الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 128

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 128

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 128، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حجة الوداع وأهميتها

حجة الوداع كانت آخر حجة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأطلق عليها عدة أسماء، وشهدها العديد من الصحابة. كانت مناسبة هامة لتوديع الناس وتعليمهم أمور الدين.

منسك النبي في حجة الوداع وآثاره

النبي صلى الله عليه وسلم اختار الإقران في حجة الوداع، وأدى مناسك الحج على مركوبه. اختلف العلماء حول الأفضل بين القران والتمتع، ولكن ثبت أن النبي أمر بالتمتع.

تفاصيل مناسك حجة الوداع والخطبة

النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالتلبية وأدى مناسك الحج، ووقف بعرفة يوم الجمعة. سيتم في الدرس القادم استكمال تفاصيل خطبته وتوجيهاته للناس في ذلك اليوم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال النظم رحمه الله تعالى: وحج حجة الوداع قارنا، ووقف الجمعة فيها آمنا. هذا البيت من الأبيات التي يشير فيها النظم رحمه الله تعالى إلى شيء من أهم حوادث سيرته وحياته عليه الصلاة والسلام، وها نحن في هذا البيت وصلنا إلى العام العاشر من الهجرة، في أواخر حياته عليه الصلاة والسلام. فقال النظم رحمه الله تعالى: وحج، والضمير يعود إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، أي أنه من أعماله في السنة العاشرة أنه حج. قال: وحج حجة الوداع، هذه الحجة التي حجها نبينا صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، سميت بعدة مسميات، سميت بحجة الوداع، سميت بحجة الإسلام، سميت بحجة البلاغ، ولكل اسم معنى يتعلق بها. الشهير من الأسماء ما أشار إليه النظم رحمه الله تعالى بحجة الوداع، سميت هذه الحجة بحجة الوداع لأن فيها ودع نبينا صلى الله عليه وسلم أمته وأصحابه، وودع البيت، لأنه بعد هذه الحجة بمدة يسيرة، كما سيأتي معنا، قيل أنها ما يقارب شهرين، توفي عليه الصلاة والسلام بعدها. ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام المسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لا أدري لعلي أني لا ألقيكم بعد حجتي هذه، لا ألقيكم بعد حجتي هذه»، فكأنه يشير إلى وداعه لأمته، فسميت هذه الحجة بحجة الوداع. وكذلك من الأسماء سميت بحجة الإسلام، وهذا الذي ذهب إليه جماعة من أهل العلم، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحج سوى هذه الحجة، لم يحج سوى هذه الحجة، هي الوحيدة التي حجها نبينا صلى الله عليه وسلم، إدخرها في آخر حياته، ولهذا أرسل، كما مضى معنا، أرسل أبا بكر وأرسل علي إلى مكة في الحج السابق، وذلك لكي يمهدوا لنزوله عليه الصلاة والسلام، فمنعوا أن يحج بالبيت عريان، وإلى آخر ذلك، أن لا يطوف بالبيت مشرك. قال العلماء: إنما فعل ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم تهيئة للبيت لكي يأتيه عليه الصلاة والسلام. نعم، ذهب بعض العلماء إلى أن النبي قد حج وذلك في فترة قديمة قبل بعثته، لكن ما عندنا ما يدلل به من الأدلة الصحيحة الصريحة الثابتة، ولهذا القول الصحيح الذي عليه أكثر العلماء على أن النبي بعد الهجرة ما حج إلا هذه الحجة، ولهذا سميت بحجة الإسلام. والاسم الثالث لهذه الحجة سميت أيضا بحجة البلاغ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فيها أرسل الأمة القواعد العامة في الدين والشريعة والملة، فذكر وأخبر وبيّن، وصطر للأمة الخطوط العريضة التي ينبغي على الأمة أن تسير عليها، حتى قال في نهاية مقاله وخطبته عليه الصلاة والسلام: «ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد»، فبلغ الرسالة عليه الصلاة والسلام. فهذه أسماء هذه الحجة: بحجة الوداع، بحجة الإسلام، بحجة البلاغ. قال: وحج حجة الوداع، وهذه الحجة عندما عزم عليها نبينا صلى الله عليه وسلم دعا الناس لها، فأشيع في القرى والأمصار في المدينة وما حولها بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيخرج إلى مكة حاجا. فحينها تداعى الناس واستنهض الناس واجتمعوا من كل حدب وصوب في أن يحج مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فاكتضت بهم المدينة، واختلف المؤرخون في ضبط الأعداد الذين خرجوا مع نبينا صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأكثر العلماء يقدرونهم بأكثر من مئة ألف صحابي. كلهم اجتمعوا وأرادوا الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام، حتى قال القائل: فكان النبي يرى أمامه وعن يمينه وعن شماله ومن خلف خلائق لا يحصون عددا، لكثرة هذه الجموع الغفيرة العظيمة التي أتت وحرصت على أن تحج مع رسول الله عليه الصلاة والسلام. تحرك نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الأعداد من مكة تحديدا في الخامس والعشرين من ذي القعدة من السنة العاشرة، تحرك عليه الصلاة والسلام بهذه الجموع إلى أن وصل إلى ذي الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، فهناك اغتسل وادهن وغير ثيابه ولبس الإحرام، فأحرم عليه الصلاة والسلام وأهل بالتوحيد. قال الناظم: وحج حجة الوداع قارنا، قارنا في بيان المنسك الذي نسكه نبينا في حجته. والمناسك والأنساك التي يخير فيها الحاج هي ثلاثة: إما الإفراد، وإما التمتع، وإما الإقران. الإفراد هو أن يذهب ويأتي بأعمال الحج فقط، هذا هو الإفراد. وإما التمتع وهو أن يأتي بالعمرة ويأتي بحج، لكن يفصل بينهما، يتمتع بينهما، يأتي بالعمرة فيحل من عمرته، فيكون متمتعا، يتمتع ما شاء الله إلى أن يأتي يوم الحج ثم يحج. وأما الصيغة الثالثة من مناسك الحج الإقران، أن يأتي بالعمرة والحج ولا يفصل بينهما، وإنما يأتي بالعمرة ويبقى على إحرامه إلى أن تأتي أيام الحج فيجمع بينهما. هذه الأنساك الثلاثة، ما الذي اختاره نبينا صلى الله عليه وسلم من هذه الأنساك؟ قال الناظم: وحج حجة الوداع قارنا، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم إختار القران، فأتى بالعمرة وبقي على إحرامه إلى أيام الحج. وهذه مسألة التي اختلف فيها العلماء في تحديد منسكه عليه الصلاة والسلام، نعم القول الصحيح الذي ذهب إليه الناظم، والذي عليه أكثر العلماء، ولهذا قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: إنه أحرم قارنا، لبضعة وعشرين حديثا صحيحا في ذلك. ابن القيم رحمه الله تعالى تتبع هذه المسألة وحقق فيها الصواب، وجمع الآثار والأحاديث وخلص إلى هذه النتيجة. عشرات الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار من الأنساك القران، ومما يدلل به على ذلك ما جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد أتاني آت من ربي لما كان في وادي العقيق في ذي الحليفة، لقد أتاني آت من ربي وقال لي: صلي في هذا الوادي، وقل عمره في حج، وقل عمره في حج»، أي اجعلها عمره وحج. وأيضا مما يؤيد هذا المعنى ما رواه الإيمان مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لبيك اللهم عمره وحج، لبيك اللهم عمره وحج»، وحجه فنبينا جمع وقارن بين العمرة والحج. فهذه من الأحاديث وهي كثيرة كما أشار العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار من الأنساك القران، هذا الذي فعله. بقي بقي هل هذا هو الأفضل؟ هل هذا هو الأفضل؟ وقع الخلاف بين أهل العلم كذلكم، فمن أهل العلم من يقول: إذا كان نبينا قد اختار لنفسه واختار له ربه أن يختار هذا المنسك من مناسك الحج وهو القران، فكان هذا هو الأفضل، لا شك في ذلك ولا ريب، هذا قال به جماعة من أهل العلم. إلا أن الصحيح والذي ذهب إليه جماعة من المحققين أن الأفضل التمتع، الأفضل التمتع، وهو أنك يا عبد الله تأتي بالعمرة ثم تحل منها، تلبس ثيابك وتفعل ما يحل لك إلى أن يأتي أيام الحج فتحج. ولماذا نقول هذا مع أن النبي ما فعل هذا؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى وود أن يفعل هذا، لقوله: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدية ولا جعلته عمره»، لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدية ولا جعلته عمره. ولهذا لما ما استطاع أن يفعل هذا لنفسه لأنه قد ساق الهدية، فما استطاع أن يخرج من هذا المنسك، لكن أمر غيره، فأمر الصحابة أن يتحللوا أن يتحللوا وأن يجعلوها عمره فيتمتعوا، فلهذا كان القول الصحيح: مع أن النبي هو الذي ذهب إلى واختار القران، لكنه أراد التمتع، ولهذا كان القول الصحيح ألا أن التمتع هو من أفضل الأنساك. الحاصل هذه مسألة، ليس هذا بابها، وإنما مرجعها إلى كتب الفقه والفقهاء، لكن لإضاح هذه المسألة، فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أحرم من ذي الحليفة أحرم بالتلبية وأهل بمنسك الإقران بين العمرة والحج. تحرك عليه الصلاة والسلام بهذه الجموع الغفيرة من أهل الإسلام حتى وصل إلى مكة، قال العلماء: وأنه وصل إلى مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة، فأتى بأعمال العمرة ثم بقي في إحرامه إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، ثم ذهب إلى ميناء عليه الصلاة والسلام، ثم دخل في أعمال الحج، صلوات ربي وسلامه عليه. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم في حجته هو محط أنظار الخلق، هو محط أنظار الخلق، الناس كلهم ينظرون إليه، ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم أدى مناسك الحج وهو على مركوبه حتى ينظر الناس إليه ولا يفتقدونه، فكان نبي يتحرك والناس معه أينما ذهب يذهبون خلفه في مشاعر بيت الله الحرام، وفي أداء مناسك الحج المعظم. وكان عليه الصلاة والسلام يقول كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر: «خذوا عني مناسككم»، أي أن مناسك الحج تأخذ منه من بابه من هديه من قلال أقواله وأفعاله، وفي ذلكم إظهار للسنة، وقبل ذلك للتوحيد، عندما لبى قال جابر: لبى وأهل رسول الله بالتوحيد، فالحج إنما أقيم للتوحيد وأقيم كذلك للسنة لقول نبي: «خذوا عني مناسككم». فمن أراد أن يعتمر من أراد أن يحج فعليه أن يتعلم من هديه ما فيه الصحة لأفعاله وأقواله وألفاظه، فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم، خذوا عني مناسككم». قال الناظم رحمه الله: وحج حجة الوداع قارنا، ووقف الجمعة فيها آمنا. ووقف الجمعة ما معنى ووقف الجمعة؟ الكلام فيه تقدير، الكلام فيه تقدير. ووقف الجمعة لربما يذهب الإنسان في أول وهلة لظاهر النص أنه وقف الجمعة، لا ليس المقصود الوقوف بالجمعة، الوقوف ها هنا إشارة إلى منسك من مناسك الحج وهو الوقوف بعرفة، الوقوف بعرفة هذا الذي أراده الناظم رحمه الله تعالى. على أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في حجة الوداع وافق أن يكون الوقوف بعرفة وافق يوم الجمعة، وافق يوم الجمعة. فقال: ووقف الجمعة، أي ووقف وقوف العرفة يوم الجمعة. وكان الوقوف بعرفة والتاسع من ذي الحجة فصادف ووافق أن يوم عرفة في حجة الوداع كان في التاسع يوم الجمعة، التاسع من ذي الحجة في السنة العاشرة هذا هو تاريخه. وقوف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة وافق يوم الجمعة التاسع من ذي الحجة من السنة العاشرة، ولهذا أشار العلماء إلى أن هذه المسألة بالإجماع إلى أن هذه المسألة بالإجماع. وسأتي معنا في درس غد بإذن الله شيئا مما قد وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام في هذه الحجة من خطبته ومن كلامه وتذكيره بالقواعد العامة التي ذكر بها الناس وهم في هذا المجتمع أو في هذا التجمع العظيم الرهيب الذي ضم آلاف من الصحابة الأجلاء في هذه السنة خاصة. وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.