التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 111

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 111

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 111، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

علامات ضعف اليقين: إرضاء الناس بسخط الله

يتناول المحور علامات ضعف اليقين ومنها إرضاء الناس بسخط الله، وحمدهم على الرزق، وذمهم على ما لم يقدر الله، مع استشهاد بحديث عائشة الصحيح الذي يبين أن من طلب رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه. ويؤكد أن الخوف من الناس هو الدافع لإرضائهم بسخط الخالق، والواجب تقديم رضا الله على رضا الخلق.

خاتمة باب الخوف وتلخيص المسائل

يختتم الشيخ باب الخوف بتلخيص ثماني مسائل شملت تفسير آيات، بيان أن اليقين يضعف ويقوى، وعلامات ضعفه الثلاث الواردة في حديث أبي سعيد، ووجوب إخلاص الخوف لله مع ثوابه وعقابه. كما يفرق بين حمد الناس على إحسانهم الواجب شرعاً ونسب الرزق إليهم نسياناً للمنعم الحقيقي، مؤكداً أن الرزق بيد الله لا يجره حرص ولا يرده كراهية.

آثار إخلاص الخوف لله ووجوب تقديم رضاه

يشرح المقطع حديث «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله» وحديث عائشة في طلب رضا الله، مبيناً أن من آثر رضا الله كفاه الله مؤنة الناس وأرضاهم عنه، بينما من آثر رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. ويستعرض فوائد الحديث ومسائله: وجوب تقديم رضا الله، علامات ضعف اليقين، إثبات الرضا والسخط لله بلا تشبيه، وأن إخلاص الخوف لله من الفرائض التي يترتب عليها الثواب والعقاب.

الانتقال إلى باب التوكل على الله

أعلن المحاضر انتهاء باب الخوف وأشار إلى أن الدرس القادم سيتناول باب التوكل على الله عز وجل، مختتماً بقوله: وإلى هنا والله تعالى أعلم. بذلك ينتقل السياق من الخوف إلى التوكل كمرحلة تالية في التربية الإيمانية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله: «وعن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً: إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله. إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره». وهذا الحديث حديث ضعيف، إسناده ضعيف؛ فيه محمد بن مروان السدي وهو ضعيف، وفيه عطية العوفي وقد قالوا عنه إنه متروك. ومعنى هذا الحديث صحيح، لكن من حيث نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإسناده لا يثبت. ووجه الشاهد من هذا الحديث ظاهر، وهو أن من يرضي الناس بسخط الله معناه أنه خاف من الناس كخوفه من الله سبحانه وتعالى، فوافقهم على ترك المأمور أو فعل المحظور استجلاباً لرضاهم. وأما قوله: «وأن تحمدهم على رزق الله»، فالمراد بأن تضيفه إليهم، هذا الرزق تضيفه إليهم وتنسى المنعم المتفضل بهذا الرزق على الحقيقة وهو رب العالمين سبحانه وتعالى. وقد يقول قائل: وهل هذا يعارض ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»؟ لا، لا يعارض؛ لأن المراد بشكر الناس عدم كفر إحسانهم، والمراد به مجازاتهم على ذلك بما تستطيع، كأن تقول: جزاك الله خيراً، وأن تعترف بإحسانه إليك، وكذلك ثبوت هذه المنفعة لك ونحو ذلك. وأما قوله في هذا الحديث: «وأن تحمدهم على رزق الله»، فالمراد أن تضيف هذا الرزق إلى هؤلاء الخلق وتنسى المنعم المتفضل على الحقيقة وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله: «وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله»، أي إذا طلبتهم شيئاً فمنعوك، أردت منهم مالاً أو مصلحة من المصالح الدنيوية فمنعوك، فقمت وذممتهم وكرهتهم على هذا الفعل. هذا مذموم، لماذا؟ لأن الله عز وجل هو الذي يوفق عباده لفعل الخير، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فإذا لم يعطك الناس مما أردت فلا تذمهم ولا تعاديهم، لأن الأمر لله سبحانه وتعالى. ولذلك قال: «إن رزق الله لا يجره حرص حريص»، يعني مهما حرصت واتخذت الأسباب في كسب مال أو شيء من أمور هذه الدنيا، فإذا لم يقدر الله لك هذا لم يصلك. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فرزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره. فإذا أراد الله شيئاً أن يقول له كن فيكون. هذا معنى هذا الحديث، والشاهد منه أوله، الشاهد منه أوله في قوله: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله». ففيه الخوف من الناس وترك الخوف من الله سبحانه وتعالى، وهذا مما ينقص الإيمان. وهذا الجزء الأول من هذا الحديث قد دل عليه الحديث الذي بعده، وهو حديث عائشة، فقال: «عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس». رواه ابن حبان في صحيحه، واختلف على هذا الحديث برفعه ووقفه، والعلامة الألباني عليه رحمة الله يصححه مرفوعاً. ومعنى هذا الحديث: من التمس رضا الله، يعني من طلب رضا الله وإن سخط عليه الناس، فإن الله عز وجل يرضى عنه، ونواصي العباد بيد الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يكافئ عبده الذي أرضاه بأن يرضى عليه الناس أيضاً. فلا تظن أنك إذا أرضيت الله عز وجل سخط عليك الناس، بل إن الله عز وجل يرضيهم، فيبعد عنهم ما قد يكنوه لك في صدورهم من البغض والكراهية ونحو ذلك. والعكس بالعكس: من التمس رضا الناس بسخط الله، قدم ما أراده الناس ولو ترك واجباً أو ارتكب محرماً، فإن الله عز وجل يسخط عليه، وكذلك يسخط عليه الناس. يقول الناس: هذا ما هو صاحب دين، هذا صاحب دنيا، انظر كيف ترك الدين وترك الحق من أجل أن ينال هذا المقصد الدنيوي، فيسخط عليك الناس. فلا أنت أرضيت ربك، ولا أنت أرضيت الناس. فقوله: «من التمس» أي خوفاً منهم، خوفاً من الناس حتى يرضوا عنه، فقدم خوفهم على مخافة الله عز وجل، فإن الله عز وجل يسخط عليه، ويسخط عليه كذلك الناس، فيسخط الله عز وجل عليه الناس. فالشاهد من هذا الحديث: الحث على تقديم الخوف من الله بطلب رضاه، ولو في سخط الناس، ولو في سخط الناس. يقول صاحب تيسير العزيز الحميد عند شرحه لهذا الحديث: «قال: وإنما يحمل الإنسان على إرضاء الخلق بسخط الخالق هو الخوف منهم». إيش الذي حمله على أن يرضي الناس ويسخط الله عز وجل؟ الخوف من هؤلاء الخلق. فلو كان خوفه خالصاً لله لم يرضهم بسخطه. لو كان المؤمن قوياً بالله لا يخاف إلا الله عز وجل، لما أرضى الناس بسخط الله. فإرضاء الناس بسخط الله هذا دليل على ضعف الخوف من الله في قلبي هذا الفاعل. وذكر ثلاث فوائد الشيخ العثيمين من هذا الحديث، فقال: «فوائد الحديث: أولاً: وجوب طلب ما يرضي الله عز وجل وإن سخط الناس، لأن الله هو الذي ينفع ويضر. فاحذر أن تقدم رضا الناس على حساب رضا الله سبحانه وتعالى. ثانياً: أنه لا يجوز أن يلتمس ما يسخط الله من أجل إرضاء الناس، كائناً من كانوا، لا يجوز ذلك، فالمقدم هو رضا الله. ثالثاً: إثبات الرضا والسخط لله عز وجل على وجه الحقيقة، لكن بلا مماثلة للمخلوق، كغيرها من الصفات الثابتة كالغضب والعجب ونحو ذلك. فهذه الصفات يثبتها أهل السنة على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى». ثم قال: «المسائل أي من هذا الباب: أولاً: تفسير آية آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، وعرفنا ما معنى يخوف أولياءه، وأن المراد بقوله أولياءه أي كما تقدم معنى أولياء الشيطان. ثانياً: تفسير آية براءة: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، وعرفنا وجه الشاهد منها وهو قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، وعرفنا الفرق بين الخشية والخوف. ثالثاً: تفسير آية العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾. رابعاً: أن اليقين يضعف ويقوى كالأيمان، كما أن الإيمان يزيد وينقص، أي يضعف، كذلك اليقين يضعف ويقوى. وهذا مأخوذ من حديث أبي سعيد الذي قلنا فيه ضعف، وهو قوله: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله». قال: خامساً: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث، يعني علامة ضعف اليقين هذه الثلاث التي وردت في هذا الحديث: أولها أن ترضي الناس بسخط الله، وثانيها أن تحمدهم على رزق الله، والثالث أن تذمهم على ما لم يؤتك الله. هذا كل يدل على ضعف اليقين، لأن يقينك بالله فيه أن رضا الله هو المقدم على رضا خلقه، وأنك إذا أرضيت الله أرضى الله عز وجل عنك الخلق، يكون عندك يقين بهذا ما فيه أدنى شك. وأيضاً أن تحمدهم على رزق الله يعني فيه ضعف اليقين من حيث ماذا؟ من حيث أنك نسبت السبب إليهم، وهذا فيه ضعف للإيمان واليقين. فالمقدر هو الله سبحانه وتعالى. فمن علم أن الخلق إنما هم أسباب قد تتحقق وقد تتخلف، ومن هو مسبب السبب وموجد السبب ومحقق السبب؟ إنه الله سبحانه وتعالى. فليكن يقينك بالله عز وجل. وهذا ليس في حمد الناس فحسب، بل في جميع أعمالك تكون متوكلا على الله في الرزق، في العلم، في كل شيء، تتوكل على الله عز وجل وتعلق قلبك بالله، فهذا من قوة اليقين والإيمان. أما إذا تعلقت بالسبب فهذا دليل على ضعف الإيمان واليقين. والثالث: أن تذمهم على ما لم يؤتك الله، لأنك علقت قلبك بالخلق. فمن الإيمان واليقين أن تعلم أنك مهما بذلت من أسباب، فإذا لم يرد الله عز وجل تحقيق هذه الأسباب لم تكن. فلذلك جعلت هذه الثلاثة من ضعف اليقين. قال: سادساً: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض، لأن في الأحاديث زجر وكذلك وعيد لمن ضعف إخلاصه بالخوف من الله سبحانه وتعالى، كحديث عائشة، وكذلك في الآيات المتقدمة. قال: سابعاً: ذكر ثواب من فعله، أي ثواب من أخلص الخوف لله عز وجل، وهو أن الله عز وجل يرضى عنه، أو يرضى عنه ويرضي عنه الناس. قال: ثامناً: ذكر عقاب من ترك، من ترك الخوف من الله وخاف من الخلق، ما هي عقوبة ذلك؟ سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، وأسخط عليه الناس. فهذا كله يدعون جميعاً إلى أن نخلص الخوف لله سبحانه وتعالى وحده، وأن يقوى يقيننا بالله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، باب الخوف. وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى الباب الذي بعده، وهو باب التوكل على الله عز وجل. ما اكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلمالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله: «وعن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً: إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله. إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره». وهذا الحديث حديث ضعيف، إسناده ضعيف؛ فيه محمد بن مروان السدي وهو ضعيف، وفيه عطية العوفي وقد قالوا عنه إنه متروك. ومعنى هذا الحديث صحيح، لكن من حيث نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإسناده لا يثبت. ووجه الشاهد من هذا الحديث ظاهر، وهو أن من يرضي الناس بسخط الله معناه أنه خاف من الناس كخوفه من الله سبحانه وتعالى، فوافقهم على ترك المأمور أو فعل المحظور استجلاباً لرضاهم. وأما قوله: «وأن تحمدهم على رزق الله»، فالمراد بأن تضيفه إليهم، هذا الرزق تضيفه إليهم وتنسى المنعم المتفضل بهذا الرزق على الحقيقة وهو رب العالمين سبحانه وتعالى. وقد يقول قائل: وهل هذا يعارض ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»؟ لا، لا يعارض؛ لأن المراد بشكر الناس عدم كفر إحسانهم، والمراد به مجازاتهم على ذلك بما تستطيع، كأن تقول: جزاك الله خيراً، وأن تعترف بإحسانه إليك، وكذلك ثبوت هذه المنفعة لك ونحو ذلك. وأما قوله في هذا الحديث: «وأن تحمدهم على رزق الله»، فالمراد أن تضيف هذا الرزق إلى هؤلاء الخلق وتنسى المنعم المتفضل على الحقيقة وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله: «وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله»، أي إذا طلبتهم شيئاً فمنعوك، أردت منهم مالاً أو مصلحة من المصالح الدنيوية فمنعوك، فقمت وذممتهم وكرهتهم على هذا الفعل. هذا مذموم، لماذا؟ لأن الله عز وجل هو الذي يوفق عباده لفعل الخير، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فإذا لم يعطك الناس مما أردت فلا تذمهم ولا تعاديهم، لأن الأمر لله سبحانه وتعالى. ولذلك قال: «إن رزق الله لا يجره حرص حريص»، يعني مهما حرصت واتخذت الأسباب في كسب مال أو شيء من أمور هذه الدنيا، فإذا لم يقدر الله لك هذا لم يصلك. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فرزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره. فإذا أراد الله شيئاً أن يقول له كن فيكون. هذا معنى هذا الحديث، والشاهد منه أوله، الشاهد منه أوله في قوله: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله». ففيه الخوف من الناس وترك الخوف من الله سبحانه وتعالى، وهذا مما ينقص الإيمان. وهذا الجزء الأول من هذا الحديث قد دل عليه الحديث الذي بعده، وهو حديث عائشة، فقال: «عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس». رواه ابن حبان في صحيحه، واختلف على هذا الحديث برفعه ووقفه، والعلامة الألباني عليه رحمة الله يصححه مرفوعاً. ومعنى هذا الحديث: من التمس رضا الله، يعني من طلب رضا الله وإن سخط عليه الناس، فإن الله عز وجل يرضى عنه، ونواصي العباد بيد الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يكافئ عبده الذي أرضاه بأن يرضى عليه الناس أيضاً. فلا تظن أنك إذا أرضيت الله عز وجل سخط عليك الناس، بل إن الله عز وجل يرضيهم، فيبعد عنهم ما قد يكنوه لك في صدورهم من البغض والكراهية ونحو ذلك. والعكس بالعكس: من التمس رضا الناس بسخط الله، قدم ما أراده الناس ولو ترك واجباً أو ارتكب محرماً، فإن الله عز وجل يسخط عليه، وكذلك يسخط عليه الناس. يقول الناس: هذا ما هو صاحب دين، هذا صاحب دنيا، انظر كيف ترك الدين وترك الحق من أجل أن ينال هذا المقصد الدنيوي، فيسخط عليك الناس. فلا أنت أرضيت ربك، ولا أنت أرضيت الناس. فقوله: «من التمس» أي خوفاً منهم، خوفاً من الناس حتى يرضوا عنه، فقدم خوفهم على مخافة الله عز وجل، فإن الله عز وجل يسخط عليه، ويسخط عليه كذلك الناس، فيسخط الله عز وجل عليه الناس. فالشاهد من هذا الحديث: الحث على تقديم الخوف من الله بطلب رضاه، ولو في سخط الناس، ولو في سخط الناس. يقول صاحب تيسير العزيز الحميد عند شرحه لهذا الحديث: «قال: وإنما يحمل الإنسان على إرضاء الخلق بسخط الخالق هو الخوف منهم». إيش الذي حمله على أن يرضي الناس ويسخط الله عز وجل؟ الخوف من هؤلاء الخلق. فلو كان خوفه خالصاً لله لم يرضهم بسخطه. لو كان المؤمن قوياً بالله لا يخاف إلا الله عز وجل، لما أرضى الناس بسخط الله. فإرضاء الناس بسخط الله هذا دليل على ضعف الخوف من الله في قلبي هذا الفاعل. وذكر ثلاث فوائد الشيخ العثيمين من هذا الحديث، فقال: «فوائد الحديث: أولاً: وجوب طلب ما يرضي الله عز وجل وإن سخط الناس، لأن الله هو الذي ينفع ويضر. فاحذر أن تقدم رضا الناس على حساب رضا الله سبحانه وتعالى. ثانياً: أنه لا يجوز أن يلتمس ما يسخط الله من أجل إرضاء الناس، كائناً من كانوا، لا يجوز ذلك، فالمقدم هو رضا الله. ثالثاً: إثبات الرضا والسخط لله عز وجل على وجه الحقيقة، لكن بلا مماثلة للمخلوق، كغيرها من الصفات الثابتة كالغضب والعجب ونحو ذلك. فهذه الصفات يثبتها أهل السنة على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى». ثم قال: «المسائل أي من هذا الباب: أولاً: تفسير آية آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، وعرفنا ما معنى يخوف أولياءه، وأن المراد بقوله أولياءه أي كما تقدم معنى أولياء الشيطان. ثانياً: تفسير آية براءة: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، وعرفنا وجه الشاهد منها وهو قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، وعرفنا الفرق بين الخشية والخوف. ثالثاً: تفسير آية العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾. رابعاً: أن اليقين يضعف ويقوى كالأيمان، كما أن الإيمان يزيد وينقص، أي يضعف، كذلك اليقين يضعف ويقوى. وهذا مأخوذ من حديث أبي سعيد الذي قلنا فيه ضعف، وهو قوله: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله». قال: خامساً: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث، يعني علامة ضعف اليقين هذه الثلاث التي وردت في هذا الحديث: أولها أن ترضي الناس بسخط الله، وثانيها أن تحمدهم على رزق الله، والثالث أن تذمهم على ما لم يؤتك الله. هذا كل يدل على ضعف اليقين، لأن يقينك بالله فيه أن رضا الله هو المقدم على رضا خلقه، وأنك إذا أرضيت الله أرضى الله عز وجل عنك الخلق، يكون عندك يقين بهذا ما فيه أدنى شك. وأيضاً أن تحمدهم على رزق الله يعني فيه ضعف اليقين من حيث ماذا؟ من حيث أنك نسبت السبب إليهم، وهذا فيه ضعف للإيمان واليقين. فالمقدر هو الله سبحانه وتعالى. فمن علم أن الخلق إنما هم أسباب قد تتحقق وقد تتخلف، ومن هو مسبب السبب وموجد السبب ومحقق السبب؟ إنه الله سبحانه وتعالى. فليكن يقينك بالله عز وجل. وهذا ليس في حمد الناس فحسب، بل في جميع أعمالك تكون متوكلا على الله في الرزق، في العلم، في كل شيء، تتوكل على الله عز وجل وتعلق قلبك بالله، فهذا من قوة اليقين والإيمان. أما إذا تعلقت بالسبب فهذا دليل على ضعف الإيمان واليقين. والثالث: أن تذمهم على ما لم يؤتك الله، لأنك علقت قلبك بالخلق. فمن الإيمان واليقين أن تعلم أنك مهما بذلت من أسباب، فإذا لم يرد الله عز وجل تحقيق هذه الأسباب لم تكن. فلذلك جعلت هذه الثلاثة من ضعف اليقين. قال: سادساً: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض، لأن في الأحاديث زجر وكذلك وعيد لمن ضعف إخلاصه بالخوف من الله سبحانه وتعالى، كحديث عائشة، وكذلك في الآيات المتقدمة. قال: سابعاً: ذكر ثواب من فعله، أي ثواب من أخلص الخوف لله عز وجل، وهو أن الله عز وجل يرضى عنه، أو يرضى عنه ويرضي عنه الناس. قال: ثامناً: ذكر عقاب من ترك، من ترك الخوف من الله وخاف من الخلق، ما هي عقوبة ذلك؟ سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، وأسخط عليه الناس. فهذا كله يدعون جميعاً إلى أن نخلص الخوف لله سبحانه وتعالى وحده، وأن يقوى يقيننا بالله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، باب الخوف. وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى الباب الذي بعده، وهو باب التوكل على الله عز وجل. ما اكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.