الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 117، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يفسر الشيخ محمد بن عبد الوهاب حديث أبي هريرة الذي يعدّ الطعن في النسب والنياحة على الميت من أعمال الكفر الأصغر، موضحاً أن الكفر هنا لا يخرج من الملة. ويبين معاني الطعن في النسب كنفيه أو عيبه، والنياحة كرفع الصوت بالندب والتسخط على القدر، مع استثناء كلمات يسيرة صادقة غير متسخطة.
يبيّن المقطع جواز البكاء اليسير والجزع الصادق دون رفع صوت أو تسخط، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وفاطمة رضي الله عنهما، ويحرم النياحة المتمثلة في ضرب الخدود وشق الجيوب ودعاء الجاهلية. ويوضح أن البكاء رحمة لا ينافي الرضا بالقضاء، بينما النياحة تدل على التسخط، وأن حديث «ليس منا من ضرب الخدود...» وعيد زجر لا يكفر فاعله عند الجمهور.
يشرح المقطع أن ألفاظ الحديث (ضرب الخدود، شق الجيوب، دعوة الجاهلية) وردت على سبيل الغلبة لا الحصر، فيدخل في الوعيد كل فعل يدل على التسخط والاعتراض على قضاء الله كضرب الرأس أو الصدر، وتمزيق الثوب من أي موضع، وكسر الأواني، ورمي الهاتف، وهدم الجدران، وإتلاف الطعام، وضرب الرأس بالجدار، ونحو ذلك من مظاهر الجزع عند المصيبة.
يختم الدرس بتلخيص جامع للسخط على القضاء والقدر بأنه أي قول أو فعل يدل على التسخط والاعتراض، ويعلن المعلم الاكتفاء بهذا القدر على أن يكمل بقية الباب في درس قادم.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب "من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله": قال: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت». وقوله: «إثنتان في الناس»، العدد لا مفهوم له، فليس من أعمال الكفر العملي هاتان الخصلتان فقط، وإنما يؤتى بالعدد لتقريب المعنى أو الفهم لدى المستمع. وقوله: «هما بهم كفر»، يراد بالكفر هنا الكفر الأصغر، فليس معنى أن من اتصف بصفة من هاتين الصفتين كافر يخرج من الملة، لا، وإنما المراد به الكفر الأصغر الذي هو دون الكفر الأكبر. فالكفر كفران: كفر أكبر، وكفر أصغر، وبينهما فروق كثيرة، ومنها أن الكفر الأكبر يخرج عن الملة، والكفر الأصغر لا يخرج عن الملة. وقوله: «الطعن في النسب»، يقول ابن العثيمين: أي العيب فيه أو نفيه، فهذا عمل من أعمال الكفر. والعيب فيه: كأن ترمي هذا النسب بمثلا دناءة أو بمسبة، فهذا من الطعن في النسب. ومن الطعن في النسب: نفي الأنساب المثبتة، كأن تقول وقد انتسب فلان إلى قبيلة كذا: "أنت لست من قبيلة كذا"، تنفي عنه النسب إلى القبيلة التي ينتمي إليها، فهذا أيضاً من الطعن في النسب. فلا يجوز أن ترمي صاحب نسب بعيب أو نقص أو مذمة، وكذلك لا يجوز أن تنفي من الأنساب ما ثبت نسبها. وقوله: «والنياحة على الميت»، قال ابن العثيمين: هذا هو موضع الشاهد، فالنياحة من التسخط، والذي هو خلاف الصبر. والنياحة مأخوذة أو مأخوذ من نوح الحمام، لأن الباكي يبكي على صفة نوح الحمام، يعني صياح الحمام. يقول: الحمام ينوح، أن يصيح، فهكذا المتسخط عند بكائه يشبه هذا البكاء نوح الحمام، فسميت هذه الصفة "النياحة". النياحة ومعناها: رفع الصوت، رفع الصوت بالندب، بتعديد شمائل الميت على وجه التسخط على القدر، كأن يبكي المصاب ثم يقول أثناء بكائه: "وعضداه"، أي أن هذا الميت كان عضداً له، أو "وناصراه"، أي كان هذا الميت ناصراً له، أو "وكاسياه"، أو "وطعاماه"، كان يكسوه ويطعمه. هذه كلها من ألفاظ التسخط على القدر. ومن النياحة: الصالقة التي ترفع صوتها بالبكاء وإن لم تخرج كلمات مفهومة، وإن لم تخرج كلمات مفهومة، فالتي تصلق أي ترفع الصوت عند المصيبة وعند البكاء، فهذا يدخل في معنى النياحة، يدخل في معنى النياحة. ومما يستثنى من النياحة: خروج كلمات يسيرة وهي كلمات فيها من الصدق، فهذا لا بأس به، كانت يسيرة وليست بصوت مرتفع جداً. واستدل العلماء على جواز ذلك، وبشرط أيضاً لا يكون على صورة التسخط أو على وجه التسخط، وإنما على وجه ذكر أحوال، هذه الأحوال صدق في ما يقال عن هذا الميت. واستدل على هذا بما جاء عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما مات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكشف عن وجهه فقال: «وانبياه، وخليلا، وصفيا». فحمل العلماء قول أبي بكر هذا على أنها كلمات صادقة، فهو نبي، وهو خليل الرحمن، وهو صفي الرحمن لأن الله اصطفاه لأن يكون نبياً ورسولاً، فقال العلماء: هذا ليس من النياحة المحرمة. وكذلك يستدل لهذا ما جاء عن فاطمة رضي الله تعالى عنها، كذلك لما مات أبوها فندبته فقالت: «يا أبتاه، أجاب رباً دعاه يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه». فحمل العلماء مثل هذه الكلمات على الشيء اليسير الذي لم يُقل على سبيل التسخط، على سبيل التسخط، وهو شيء يسير، وفيه كلمات صادقة، ما فيه مبالغة ولا كذب ولا شيء من ذلك. وكذلك مما يستثنى: البكاء اليسير الذي لا يكون معه رفع الصوت، وإن كان فيه شيء من يعني التنهس كما يقال، لكن ما فيه رفع صوت، ولا فيه دعاء بالثبور أو بالويل أو بالهلاك، فهذا لا بأس به. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ولده إبراهيم بكى عليه الصلاة والسلام، وقال: «إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». وبلغ الصحابة لما مات ابن لإحدى بناته فبكى عليه الصلاة والسلام، فكأن الصحابة قالوا: "حتى أنت يا رسول الله؟"، فقال: «هذه رحمة يرحم الله بها من يشاء من عباده». فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، ولا ينافي الرضا بقضاء الله، لا ينافي الرضا بقضاء الله». بخلاف البكاء الذي يبكيه الشخص لفوات حظه منه، أو البكاء عليه لفوات حظه منه، ذكر ذلك في "مجموع الفتاوى". فالبكاء على الميت من غير رفع صوت، كما قال شيخ الإسلام: إذا كان على سبيل الرحمة لا على سبيل التسخط والاعتراض على قضاء الله وقدره، فهذا حسن مستحب، وقد فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الشاهد من هذا الحديث: أن من الصبر على أقدار الله ترك ما يدل على التسخط، ومن ذلك النياحة، فترك النياحة من الصبر على أقدار الله. قال: «ولهما عن ابن مسعود» يعني البخاري ومسلم، لهما يريد البخاري ومسلم، عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً، أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». ومعنى «ليس منا»: يقول الإمام أحمد: هذا من نصوص الوعيد، تمر على ظاهرها لتكون أبلغ في الزجر، مع اعتقاد أن صاحبها لا يخرج من الملة أو من الإسلام. هذا كلام لإمام أحمد. ومن أهل العلم من قال: إن المراد بمثل هذا اللفظ «ليس منا» أي ليس من أهل سنتنا وطريقتنا، ليس من أهل سنتنا وطريقتنا. فأهل العلم أجمعوا على أن هذه اللفظة لا تدل على خروج فاعلي ما جاء فيه هذا الوعيد من الإسلام، لا يخرج من الإسلام. لكن منهم من قال: لا نتعرض لها بتأويل، ونذكرها كما جاءت ليكون ذلك أبلغ في الزجر، وهذا قول الإمام أحمد. ومنهم من ذكر أن المراد: ليس من سنتنا وطريقتنا. وقوله: «من ضرب الخدود»، الخد معروف الذي يأتي في جانبي الوجه، هذا خد وهذا خد، فهذا هو الخد. وخص الخد بذلك لكونه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثله، قال ذلك الحافظ ابن حجر. يعني لو إنسان أصيب بمصيبة ما لطم خده، إنما مثلاً لطم جبهته، يقول: هكذا، هل هذا من النياحة؟ ها، هل هذا من النياحة؟ هل هذا من ما جاء في هذا الوعيد؟ ها، من يجيب؟ ها، كيف؟ نعم، هذا من النياحة، هذا من النياحة. لماذا؟ لأن الحديث ما ذكر الحصر والتخصيص، وإنما ذكر الغالب، فالغالب في صاحب المصيبة أنه يضرب خديه، يضرب ماذا؟ خديه. فخرج ذكر الخدود، ما خرج الحصر، ما خرج الغالب. فمن ضرب جبهته، أو ضرب صدره، أو ضرب أي جزء من أجزاء جسده مما يدل على التسخط وعلى الاعتراض على قضاء الله وقدره، فيدخل في هذا الوعيد، يدخل في هذا الوعيد. بل من ضرب رأسه بجدار أو بسارية أو نحو ذلك فهو أيضاً يدخل في هذا الوعيد، لأن هذا فيه معنى التسخط على قدر الله. وقوله: «وشق الجيوب»، وشق الجيوب، الجيوب جمع جيب، والجيب هو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب، هذا يسمى جيب. تمام. فعند المصيبة يمزق هذا الجيب، يشد عليه حتى يمزقه، حتى يمزقه، فهذا أيضاً يدل على التسخط والاعتراض على قضاء الله وقدره. طيب، وهل يشمل من مزق ثوبه من أسفل أو من الجنب؟ نعم، يدخل، وإنما ذكرت الجيوب لأنها كذلك خرجت مخرج الغالب. بل ذكر أهل العلم أن من رمى السماعة عندما سمع الخبر، فرمى السماعة، سماعة الجوال، أو رمى الجوال، أو كسر الصحون، أو كسر الزجاج، أو كذلك كسر الأواني، أو نحو ذلك، كل هذا يدخل في هذا المعنى. فالجامع لما جاء في هذا الحديث هو إظهار الجزع والتسخط والاعتراض على قضاء الله وقدره بأي كيفية كانت وبأي صورة كانت. من يضرب رأسه، أو يضرب يده، أو كذلك يكسر شيئاً، أو يرمي بشيء، أو يعني يطعن بشيء، أو نحو ذلك عند المصيبة، فهذا كله يدل على معنى التسخط والاعتراض على قضاء الله وقدره، فيدخل في هذا المعنى. وقوله: «ودعا بدعوة الجاهلية»، قال ابن العثيمين: «بدعوة الجاهلية»، كل دعوة من شأنها الجاهلية، أي دعوة مبناها على عمل أهل الجاهلية، فهو يدخل في هذا المعنى. قال ابن العثيمين: ومثله، كأنه يريد: ومثله، يعني مثل ضرب الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوة الجاهلية: هدم البيوت، أي عند المصيبة، عند المصيبة يذهب ويهدم جداراً، أو كذلك يفسد جداراً، فيه رنق، فيه بوية، يأتي بالسكين ويفسد هذا الجدار، هذا يدخل في هذا المعنى. وكسر الأواني، يكسر الأواني، يكسر التصوت والفجاجين، وعند المصيبة هذا أيضاً يدخل في هذا المعنى. وتخريب الطعام، عنده الرز في الصحن، جاءه الخبر، أخذ الصحن ورمى به في التراب، هذا أيضاً يدخل في هذا المعنى. ونحوه مما يفعله بعض الناس عند المصيبة: ضرب الرأس على الجدار، هذا أيضاً يدخل في هذا المعنى. ضرب اليدين على الرأس، ومصيبته ويضرب على رأسه كذلك، هذا يدخل في هذا المعنى. الجامع لهذا كما تقدم: أي قول أو فعل يدل على التسخط وعلى الاعتراض على قضاء الله وقدره. نكتفي بهذا اليوم، ونكمل بقية ما ورد في هذا الباب في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً.