الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 124، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن قصة مسجد الضرار الذي بناه أهل النفاق في المدينة بهدف الضرار وتفريق المؤمنين، وأمر النبي بهدمه بعد رجوعه من غزوة تبوك. كان بناؤه بمشورة من أبو عامر الراهب الفاسق.
في السنة التاسعة أمر النبي أبا بكر أن يخرج ببعض الناس للحج، ثم أرسل عليًا لتلاوة سورة براءة لإعلان انتهاء الهدنة مع المشركين. قرأ علي السورة يوم النحر عند الجمرة.
شرح تفاصيل حج أبو بكر بالناس في السنة التاسعة للهجرة وبراءة علي من المشركين، وتأكيد منع المشركين من الحج وطواف العراة حول الكعبة.
المقطع يشير إلى أحداث وقعت في السنة التاسعة للهجرة، ويذكر حادثة حج أبو بكر ونزول سورة براءة وتلاوة علي لها.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: ثم تبوك قد غزى في التاسعة وهد مزيد الضرار رافعة أشرنا في درس أمس ما يتعلق بالشطر الأول من هذا البيت في ذكر أهم حوادث غزوة تبوك، والتي حصلت في السنة التاسعة. وفي هذا اليوم نستكمل ما بقي في الشطر الباقي من البيت، في قول الناظم رحمه الله: "وهد مزيد الضرار رافعة". وهد أي الضمير يعود إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أمر بالهد، والهد بمعنى الهدم والتكسير. هد ماذا؟ قال: "مزيد الضرار". ومزيد الضرار إخواني في الله قصته أنه مما له تعلق في السنة التاسعة، وخاص أنه من الحوادث اللصيقة بغزوة تبوك. ومرجع ذلك يعود إلى أن جماعة من أهل النفاق، قيل إن عدتهم إثني عشر منافقًا، قاموا ببناء مسجد، وحجتهم أن هذا المسجد يكون لذوي الحاجات وينفع في الليالي الشاتيات، يكون بالمتناول الذهاب والإياب لمن أراد من المسلمين، هكذا زعموا. فأتوا الرسول عليه الصلاة والسلام يريدون منه المباركة لهذا الذي فعلوه، فطلبوا منه أن يأتي إلى هذا المسجد الذي بنوه ويصلي، كما يقال من باب التدشين. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتذر لهم لأنه كان يستعد للسفر إلى تبوك، كما قلنا، لهذا هي من الحوادث اللصيقة بتبوك. اعتذر نبينا قال: "حاليا فأنا على جناح سفر"، لكن وعدهم عليه الصلاة والسلام أنه إذا رجع سيلبي ما أرادوا. فلما كان الأمر كذلك، رجع نبينا صلى الله عليه وسلم من تبوك، ففي أثناء طريقه أنزل الله جل وعلا على رسوله هذه الآيات المتعلقة بمسجد ضرار، فقال سبحانه وتعالى: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾. أشار هذه الآية أشارت إلى صفات هذا المسجد الذي بنوه أصحابه، بأنه أولًا هذا المسجد مسجد ضرار، ضرار لأنه بنوه مضارة لمسجد قباء. لمسجد قباء لأنه كان بجواره، بجواره، فجعلوا هذا بجانب هذا، أرادوا أن يضروا بمسجد قباء بمسجدهم، فكان مسجدًا ضرارًا. وأيضًا لما فيهم يضرر. وكان من صفة هذا المسجد أنه كفر، وكفرًا وجه الكفر فيه أن فيه تقوية لأهل النفاق، تقوية لأهل النفاق. وأيضًا من صفته "تفريقًا بين المؤمنين"، أين بين جماعتهم والتفريق لكلمتهم، إذ أنهم دأبوا على الاجتماع في مسجد قباء، لكن بهذا المسجد المناوئ ستنفصل الجماعة وسيتفرق المسلمون هنا وها هنا. وأن هذا المسجد الذي أقاموه في الحقيقة إرصاد أي إعداد لمن حارب الله ورسوله من قبل. ذكر المفسرون أن هذا المسجد الذي بناه أهل النفاق إنما كان بمشورة من رجل يقال عنه أبو عامر الراهب، وهو أبو عامر الفاسق. أبو عامر هذا كان في الجاهلية من أهل المدينة وكان نعم على تعبد وعلى تنسك، فلما هاجر نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كفر هذا الرجل أبو عامر كفر برسول الله وخرج من المدينة، وما طاق أن يمكث فيها. وليس هذا فحسب، بل أخذ يشن الهجمات الكلامية والدعاءات المضللة، وأراد أن يهيج الناس على رسول الله، فذهب إلى مكة، حرص على أن يجمع من يجمع، ما استجاب له أحد، فحتى قيل إنه ذهب إلى بلاد الروم عل وعسى أن يستنجد بهم، لكنه هلك. لكن هذا الرجل كان من رأيه أنه يتواصل مع من هم في المدينة «بين قوسين أهل النفاق» بين أهل النفاق يتواصل معهم، فأشار عليهم أن يبنو هذا المسجد مسجد الضرار، يكون همزة وصل بينه وهو الذي أرصد الحرب على الله ورسوله بين أهل النفاق، فيكون هذا وكر من أوكارهم. فهذه الصفات التي كان بها مسجد الضرار ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله، هذا المسجد ما مآله؟ قال فيه ربنا مخاطب النبي: "لا تقم فيه أبدًا"، هذا ما يقوم، ولا لك أن تقوم فيه لا بصلاة ولا بعبادة، بل ما يقام. ولهذا لما وصل نبينا صلى الله عليه وسلم المدينة مع وجود نزول هذا الوحي عليه، استدعى نبينا من استدعى، استدعى مالك بن الدخشم رضي الله تعالى عنه آخر، وقال: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، وماذا؟ وأحرقوه". فقاموا بإحراقه ونسفه. هذا إخواني في الله ما يتعلق بهذا المسجد، وهي من حوادث السنة التاسعة. فقول الناظم رحمه الله تعالى: "وهدى أي رسول الله مسجد الضرار رافعة"، أي رافعًا لضرره عليه الصلاة والسلام، أي بهده وبنسفه رفع الضرر الذي كان من المتوقع أن يحصل إذا بني وإذا شيد. هذا الذي يتعلق بهذا البيت. ثم قال الناظم رحمه الله: "وحج بالناس أبو بكر، وثم تلا براءة علي وحتم أن لا يحج مشرك بعد ولا يطوف عار ذاك لأمر فعلا". في هذه الأبيات كذلكم المؤلف رحمه الله تعالى يذكر لنا شيئًا من حوادث السنة التاسعة. ففي قوله رحمه الله تعالى: "وحج بالناس أبو بكر" في السنة التاسعة أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يخرج ببعض الناس معه إلى مكة حجًا، ويكون هو الذي عليهم يستعمله عليهم. فخرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه بثلاثمائة رجل، وأرسل معه نبينا صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة، كان هذا كما قال المؤرخون في أواخر ذي القعدة. قال: "وحج بالناس أبو بكر، وثم ماذا صار تلا براءة علي وحتم". تلا أي قرأ براءة، أي سورة براءة، من الذي تلاها؟ تلاها علي رضي الله تعالى عنه، وذلك أنه قرأها على الناس في هذا الموسم على أهل الموقف. وقوله رحمه الله تعالى: "وحتم" أي ماذا؟ هذا أمر قاطع مقطوعًا به، وذلك لروايات المستفيضة في هذا الصدد، إذ أن عليًا رضي الله تعالى عنه قام يوم النحر وقرأ على الناس صدرًا من سورة براءة، وفيها قوله سبحانه وتعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾. وكان ذلك في يوم النحر. قال الإمام بن سعد رحمه الله تعالى: "لحق علي بن أبي طالب أبا بكر، فقال له أبو بكر: استعملك رسول الله على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أن أقرأ براءة على الناس، وأن أنبذ إلى كل ذي عهد عهده". والشاهد من هذه المسألة، وحتى نفهم الصورة كيف بعث نبينا أبا بكر وبعث علي، قال العلماء: أن النبي أول من أرسل أرسل الصديق هيئ له وفد من الحجيج وأرسله أن يذهب إلى مكة. فلما ذهب أبو بكر بهذه الحملة إلى الحج، بعد ذلك نزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام الوحي، ومنها سورة براءة، وفيها الإخبار بالكفار والمشركين الذين أبرموا العقود والعهود مع رسول الله أنها لن تجدد، وأنه ينبغي أن يخبر بهذا في موسم الحج، لأن القبائل كلها تجتمع، لأن مكة لا زالت هي متاحة للجميع، متاحة للجميع يأتيها من يأتيها، من كان من أهل الإسلام ومن كان لا زال على كفره، من كان لا زال على كفر يأتيها، لأنها قديمًا كانت ولا زالت يأتيها من يأتيها، لا أحد يمنع من أتاها. فأراد نبينا أن هذه البراءة تقرأ في الموقف حتى يسمع بها القاصي والداني، ويتعرف أهل الشرك على أن مدة الصلح والهدنة بينه وبينهم قد انتهت ولن تجدد ولن تمدد، فحينها أرسل نبينا عليًا بهذا. إذن أرسل نبينا أبا بكر للحج، ثم بعد ذلك أرسل علي ببراءة. فلما توافق اللقاء بين أبي بكر وبين علي، ظن أبو بكر أن علي بدأ يكون بديلًا في الوفد، قال: "أستعملك رسول الله على الحج؟ يعني تأخذ مكانه عادي". قال: "لا، ما أجئت للحج أبدًا، وإنما أجئت لمهمة، وهي ماذا؟ أن أقرأ سورة براءة على الناس". فقرأها هنا وهنا، واستخذ يوم النحر لهذا الإعلان المدوي. فقال: "ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس، وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده". فمضى أبو بكر فحج بالناس، وقرأ علي ابن أبي طالب براءة على الناس يوم النحر عند الجمرة. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: "وحج بالناس أبو بكر، وثم تلى براءة علي وحتم أن لا يحج مشركون بعد ولا يطوف عار ذا الأمر فعلا". فقوله رحمه الله تعالى: "أن لا يحج مشركون بعد"، يحج مشركون بعد، هذه من الأشياء التي أتى بها الصديق رضي الله تعالى عنه عندما حج بالناس، كان من التغيرات التي أتى بها أتى بها أبو بكر رضي الله تعالى عنه في التعديل وتغيير هيئة مواسم الحج، وخاصة وأصبح الآن في مضلة تحت شعيرة وشريعة الإسلام أنه لا يحج مشرك، يغلق هذا الباب على أهل الكفران. وهذا الحكم هو موافق للقرآن، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾. والمسجد الحرام قال العلماء هو المقصود به حدود الحرم، حدود الحرم، وإنما المسجد جزء من الحرم المكي. ولهذا من ذهب إلى المشاعر المقدسة والأراضي المباركة في أرض مكة يجد تلكم اللافتات واللائحة على حدود مكة من عدم دخول الكفار، وإنما الدخول للمسلمين فقط. فهذا حكم الشرع، حكم القرآن والسنة، بأن الكافر إنما المشركون نجس، نجس لاعتقاداتهم الكاسدة وآرائهم الفاسدة، ليس لهم المقام في دخول مكة البلد الحرام، ولا أن يدخل كذلكم ضمنًا إلى المسجد الحرام. فهذا مما قال العلماء أنه موافق لقول الله عز وجل. قال: "أن لا يحج مشرك بعد ولا يطوف عار"، ولا يطوف بالبيت عريان، وهذا وهذا كذلك كان مما عليه أهل الجاهلية. كان أهل الجاهلية قديمًا قديمًا إذا جاء الزائر من بعيد من قبائل وقرى دخل إلى مكة وأراد أن يطوف حول البيت، كان من نظرية الكفار عن أن الإنسان لابد أن يعطي للبيت مقامه، وأن هو البيت ما يتحمل أنكم تأتون يا أيها العرب بهذه الأثواب النجسة الملطخة بالنجاسات والذنوب والآثام ما يلق هذا هكذا كان الفلسفة. فما هو البديل؟ البديل كان يخير الغريب هذا بأحد أمور ثلاث، إما أن يشتري ثوبًا جديدًا ثوبًا جديدًا للحج لكي يطوف ما استطاع، ينتقل المرحلة الثانية وهو أن يستعير ثوبًا من أهل قريش، لأن أهل قريش هم أهل البيت والخاصة ولهم منزلة لا تلغ لأي عرب آخر، فلهذا يأتي الغريب ويقول: يستلف من معارفه من قاربه ثوبًا فيأخذه ويطوف به. وإلا لم يكن الأول والثاني يبقى الأمر الثالث وهو أن يطوف عريان، لكن هذا يكون ليلًا، لا تظن أن هذا في النهار، لا هذا ليلًا في جنح الظلام يخرج هذا الرجل، لربما رجل أعراب ما عنده ثوب، لا عنده قدرة على الشراء ولا عنده معرفة على الاستعارة، فماذا يفعل؟ لا يترك الطواف، فكان يأتي ليلًا في جنح الظلام يختلس ثم يطوف ثم يلبس ثم يخرج، كان يفعلون هذا. هذا كانت موجودة، فلما جاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه هذا العام في سنة التاسعة، أشاع بين الناس أن لا يطوف بالبيت عريان، فلا تمكين للكافرين بدخول البيت المعظم، ولا تمكين لماذا؟ لحج العراه حول البيت الكريم. ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "بعثني أبو بكر في تلك الحجة -أي في السنة التاسعة- في مؤذنين، أي وزع أبو بكر كثير لأن الحج يأتي أفواج كثر، فأراد أبو بكر أن يشعر ويشعر هذا الإعلان بين الحجاج". قال: "بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان". ثم قال الناظم: "وذا لأمر فعلا"، أي أن ما قام به أبو بكر وما قام به علي إنما كان ذلك بأمر طلب منهم أن يفعلوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر هذا ببراءة وأمر هذا بقراءة هذه الوصايا وبهذه الفعلة التي أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن تغير هذه الأمور، كان في ذلك إعادة لإعطاء مكة وخاصة الكعبة هيبتها التي ينبغي أن تكون في النفوس. وكانت هذه القرارات هي تمهيد للحج الأكبر وهي حجة الوداع التي أتى بها نبينا صلى الله عليه وسلم بنفسه وماذا؟ وحج البيت، وسأتي هذا معنا في حينه. فالشاهد أن هذه الأبيات فيها بعض ما وقع من حوادث السنة التاسعة. "وحج بالناس أبو بكر، وثم تلى براءة علي وحتم أن لا يحج مشركون بعد ولا يطوف عار ذاك الأمر فعلا". إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.