الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 122، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع قصة تنازل سودة بنت زمعة عن ليلتها لعائشة رضي الله عنهما بسبب خشيتها من الطلاق لكبر سنها، وأشار إلى جواز تنازل الزوجة عن حقها لزوجها إذا كان في ذلك مصلحة.
صنع المنبر للنبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثامنة من الهجرة لتسهيل خطبه، وكان ذلك استجابة لمقترح من الأنصار، وأدى إلى بكاء جذع النخلة الذي كان النبي يتكئ عليه سابقا.
انتقد النص المنابر الحديثة في المساجد لطولها وتأثيرها على ترتيب الصفوف، وقارنها بمنبر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان من ثلاث درجات، وأشار إلى فضائل منبر الرسول.
ختم المقطع بذكر بعض الأحداث المتعلقة بالنبي محمد وصحابته، مثل توزيع نوبة عائشة على سودة وبناء المنبر، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال النظم رحمه الله تعالى: ووهبت نوبتها لعائشة سودة ما دامت زمانا عائشة وعمل المنبر غير مختفي وحج عتاب بأهل الموقفي في هذين البيتين، إخواني في الله، أشار النظم رحمه الله تعالى إلى بعض الحوادث التي وقعت في زمنه عليه الصلاة والسلام، وخصوصا في السنة الثامنة من الهجرة. وأشار إلى ثلاث مسائل. أولاها ما جاء في قوله رحمه الله تعالى: «ووهبت نوبتها لعائشة سودة ما دامت زمانا عائشة». سودة رضي الله تعالى عنها، وقد مضى معنا الحديث عنها، وأنها من زوجاته عليه الصلاة والسلام. قامت بإعطاء نوبتها وليلتها إلى عائشة رضي الله تعالى عنها. وفعلت سودة ذلكم طلبا لرضى النبي عليه الصلاة والسلام. فالأصل أن النبي كان يقسم لكل زوجة ليلة، فقامت سودة رضي الله تعالى عنها بإسقاط ليلتها وأعطت هذه ليلة لعائشة، فأخذ نبينا صلى الله عليه وسلم يقسم لكل زوجة ليلة إلا عائشة، فكان يعطيها ليلتين: لليلتها ولليلة سودة التي وكلتها بها. ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: خشية سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلقني وأمسكني. ولماذا هذه الخشية؟ قال العلماء: بأن سودة رضي الله تعالى عنها لكبر سنها، وجدت أنها لربما ما ستعطي رسول الله ما يريده منها، فخشيت أن النبي إذا عزف عنها أنه يفارقها ويطلقها. إلا أنها أحبت أن تبقى معه، فحينها ماذا فعلت؟ تنازلت عن ليلتها. إذا كانت ليلتي أنا لا أريدها، فقط اجعلني في عصمتك. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: خشية سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة. ففعل نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزل قول الله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾. وهذا الحديث ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. وفي هذه الحادثة، إخواني في الله، والتي جعلها الناظم رحمه الله تعالى من حوادث السنة الثامنة، في هذه الحادثة أو مسألة، فيه الأصل على أن الزوجة ينبغي أن يتقي الله في زوجته، وأنه ينبغي أن يعطيها حقها كاملا مكملة من كل الجوانب الحياة: من المبيت، من العشرة، من النفقة، من المعاملة. «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». هذا الأصل لا يفرط في حق الزوجة. ثم بعد ذلكم، إذا خشي الزوج أن العشرة الزوجية لا تستديم إلا بشيء من النقص، علم الزوج أنه بعشرة مع زوجته لا يمكن أن يعطيها حقها كاملا، لربما لأشياء فيه هو كزوج: لضعف، لإقلال مادي، لمرض ألم به. فيرى أنه بعشرته لزوجته وهو على هذه الحالة لربما ما يعطيها حقها. أو أن يكون العِلل في المرأة، أن المرأة اتصفت بالصفات من مرض، من حالة، من علة، لربما يجد الزوج أنه لوجود هذه العلة ما يستطيع أن يؤدي حق المرأة كاملا الذي ينبغي. فحينها الزوج سيقول: أنا بهذه الحالة، سواء كان العيب في أو فيها، سأهضم هذه المرأة، وسأجعل نفسي في إثم. ولهذا ماذا يفعل؟ يعطيها الطلاق والفرق تذهب، ولا يضيق عليها لأنه يبقيها في عصمته وهو يضيق عليها لوجود هذه العلة إما فيه أو فيها. فحينها يطلقها، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. هذا إحسان تتقي الله جل وعلا في هذه المرأة، بأنك لا تجعلها وسيلة لأن تكسب على نفسك من السيئات، وأن تجلب على نفسك سخط الله. لا تضيق على الناس وعلى أمة الله، إلا إذا أن المرأة لا... وهذا الذي أراده نبينا، أراد أن يطلق السودة، وأن يطلقها حتى لا يهضمها حقها. إلا أن تأتي الحالة الثالثة، إلا إذا المرأة وافقت أن تتنازل عن حقها. حقي إذا كان حقي بيات ما أريده، إذا كان نفقة ما أريده، ما أريد شيء منك. خلاص يكفي، يكفي أني أعيش معك، يكفي أني زوجة، يكفي أن تحت عيالي، يكفي أننا نكفت بعضنا بعضا، يكفي أننا قد جمع الله شملنا في الدنيا، ونسأل الله يجمع شملنا في الآخرة. المرأة تتنازل، هل لها ذلك؟ نعم، يجوز لها ذلك أن تتنازل في سبيل أن تبقى، لكن بشرط أن يكون هذا التنازل برضاها هي، هي التي ترضى، لا على الذي نسمعه من كثير من المشاكل الأسرية. تجد أن الحل أن المرأة تتنازل، لكن ليس هو يسمى تنازل، لكن في الصحيح وليس تنازل، وإنما هو إكراه، أن الزوج يغصب ويلزم المرأة بأن تتنازل عن شيء من حقوقها إلزاما، وإلا هددها. ما يجوز هذا. ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم ما ألزم سودة بشيء، إلا هي أنها هي التي بادرت بهذا: لا تطلقني وأمسكني، وأما حقي أنا متنازل عنه. فإذا فعلت ذلك لها جازة ذلك. أما أن الزوج يخضم ويلزم المرأة ويغصبها ويكرها على إسقاط حقوقها قصبا وقهرا وعمدا، هذا إثم. فبهذا يستفاد مما جرى من فعل نبينا عليه الصلاة والسلام: أولا، على أن الزوج ينبغي أن يعطي المرأة حقها كاملا مكملا. ثانيا، على أن الزوج إن خشي أنه يقصر في أداء حق المرأة لعلة فيه أو فيها، إذن لا يضيق عليها، ويجعلها المجال في أنها تذهب إلى بيت أهلها، وهذا هو الإحسان معها. وثالثا، إلا إذا أن المرأة أبت إلا أن تبقى بكامل رضاها، وأنها تسقط من حقها ما تسقط، فلها ذلك، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿والصلح خير﴾. ثم في البيت الثاني، أشار الناظم إلى العمل أو الحدث الثاني، قال: «وعمل المنبر غير مختفي». المنبر عمل المنبر، وهو الذي يرتقي عليه النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة، وفي المحافل، ولكي يقوم في مجامع الرجال ومجامع الناس. عمل له المنبر في السنة الثامنة من الهجرة، كما أشار إلى ذلك العلماء. قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: وفي سنة ثمان، فصل أو عمل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطب عليه. وكان يخطب إلى جذع، إلى جذع، فحن الجذع حتى سمع الناس صوته، فنزل فوضع يده عليها فسكن. وهو أول منبر عمل في الإسلام، هكذا قال ابن الأثير رحمه الله تعالى. وهكذا قال بهذا ابن النجار رحمه الله، وجزم به، ومال إليه الحافظ ابن حجر، على أن هذا المنبر صنع لرسول الله في سنة ثمان من الهجرة. يذكر العلماء في عمل منبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل ذلك يخطب بالناس قائما، فإذا أعياه التعب عليه الصلاة والسلام من طول القيام، كان يسند ظهره إلى نخلة، لأن سواري مسجده كان من جذوع النخل. فكان يلصق أو يتكى بظهره على جذع نخلة يتكى عليه، يسنده، يعينه في قيامه. علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالأمر الذي ألم برسول الله والتعب الذي أصابهم من طول قيامه، فجاء حينها هذا المقترح أن يصنع له منبر عليه الصلاة والسلام، حتى قال الراوي: قال نصنع لك شيئا تقعد عليه، وكأنك قائم، تصعد عليه، أي تقعد عليه وكأنك قائم، يعني هو قعود وبنفس الوقت قيام، كما هو في أمر المنبر. فوافق نبينا صلى الله عليه وسلم على هذا المقترح، وكان هذه الفكرة من أهل من الأنصار. فصنع له عليه الصلاة والسلام منبر، وكان هذا المنبر الذي صنع لرسول الله عليه الصلاة والسلام من خشب. فلما أدخل المنبر إلى مسجده، وارتقى عليه نبينا وخطب بالناس، جذع النخلة الذي كان يتكى عليه نبينا ماذا؟ كما في الصحيحين، أنه بكى، بكى لما علم أن النبي قد تركه واستعوضه بهذا المنبر. فنزل نبينا من على منبره عندما سمع بحنين الجذع، وضمه إلى صدره، ويسكته حتى سكت عليه الصلاة والسلام. الشاهد أن هذا المنبر هو الذي أقامه عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك في السنة الثامنة من الهجرة. وهنا أشار الناظم إلى مسألة، قال: «وعمل المنبر غير مختفي». لماذا أشار إلى كلمة «غير مختفي»؟ قال الشراح: لعل الناظم رحمه الله تعالى أراد أن ينوه على المنابر التي كانت في زمنه، لأن المنابر قد وقع فيها الخطأ بعد ذلك، إذ أن من المنابر التي وقعت في بعض الأزمان أن تكون مختفية. كيف مختفية؟ تكون في داخل المحراب، بحيث من يكون في المسجد في الميمنة أو في الميسرة لا يستطيع أن ينظر إلى الإمام وهو يخطب، لماذا؟ لأن المنبر في الداخل، وإنما الذي يستطيع أن يدرك الإمام من كان أمامه. فكأنها المنابر كانت على هذه الصورة. ولهذا أراد الناظم رحمه الله تعالى أن يبين لهؤلاء خطأ هذا المنبر الذي صنع في هذه الأزمان، وأن منبر الرسول عليه الصلاة والسلام كان ظاهر غير مختفي، ظاهر غير مختفي. وكذلك مما نذكر من أخطاء المنابر، إخواني في الله، أن بعض المنابر لربما كانت طويلة، طويلة جدا، حتى أنها تشق الصفوف. وقد هذا قد وجد، ولا زال يوجد في بعض المساجد. تجد مثال مثل المساجد تكون فيها المنابر بعيدة نوعا ما، إلى أن يأتي يوم الجمعة، تجر المنابر، فإذا بمنبر عبارة عن درج، يعني أشبه مثلاً تعرفون درج المطار، درج المطار، من يسافر بالطائرة يؤتى له بسلم طويل، هكذا، هكذا يوجد في بعض المساجد عبارة عن درج طويل، وفي نهاية منبر يسحب ويضاف. تخيل هذا يوضع أمام الصفوف، فتجد أن الصف الأول والثاني لربما الثلاث يتقطع بالمنبر، لأن الإمام يصعد يصعد يصعد إلى الأعلى، فيشق الصفوف الأول إلى ميمنة وميسرة. وهذا وجد، ولا يزال يوجد في بعض الجوامع، وهذا خطأ، خطأ يا عبد الله. ستتعرف على هذا الخطأ إذا تعرفت على منبره عليه الصلاة والسلام الذي صنع، كان من ثلاث درجات، كما جاء في الحديث الصحيح. كان يصعد على الأولى والثانية، ويجلس على الثالثة. كهذا المنبر الموجود في مسجدنا، ولله الحمد. وقد جرى عمل الناس، ولله الحمد، في مساجدهم على مثل عمل هذه المنابر، تأسيا بمنبره عليه الصلاة والسلام. يصعد الإمام على الدرجة الأولى، ثم الثانية، والثالثة يجلس عليها. وهذا الذي عليه العمل، والله الحمد. بل هذا المنبر الذي صنع لرسول الله دامت به مدة، فقد وجد في عهد أبي بكر، وهو نفسه عمر، إلى عهد عمر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، الخلفاء الأربع، كلهم كانوا على منبره عليه الصلاة والسلام، ما غير ولا بدل. حتى بعد ذلك جاء في زمان مروان، أزاد عليه ست درجات، ثم أصيب بحريق في أحد العوام حتى احترق، ثم غير المنبر منبره عليه الصلاة والسلام. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بالمنبر. وطبعا منبر الرسول عليه الصلاة والسلام قد جاءت في فضائله كثيرة. قال عليه الصلاة والسلام: «من بري على حوضي». من فهم هذا الحديث، أو من أقوال العلماء في شرح هذا الحديث، أي أن منبره يؤتى به، ويوضع على حوضه عليه الصلاة والسلام. هذا قول. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». وجاء في مسند الإمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «منبري على ترعة من ترع الجنة». منبري على ترعة من ترع الجنة، ترعة بمعنى روضة من رياض الجنة. فمنبره عليه الصلاة والسلام كانت له فضائل تذكر في مضانها. قال رحمه الله تعالى: «وحج عتاب بأهل الموقفي». عتاب وهو ابن أسيد، رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل. قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: قال أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة لما سار إلى حنين، واستقر. فعتاب كان من مسلمة الفتح، وكان شابا بالعمر العشرين، إلا أنه علم بالزهد والورع، رضي الله تعالى عنه. ولهذا استعمله نبينا صلى الله عليه وسلم أميرا على أهل مكة، وكان من أوائل الأمراء، من أوائل الأمراء، وجعلوا على أهل مكة. وكان من أول من صلى بأهل مكة جماعة بعد فتحها، رضي الله تعالى عنه. فقال: «وحج عتاب بأهل الموقفي»، أي أن أهل مكة هو الذي حج بهم عتاب، رضي الله تعالى عنه. وكان ذلك في السنة الثامنة. ولهذا قال إمام ابن كثير رحمه الله تعالى: فكان أول من حج بالناس من أمراء المسلمين. وقال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: هو أول أمير أقام الحج في الإسلام. فالحاصل أن عتاب رضي الله تعالى عنه كانت له فضيلة عظيمة، حينما وكله نبينا صلى الله عليه وسلم على إمارة مكة، فأقامها، وأقام من خلالهم شعائر الدين، وخاصة ما كان من شعيرة الحج. واختلف العلماء بعد ذلك في موت عتاب، متى مات؟ قيل أنه مات في نفس اليوم الذي مات فيه أبي بكر. قيل هذا، أنه مات في نفس اليوم الذي مات فيه أبي بكر، رضي الله تعالى عنه. ومن من قال: لا، بأن عتاب أطال الله في عمره، فمات في أواخر أيام عمر. والله تعالى أعلم. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بهذين البيتين من حوادث السنة الثامنة. قال: «ووهبت نوبتها لعائشة سودة ما دامت زمانا عائشة، وعمل المنبر غير مختفي، وحج عتاب بأهل الموقف». إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.