الدرس في شرح الأصول الثلاثة 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الدرس يفسر كلمة لا إله إلا الله وأنها تعني لا معبود حق إلا الله، ويبين أن نبينا لم ينكر وجود الأصنام بل أراد بيان أنها لا تستحق العبادة.
يتناول الدرس إعراب جملة لا إله إلا الله حيث تعتبر لا نافية للجنس وتعمل عمل إن، ويبحث في إعراب إسمها وخبرها وتقدير الخبر في الجملة.
يتحدث المقطع الأخير عن تناقض عبادة الأصنام والأحجار مع إدراك العابدين لعدم جدواها، ويختم بالدعاء والصلاة على النبي محمد.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لنواصل إخواني في درس أمس، كان الكلام حول معنى "لا إله إلا الله"، وقلنا إن القول الصحيح في تفسير هذه الكلمة أن لا معبود حق إلا الله. وقلنا إن الوصول إلى هذه الكلمة كان عن طريق عدة مسائل. قلنا "لا إله إلا الله" بمعنى "لا مألوه إلا الله"، وعلمنا كيف وصلنا من "إله" إلى "مألوه"، بأن "إله" على وزن "فعال"، وأن هذا الوزن يأتي على معنى مفعول، كـ"كتاب" على معنى "مكتوب"، و"طعام" على معنى "مطعوم"، و"شراب" على معنى "مشروب". فيكون محل المفعولية لا محل الفاعلية، إذن "لا إله إلا الله" أي "لا مألوه إلا الله". نأتي الآن إلى مفهوم الكلمة، إذن معنى "لا إله إلا الله" أي "لا معبود إلا الله". هل بهذا انتهينا؟ لا، لأن العبارة فيها نقص. أين وجه النقص؟ وجه النقص من باب الإعراب، "لا" هنا نافية للجنس، ويتعمل عمل "إن". "لا إله" إله إسمها، وإسم "لا" يأتي دائما نكرة. ولا نافية تحتاج إلى خبر، أين خبر "لا"؟ عندي "لا إله إلا الله"، "إلا" استثناء، "لا إله" لا هذه أداة نافية، وعندي "إله" إسم "لا"، أين خبر "لا"؟ خبر "لا" يقول علماء من أهل اللغة أن الغالب تكون محذوفة، خاصة إذا كانت ظاهرة وواضحة المعنى. مثل قول نبينا "لا عدوى، لا طيرة، لا هامة، لا صفر"، "لا عدوى" لا مع اسمها، أين الخبر؟ محذوف لأنه معلوم، أي مؤثرة. إذن "لا إله إلا الله" أي "لا مألوه إلا الله" أي "لا معبود إلا الله"، نحتاج إلى خبر، أين الخبر؟ "لا معبود إلا الله"، "لا" نافية، "معبود" إسم "لا"، فيه خبر محذوف. بماذا يقدر؟ تقدير الخبر يأتي عبط أو عبارة عن تفكير ساذج. لابد أن تنظر إلى الفحوة، السياق، السباق، إلى القرائن، إلى الدلائل حتى تقدر خبرا ملائما لهذه الكلمة العظيمة. نرى من أهل الكلام والفلاسفة ومن جنح إليهم أنهم أتوا لنا بخبر، قالوا تقدير هذه الكلمة "لا إله إلا الله" أي "لا معبود موجود إلا الله". "لا معبود موجود"، فقالوا الخبر تقديره "موجود". "لا إله إلا الله" أي "لا إله موجود"، "لا مألوه موجود"، أي "لا معبود موجود إلا الله". وهل هذا صحيح؟ هذا ليس بصحيح، لأن الآلهة قد وجدت، فكيف نقول أن "لا إله إلا الله" معناها "لا إله موجود إلا الله"؟ هذا ليس بصحيح. قال علماء، يكون صحة ننظر إلى دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام. نبينا في دعوته ما كان يلغي الأصنام، الأصنام موجودة، ما أراد يقول الله هو الموجود لا، أراد نبينا أمرا آخر، وهو أنه يريد أن يقول الكفار أن هذه الآلهة الموجودة والتي عبدت أنها لا تستحق أن تعبد. لأنها آلهة باطلة، ولهذا قامت المعارك وقامت الغزوات من نبينا من معسكر الإيمان مع الكفار. لماذا؟ ببيان أن هذه الآلهة الموجودة لا نقول أنها غير موجودة، لكنها لا تستحق أن تعبد. قال العلماء، إذا معنى "لا إله إلا الله" أي "لا معبود بحق إلا الله". وأيد هذا المعنى القرآن، قال ربنا جل وعلا ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾، إذن هذه الآية فيها بيان على أن ما دون الله من الآلهة قد وجدت، وأن ما دون الله من الآلهة قد عبدت، لكن الفرق أنها عبدت بباطل، وأن الله هو المعبود الوحيد جل في علا الذي عبد بحق. قال علماء، إذن تقدير الخبر المحذوف يقدر "حق" أو "بحق". فمعنى "لا إله إلا الله" أي "لا مألوه بحق إلا الله"، أي "لا معبود بحق إلا الله". وهذا توصل أهل السنة من هذه الكلمة التوحيد إلى هذا التعريف الذي ذكرناه أمامكم. وهكذا الواقع يدلل على ذلك، كل ما عبد من دون الله جل وعلا وأراد الناس أن يكون آلهة من دون الله أو أرادوه رب من دون الله، يعلم الجميع أنه عبد بباطل. من عبد الأصنام، من عبد الأحجار، في قرارة نفسه يعلم أن هذا الحجر وهذا الوثن لا يضر ولا ينفع. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.