الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 126، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ناقش المقطع نعي النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي وجواز النعي لغرض الصلاة على الميت وأداء حقوقه. التفريق بين النعي الجائز والمذموم كان محور النقاش.
تناول المقطع آراء العلماء حول صلاة الغائب على من مات في بلد آخر، حيث اختلفوا بين الجواز والمنع والرأي الوسط. الرأي الوسط يرى الصلاة على الغائب إذا لم يصلى عليه في بلده.
موت إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له حكم عظيمة، منها بيان بشريته صلى الله عليه وسلم وتأثره بموت ابنه. كما منع الفتنة التي قد تنشأ لو ترك أولادا ذكورا.
اختتم الشيخ درسه بالتأكيد على تأجيل بعض النقاط للدرس القادم ودعا الله أن ينفعهم بما تعلموا. كما صلى على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: ثم النجاشية نعى وصلى عليه من طيبة نال الفضل. في قول الناظم رحمه الله تعالى: ثم وهو لازال يعدد لنا حوادث السنة التاسعة، قال: ثم النجاشية. مر معنى أن النجاشي وهو ملك الحبشة، واسمه أصحمة، وهو الذي هاجر إليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فآواهم ونصرهم وحماهم وذب عنهم وأحسن إليهم. فقال الناظم: ثم النجاشية نعى وصلى عليه. من نعاه؟ نعاه نبينا صلى الله عليه وسلم. وما هو النعي؟ النعي هو الإخبار بموت الميت، الإخبار بموت الميت، هذا يقال عنه نعي. ثم الناجاشية نعى وصلى عليه، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بالنعي، أي إخبار من كان في بلده وهي المدينة، أخبرهم بموت النجاشي. وهذا يدل على علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، فأين النجاش وأين الحبشة؟ ومع ذلك علم نبينا في يوم موته بموته، وذلك من وحي السماء، وصلى عليه بعد إخباره، صلى عليه أي صلاة الغائب، صلاة الغائب. فقال: ثم النجاشية نعى وصلى عليه. هنا مسألة، النبي نعى بمعنى أخبر بموت الميت، بموت النجاشي، يشكل علينا هاهنا كيف أن النبي نعى مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النعي، نهى عن النعي كما جاء ذلك في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه في الترمذي وعند غيره في السنن أن النبي نهى عن النعي. فكيف هنا النبي ينعي؟ هنا قال العلماء ينبغي أن نفرق بين نوعين من أنواع النعي، بين نعي محمود جائز، وبين نعي مذموم لا يجوز، وعلى هذا تتنزل الأدلة. أما النعي الجائز وهو الإخبار بموت الميت لما عسى ما يكون من الصلاة عليه وأداء شيء من حقوقه، فهذا النعي ليس فيه شيء، بل لا بأس به. أننا نشعر الناس، بل حتى من العلماء من قال هذا يستحب، أن هذا يستحب أنك تخبر الناس: مات اليوم فلان، الصلاة عليه كذا. وكان هذا من فعل السلف، بل قال العلماء: بل هذا من فعله، على أنه يخبر غيره بموت الأموات حتى يصلي عليه، كهذا الحديث ليذي بين أيدينا أن النبي نعى للناس موت النجاش، لماذا نعى؟ حتى يصلي عليه. وقصة المرأة التي كانت تقوم في المسجد، فلما ماتت في الليل صلى عليها الناس، وما أخبر نبينا، فلما أصبح سألهم عنها، فقالوا: ماتت. فقال عليه الصلاة والسلام: «هل لا آذنتموني؟ آذنتموني؟» أي أعلمتموني، أشعرتموني. فدل على أن النبي طالبهم بأن يخبروه بماذا؟ بخبر من يموت. فدل ذلك على أن النعي إذا كان بهذا المقام جائز، بل كما قلنا أوصله العلماء إلى الاستحباب، حتى يقوم من يقوم من الصلاة عليه وأداء حقوقه إلى غير ذلك. أما إذا كان النعي ليس المراد منه ذلك، إنما أراد منه الشهرة، أراد منه العلو في الأرض، أراد بذلك أن يشار إلى هذا الميت بالبنان، وهذا الذي عليه نعي الجاهلية. أهل الجاهلية كان إذا مات عظيم من عظمائهم، كان يرسلون الفرسان: اذهب، اذهب إلى القرية الفلانية والبلدة الفلانية، بل في نفس البلدة كان يقفون الناس على المداخل البلاد وعلى أماكن التجمع، وينادون: مات اليوم سيد الوادي، مات اليوم الذي يطعم الجيع في البراري، مات اليوم، ويذكرون بالمفاخر. ما المراد من هذا كله؟ فقط فخر وحسب، لا لشيء، هذا هو النعي نعي الجاهلية، هذا الذي نهى عنه نبينا. ولهذا بهذا نفرق إخواني في الله بين الأدلة الدالة على جواز النعي، والأدلة الدالة على المنع من النعي، فالمنع يحمل على ما كان على أمر الجاهلية، وأما المستحب ما كان من فعله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يكون من ورائه الاستعداد بالصلاة والتجهيز للميت وأداء شيء من حقوقه. فقال الناظم: ثم النجاشية نعى وصلى عليه من طيبة نال الفضل. صلى عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، طيب، صلى نبينا عليه، هل ذهب إلى الحبشة؟ أخذ سفينة وذهب إلى بلاد الحبشة لكي يصلي عليه هنالك؟ الجواب: لا، لم يذهب نبينا صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الحبشة، وإنما صلى عليه وهو في المدينة. فقال: صلى عليه من طيبة نال الفضل، أي نال الفضل بصلاة النبي عليه الصلاة والسلام عليه. وهنا مسألة إخواني في الله، وهي التي يذكرها العلماء في هذا الباب، وهي متعلقة بما يسمى بصلاة الغائب، لأن هذه الصلاة هي الصلاة الوحيدة التي صلاها نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الصورة، أن يصلي على ميت وهو غائب. كما جاء ذلك في الصحيحين أن النبي ذكر ذلك أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله نعى النجاش في اليوم الذي مات فيه، ثم خرج إلى المصلى فصف بنا وكبر أربعا، صف بنا وكبر أربعا. وأين الجثمان؟ الجثمان هناك في أرض الحبشة. فصلاة النبي على النجاش هي الصلاة الوحيدة التي أداها نبينا على النجاش. هنا تأتي المسألة، فما حكم صلاة الغائب؟ العلماء على طرفين ووسط، فمن أهل العلم من فتح المجال، وقال أن صلاة الغائب متاحة لأي أحد، ولأي أحد، ولكل أحد أن نصلي عليه إذا مات في خارج بلده، في أرض المهجر، في أرض الغربة، في الشرق والغرب، مات وأردنا أن نصلي، ما هناك مانع أن نصلي عليه. لكن سيشكل علينا: هل فعل هذا نبينا مع كثرة من مات من أصحابه عليه الصلاة وفي زمنه؟ وما صلى عليهم؟ هذا يشكل علينا، لأن النبي ما صلى إلا على النجاش فقط، فكيف نوسع النطاق على كل أحد؟ الفئة الثانية من العلماء من أغلق الباب، قال: ما يصلى صلاة الغائب على أحد بالمرة. وقلنا لهم: صلاة النجاش. قال: لا، صلاة النجاش هي صلاة خاصة، هذا من خصوصيات رسول الله الذي اختص بها أن يصلي على من شاء صلاة الغائب، ولا يلحق به غيره. قلنا: هذا تضييق للناس، وما عندي دليل على الخصوصية، وما قال نبي لأصحابه هذا خاص به، ما قال هذا من أين دعوة الخصوصية؟ ولهذا يأتي المذهب الوسط، ألا وهو أن من مات في أرض الغربة ننظر في أمره، هذا الذي مات، هل أحد صلى عليه أم لا؟ من مات في بلاد الغربة مثلا، مات في بلاد الكفار، وما هناك أحد صلى عليه، حينها نحن من علمنا بموتين نصلي عليه، لأن الصلاة على المسلمين فرض كفاية، الصلاة على أهل الإسلام فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقي. لكن هنا علمنا أنه ما أحد صلى عليه. قد يقول قائل: أليس أهل الهجرة كانوا في الحبشة؟ قلنا: كانوا كانوا في الحبشة، ولا تنسون أن في الأخبار التي قد تلت على أن النبي عندما أرسل عمر بن عبسة أو عمر بن أمي الضمري، أنه طالب النجاش بإرسال كل المسلمين، ما يبقي أحد في الحبشة، فكلهم رجعوا، ما بقي أحد هناك من المهاجرين. إذا بقي النجاش لوحده، فلما مات فما بقي أحد من أهل الإسلام عنده حتى يقوم بشؤونه وأموره، فلما مات وهو في أرض كفر، في أرض كفر، أقام نبيه بإسقاط فرض الكفاية، فقام وصلى عليه. وهذا والقول الوسط أن من مات في بلد ما صلى عليه أحد، نحن نصلي عليه، وأما من مات في بلد وقد صلى عليه الناس، فهذا يكفينا، فهذا يكفينا ويسقط عن البقية، ونحن الغير ملزمين به. هذا هو القول الصحيح، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وجماعات من أئمة الشافعية، ذهب إليه الإمام الخطابي والإمام الروياني، وجماعة من المحققين من أهل العلم. وبهذا نعلم أن ما فعله نبينا كان لهذه الحالة، ويقاس عليها ما كان من أشباهها ونضائرها. قال رحمه الله: ثم النجاشي نعى وصلى عليه من طيبة نال الفضل، أي نال هذا الشرف النجاشي لأنه يستحقه، رضي الله تعالى عنه، لأن النجاشي عامله الله من باب الجزاء من جنس العمل، لما أنه قام ودافع وذب عن أهل الإسلام، فإن الله عز وجل أعطاه مقامه الذي يستحقه. فما ترك في أرض غربته، بل أمر الله نبيه بنفسه ومن كان معه من أجل الصحابة جميعا أن يصلي عليه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم قال رحمه الله تعالى: ومات إبراهيم في العام الأخير، والبجالي أسلم واسمه جرير. ومات إبراهيم في العام الأخير، وإبراهيم أراد به هو ابن النبي عليه الصلاة والسلام، إبراهيم ابن محمد ابن عبد الله عليه الصلاة والسلام. ومات إبراهيم في العام الأخير، إشارة إلى أننا الآن في حوادث السنة العاشرة، في حوادث السنة العاشرة، وهذا على قول جماهير العلماء. واختلف العلماء متى مات إبراهيم ابن الرسول، منه من قال أنه مات في ربيع الأول، ومنه من قال مات في رمضان، ومنه من قال من مات في ذي الحجة. وقد تأثر نبينا صلى الله عليه وسلم تأثرا عظيما بموت إبراهيم، وخاص أن الله جل وعلا لم يقر عينه ببقاء أحد من أولاده الذكور، وإنما جميعا قبضوا في زمنه عليه الصلاة والسلام، وكان آخرهم إبراهيم ابن الرسول. وقد مضى معنا أنه ولد في السنة الثامنة من الهجرة، وتوفاه الله في السنة العاشرة من الهجرة، واختلف العلماء في مدة حياته، قيل ستة عشر شهرا، قيل سبعة عشر شهرا، قيل ثمانية عشر شهرا، أي بنحو سنة ونصف فقط، هذه حياة إبراهيم ابن الرسول. ونبينا لما قبض إبراهيم قال: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا يا إبراهيم على فراقك لمحزونون». قال حافظ بن حجر رحمه الله تعالى: إبراهيم ابن سيد البشر محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، أمه مارية القبطية، ولدته في ذي الحجة سنة ثمان، ومات سنة عشر. طبعا إخواني في الله في موت إبراهيم ابن الرسول فيه حكم عظيمة، حكم عظيمة جدا، وليست في مقام ذكري هذه الحكم، لكن حسب الإشارة إلى بعض هذه الحكم وأقف مع حكمتين باختصار. الحكمة الأولى قال العلماء فيه الإشارة إلى أن يتعرف الناس على ما هي المنزلة التي يستحقها نبينا صلى الله عليه وسلم. فما هو إلا بشر، إلا أن الله حباه بالوحي، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي، يوحى إلي، إنما إلهكم إله واحد، فقل إنما أنا بشر مثلكم، فهو من طبيعة البشرية، ليس عنده من خصائص الربوبية شيء، إذا لو كان النبي له شيء من حقوق الربوبية لوهب نفسه ولمنح لنفسه أولادا ذكورا يعيشون في حياته ومن بعده. لكن ما ملك هذا لنفسه، إلا أن أقدار الله تجري عليه، أقدار الله تجري عليه، وقد تأثر نبينا وإن لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، حزن نبينا حزنا شديدا لأن هذا ليس بيده، فأقدار الله تجري عليه وعلى غيره من خلقه عليه الصلاة والسلام. فأين الذي يعتقد في نبينا عليه الصلاة والسلام الربوبية؟ فإذا ظفر بدعاء أو بالتجاء أو بزيارة إلى قبره إذ به يأتي بهذا الطلب، يسأله المدد، المدد يا رسول الله، المدد، فيطلب منه المال ويطلب منه الولد، تطلب الولد، النبي ما وجد هذا لنفسه، اعقل هذا، وهذه آية من آيات الله، آية كثير من الناس من يقرأ السيرة للأسف ولا يتفقه ولا يتبين لمعانيها. لماذا قبضت هذه الأرواح من أولاده؟ ما ترك الله له ولد نسمة ذكر أبدا، اعقلها يا عبد الله حتى تعلم أن الله عز وجل هو الذي بيده كل شيء، ليس الأمور بيد الأنبياء ولا بيد الرسل أو بيد الصالحين أو بيد الأولياء كما يزعم من يزعم من الغلاة ممن ظن أن مقادير الكون بيد فلان وفلان يتصرف بها كيف يشاء. تمعن في حياته عليه الصلاة والسلام، وهذا ابنه وهو فلذة كبده يؤخذ من بين يديه عليه الصلاة وسلامه وعينه تدمع، لو كان الأمر بيده لأبقاه، لكن ليس بيده. بهذا أخواني في الحكمة عظيمة أن نعلم أخواني في الله ما يستحق نبينا صلى الله عليه وسلم يستحق الطاعة والإذعان والمتابعة وعدم العصيان. أما أننا نعبده نجعل له خصائص الألوهية والربوبية فهذا باطل. والحكمة الثانية إخواني في الله من حكمة قبض روح أبناء الرسول منهم إبراهيم، قال العلماء أن لا يكون في الأمة من يفتح على نفسه باب الفتنة. وجه ذلك قال العلماء: لو أن النبي ترك من بعده أولادا ذكورا، فلربما تعلقت بهم قلوب الناس، تعلقت بهم قلوب الناس، ولربما فتنوا بهم وظنوا فيهم الظنون. ويدل على ذلك حادثة واحدة في يوم موت إبراهيم ابن الرسول، من الذي صار؟ كسفت الشمس، كسفت الشمس، ماذا قال بعض الناس؟ قال: كسفت الشمس لموت إبراهيم، عجيب، هذا في حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام، تساورت هذه الظنون عند بعض الناس، أن الشمس لما كسفت كسفت حزنا لموت إبراهيم. فغضب نبينا صلى الله عليه وسلم وقام بالناس خطيبا، وأبان لهم بطلان هذا الاعتقاد: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان ما ينكسفان لموت أحد، لا لحياته ولا لموته، ما هناك علاقة بين هذه الظواهر الكونية بهذه الحياة البشرية، ما هناك علاقة ولا ارتباط». إذا كان هذا قد وقع في زمنه، فما ظنكم إذا كان بعد موته عليه الصلاة والسلام وترك أحد من ذريته من بعده من أولاده؟ لعظمت الفتنة، لعظمت الفتنة به. وكان هذا معيار لهذا الأمر، ولهذا أغلق هذا الباب لحكم أرادها الله، فما أبقى الله لرسول الله من عقبه الذكور أحدا من بعده. ولله الحكمة البالغة. هذا إخواني في الله من يذكر من هذه الحكم. ثم بقي هناك في قول: والبجل أسلم واسمه جرير، يترك هذا في درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.