود عند كثير من العوام، خاصة الذين يتعلقون بالقبور. فإذا كانت المرأة يموت أولادها تذهب إلى بعض المشعوذين أو تذهب إلى بعض القبور وتطلب من هذا المقبور أن يحيي أولادها أن يجعل لها أولادا. وهذا الذي يعتقده كان أهل الجاهلية يعتقدون أن اليهود هم أهل الدين. فلهذا إذا كانت المرأة مقلاة تقول: إن رزقني الله عز وجل بولد فستجعله يهوديا، أن تجعل على نفسها إن عاش لها ولد تجعله يهوديا. فلهذا كان في أبناء الأنصار من اليهود. أبناء الأنصار صاروا من اليهود بسبب هذا النذر الذي كان يعقده بعض نساء الأنصار. وهذا كما قلنا في الجاهلية. فلما أجلت بنو النظير -وبنو النظير هذه قبيلة أم المؤمنين صفية بنت حيي، وحيي بن أخطب والدها هو سيد هذه القبيلة، قبيلة بني النظير- وهذه بنو النظير أيضا خانوا العهد مع النبي عليه الصلاة والسلام. لما دخل المدينة في السنة الأولى من دخوله عليه الصلاة والسلام عقد الصلح بينه وبين اليهود حتى يتقي شرهم. وكانت اليهود ثلاث قبائل مشهورة، وبعض الأوساط اليهود ليس لهم موطن معين. لما استولى عليهم معنى في آخر شيء هرقل استولى على ملكهم وعمل لهم تلك الحيلة. كما أخبر الله عز وجل في سورة الروم: ﴿غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد﴾. في هذه الحادثة تعجب أهل الإسلام من هذا؛ كانت دولة الفرس دولة قوية جدا أقوى من دولة النصارى. فكانوا الفرس يحبون اليهود ويبغضون النصارى؛ لأن اليهود ينافقون معهم. فلهذا يحبون اليهود، فلهذا أبقوهم في الشام. وكان النصارى أيضا في الشام، لكن بقوة الفرس بقي اليهود في الشام. فلما استغل كسرى معنى إمارات كثيرة من إمارات النصارى، فما بقي إلا الشام، فدخلها أو أراد أن يدخلها. أراد أن يدخل الشام، لكن قيصر صار أذكى منه، فعلم قيصر أنه لا يستطيع رد كسرى، أنه لا يستطيع محاربته لقوة جيشه، فعمل حيلة. فلما سمع أن كسرى قادم إلى الشام خرج من الشام إلى فارس ومعه جيشه، واستولى على الهرمزان، استولى على ملك كسرى. فلما جاءه الخبر أنه هزم شر هزيمة، لما جاءه الخبر أن قيصر قد استولى على ملكه وأخذ خزائنه، فكأنه خذل وتفاوض مع قيصر على أنه يترك له الشام أو كما حصل مما ذكره بعض أهل التاريخ. المهم أن لما استولى النصارى على الشام ولم يتدخل بعد ذلك كسرى في ملكهم، فنصارى يبغضون اليهود. فلهذا شتتوهم في كل مكان، فخرجوا من الشام، فذهب بعضهم إلى اليمن وذهب بعضهم إلى المدينة وذهب بعضهم إلى خيبر وهكذا. تفرق اليهود هربا من قيصر كان يتتبعهم، فوجدوا هذه الأماكن أوعية لهم، فجلسوا في اليمن وكذلك في المدينة وكذلك في خيبر وغيرها من الأماكن. فكان اليهود يظهرون العلم ويظهرون العبادة ويظهرون أنهم أهل دين، بخلاف أهل المدينة الذين القبائل التي كانت في المدينة الأوس والخزرج، فكانوا أهل شرك لا يعرفون الدين ولا يعرفون العلم. فكانوا يفتخرون عليهم بهذا العلم وهذه العبادة، فكانوا يقدسونهم أو يقدسون شيئا مما هم فيه، ويعتبرون أنهم أهل عبادة. فلهذا تجد أنهم تحالفوا معهم، فالأوس كان حلفهم بني قريظة، والخزرج كان حلفهم بني قينقاع. واستمر هذا الأمر حتى جاء النبي عليه الصلاة والسلام وحصل ما حصل. فكان هؤلاء أهل المدينة من الأوس والخزرج يتمنون أو تقول المرأة: إن عاش لي ولد جعلته يهوديا. وهذا كما قلنا لأنهم كأنهم يعتقدون أن هؤلاء اليهود هم على دين، وأن تمنيها لذلك فإنه يعيش الولد وهكذا، فصار بعض الأبناء يعيشون فكانوا يهودونهم، فصاروا من أبناء الأنصار من كان يهوديا. فلما أجل النبي عليه الصلاة والسلام يهود بني النظير من المدينة -وقد أخرج قبلهم بني قينقاع، وهم قبيلة الصحابي الجليل عبد الله بن سلام رضي الله عنه- فأخرجهم، ثم أخرج بني النظير، ثم بعد ذلك أخرج بني قريظة بعد الأحزاب. فالمهم أن هؤلاء خانوا النبي عليه الصلاة والسلام وأرادوا أن يقتلوه لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إليهم لأجل أن يدفع لبعض القبائل الذين قتل منهم أو قتل المسلمون بعض أبنائهم، فأراد أن يستعين باليهود. فاجتمعوا في دار والنبي عليه الصلاة والسلام كان خارجا، فقالوا: لا يصعد رجل منكم ويلقي بحجرة كبيرة على هذا حتى نستريح منه، إن لم يكن نبيا. فجاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بذلك، فتحرك النبي عليه الصلاة والسلام من بيوت بني النظير، وأرسل إليهم المنذر بن الحباب أو غيره حتى يعلمهم بما كانوا عليه، وأيضا يعلمهم بأنه يجليهم من هذه المدينة، فلم يوافقوا أولا، ثم بعد ذلك بقوة الحصار وغيرها وافقوا. فالمهم أن هؤلاء كانوا فيهم من أبناء الأنصار. فلما أرادوا أن يخرجوا من المدينة، قال بعض الأنصار: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾. أي: ما دام أنهم معهم فهم معهم، سواء كان من الأنصار أو من غيرهم. فالدين لا يعرف أن فلانا من قبيلة كذا أو أنه من العرب أو من غيرهم. ليس كل من كان من العرب مثلا مسلما. الأمة مثلا الآن بعض الناس يقول: الأمة العربية، ويظن أن نسبة العرب إلى الإسلام، ليس كذلك. صحيح أن أكثر العرب من المسلمين، لكن إذا نسب إلى العرب فقد يكون مسلما وقد يكون غير مسلم. بخلاف إذا وجه خطابه إلى أمة الإسلام، وأمة الإسلام ليس العرب فقط، وإنما كل من أسلم ودخل دين الله جل وعلا. لا فضل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعربي على عجمي إلا بالتقوى». فهذا الدين لا يميز ولا يفضل أحدا على غيره إلا بتقوى الله جل وعلا: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. فليس بنسب ولا بنسبة إلى قبيلة أو إلى موطن أو إلى غير ذلك. وكما قال سلمان الفارسي: «إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدسها أهلها». معنى لو كان الإنسان مثلا عايشا في المدينة، يعيش في المدينة، يعيش في مكة، فهل معنى ذلك أنه يشفع له هذا الأمر؟ لا. إن لم يشفع له عمل، يعني إذا لم يأت بعمل ما ينفعه، هذا ما ينفعه. عايش في المدينة أو عايش في مكة وهو كافر. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾. أي: ما دام أنهم أرادوا الكفر فلا ينبغي أننا لا بد ندخلهم ونأتي بهم إلى معنى وهم لا يريدون دين الله جل وعلا. فهذا ما يذكر في هذا المقام. والله تعالى أعلم.