شرح الأصول الثلاثة 19

شرح الأصول الثلاثة 19

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح ركني كلمة التوحيد وعلاقتها بتوحيد الربوبية والألوهية

يشرح المقطع معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بأنها تقوم على ركنين أساسيين: النفي والإثبات، وأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية. كما يبين أن الذي يملك هو الذي يستحق العبادة، مستشهدا بالقرآن الكريم ودعوة الأنبياء.

تفسير كلمة التوحيد في القرآن ودعوة إبراهيم عليه السلام

يشرح المؤلف كيف أن القرآن يوضح معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" من خلال الآيات التي ذكرها إبراهيم لقومه، حيث تبرأ من عبادة الأصنام وأثبت العبادة لله وحده. الآيات تبين أن إبراهيم جعل هذه الكلمة باقية في عقبه ليرجعوا إليها.

دعوة أهل الكتاب إلى كلمة التوحيد ومعناها عند أهل السنة

يشرح المقطع معنى كلمة التوحيد ودعوة أهل الكتاب إليها، ويبين أن أهل السنة والجماعة يعتقدون بأن الموحد هو الذي يعتقد بأن الله هو الذي يستحق العبادة. كما يبرز أهمية الرجوع إلى نصوص الشرع لفهم معنى "لا إله إلا الله".

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس مضى، إخواني في الله، كان الكلام حول دليل الشهادة، وأن معناها لا معبود بحق إلا الله وحده، وعلمنا كيف توصل أهل السنة والجماعة إلى هذا التعريف من خلال المعطيات التي مرت معنا. ثم قال رحمه الله تعالى: «لا إله» نافيا جميع ما يعبد من دون الله، و«إلا الله» مثبتا العبادة لله وحده، وهذا تنبيه من المؤلف رحمه الله تعالى أن كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» اجتمعت على ركنين، على نفي وإثبات، على نفي وإثبات، فلا تقوم هذه الكلمة إلا بإثبات هذين الركنين. قال «لا إله» النفي، وهو نفي جميع ما يعبد من دون الله، و«إلا الله» إثبات العبادة لله جل وعلا، فلا تكتمل ولا تقوم هذه العبادة أو هذه الكلمة إلا بهذين الركنين. ومن هنا يستفاد أن النفي المحض ليس توحيدا، النفي المحض ليس توحيدا، فلو قال قائل: «لا إله»، هل هذا توحيد؟ هذا ليس بتوحيد، نفيت العبادات عن كل أحد، ما أبقيت أحدا، فهذا نفي محض، ليس بتوحيد. وهكذا الإثبات المحض كذلك ليس بتوحيد، وإنما يكون التوحيد بنفي العبادات عن الآلهة والأنداد، وأن تثبتها لله سبحانه وتعالى. وهذا كذلك يوصلنا إلى ذكر من أذكار المبتدعة التي يقوم بها بعض الفرق من فرق أهل الأهواء، أنهم يذكرون الله جل وعلا بالاسم المجرد «الله الله الله الله» تكرارا لهذه الكلمة، هذا إثبات، ما هذا؟ هل هذه كلمة التوحيد؟ هذا ليس لها معنى، هذا ليس لها معنى، قولك «الله الله» هذا ليس بذكر، وهذا لا تجد شيئا من الأذكار الشرعية في القرآن والسنة أن يؤتى بهذا اللفظ المجرد، إنما جاء في القرآن إثبات ونفي «لا إله إلا الله»، «لا إله إلا الله»، فالنفي المحض ليس بتوحيد، والإثبات المحض ليس بتوحيد، وإنما التوحيد يكون على ركنين أساسيين، على نفي وإثبات. قال رحمه الله تعالى «إلا الله» مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه ليس له شريك في ملكه، كما أن الله جل وعلا ليس له شريك في ملكه، شراكة شيوع وغير شيوع، فلا أحد يشارك الله في خلقه ولا في أمره جل في علاه، إذن هو المستحق لأن يعبد، فهذه من القواعد من أهل السنة والجماعة أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية. ويقول علماء كذلك: ويعطينا هذه فائدة وقاعدة على أن الذي يملك هو الذي يستحق أن يعبد، هذه قاعدة، الذي يملك هو الذي يستحق أن يعبد، فربنا جل وعلا هو مالك الأملاك جل في علاه، لا شريك له في ملكه، ولهذا كانت العبادة له سبحانه وتعالى، لأنه الذي يملك، فهو الذي يستحق أن يعبد. ومن تأمل في القرآن تجد أن القرآن كثيرا ما يعيب على الآلهة أنها لا تملك شيئا، ﴿ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾، تجد دائما كثيرا في القرآن أن الله جل وعلا إذا أراد أن يعيب الآلهة، الأصنام والأوثان والأنداد، عابها بهذا العيب أنها لا تملك. ومن هنا كذلك تجد أن دعوة الأنبياء ودعوة الرسل إذا أرادوا أن يعيبوا الآلهة عابوها بهذه المسألة أيضا، أن هذه الأصنام لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، ﴿يا أبتي لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾، فقال علماء: وهذه قاعدة عظيمة عليك يا عبد الله أن تتفهمها، أن الذي يملك هو الذي يعبد، هو الذي يستحق أن يعبد، ولا أحد يملك الملك الحقيقي إلا الله جل وعلا، ﴿لله ملك السماوات والأرض﴾ سبحانه وتعالى، فلا أحد يستحق العبادة سوى الله جل في علاه. قال رحمه الله تعالى: وتفسيرها الذي يوضحها، أي بعدما بين المؤلف رحمه الله تعالى أن معنى كلمة «لا إله إلا الله» أي لا معبود بحق إلا الله، وأنه تقوم على ركنين أساسيين، على إثبات ونفي، بين أن هذه المسائل قد جاء ذكرها وجاء إضاحها في القرآن، جاء إضاحها في القرآن، وهذا يدلك على فائدتين: الفائدة الأولى بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي تكفل جل في علاه في بيان ماهية وحقيقة هذه الكلمة العظيمة، هو بنفسه جلاها، ما تركها للناس، ما تركها للعباد، وإنما ربنا جل في علاه هو الذي تكفل ببيان ماهية هذه الكلمة، ما معنى «لا إله إلا الله»؟ تجد إضاح ذلك في القرآن، ربنا هو الذي أوضح ذلك. والفائدة الثانية في أهمية تفسير القرآن بالقرآن، القرآن يفسر بعضه بعضا. طيب ننظر إخواني في الله، ما هي الآيات التي سدل بها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ما ذكرهم من المعطيات بأن «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله، وأن تقوم على نفي وإثبات؟ كيف أن هذه الأشياء موجودة في القرآن؟ قال رحمه الله تعالى: وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾. تأمل يا عبد الله في هذه الآيات، يقول ربنا جل وعلا حاكيا عن حال إبراهيم مع أبيه ومع قومه: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون﴾، البراءة مما تعبدون، ماذا كانوا يعبدون؟ الأصنام والأوثان، ﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾، طيب سنرجع لهذه الآيات. قال ربنا: ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾، أي أن إبراهيم عليه السلام عندما أظهر هذه العقيدة أنه تبرأ من عبادتهم وأنه توجه إلى الذي فطره سبحانه وتعالى، هذه العقيدة جعلها في كلمة، وهذه الكلمة بإجماع المفسرين بأنها «لا إله إلا الله»، هذه الكلمة هي العقيدة التي جاء بها إبراهيم عليه السلام، والتي جسدها ربنا جل وعلا في هذه الآيات، وجعلها أي هذه العقيدة في كلمة، وجعل هذه الكلمة -والكلمة تطلق على الجملة المفيدة «لا إله إلا الله»- وجعلها إبراهيم عليه السلام تبقى لمن بعده، ممن يأتي من العرب وممن يأتي كذلك من أهل مكة خاصة. قال: ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾، طيب ننظر الآن، نريد أن ننزل كلمة «لا إله إلا الله» على هذه العقيدة. قال إبراهيم عليه السلام: ﴿إنني براء مما تعبدون﴾، البراءة وكلمة «براء مما تعبدون» أي أني أنا أتبرأ من هذه المعبودات، وهذا يتنزل تماما على كلمة «لا إله»، ركني الأول، لأنه قد مر معنى «لا إله» أي لا مألوه فعال على وزن مفعول، وأن مألوه يأتي بمعنى معبود، ﴿إنني براء مما تعبدون﴾ يتنزل تماما على الشطر الأول من كلمة التوحيد، وهو لا معبود. ثم قال: ﴿إلا الذي فطرني﴾، من معنى «فطرني»؟ أي خلقني، ومن الذي فطر وخلق إبراهيم عليه السلام؟ والله جل وعلا، إذن ﴿إلا الذي فطرني﴾ أي إلا الله، فقول «براء مما تعبدون» تنزل على كلمة لا معبود، ﴿إلا الذي فطرني﴾ إلا الله، إذن ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ أي يرجعون إليها إن أرادوا الصواب وأرادوا التوحيد. وهذا إخواني يعطينا فائدة عظيمة، ومن أعظم الهجج في إسكات أهل البدع الذين أرادوا أن يحولوا «لا إله إلا الله» بمعنى «لا خالق إلا الله»، «لا رازق إلا الله»، «لا مدبر إلا الله»، «لا قادر على الاختراع إلا الله» -عن الأشاعرة-، «لا قادر على الاختراع إلا الله»، كل ذلك باطل، باطل، باطل، لماذا؟ بدلالة اللغة، وقد مر ذلك معنا، وأيضا بدلالة القرآن، فربنا جل وعلا بين أن هذه الكلمة ﴿إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني﴾ هذه الكلمة جعلها إبراهيم في كلمة واحدة، وجعل أتباعه، وهي كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» بإجماع المفسرين. وهذا يا إخوان يفيدنا أعظم فائدة في معرفة أن إله بمعنى المعبود، ﴿إنني براء مما تعبدون﴾، فقضية إبراهيم عليه السلام مع قومه ليس في نفي الخلق عن الله أو الرزق عن الله، وإنما في نفي العبادة عما سوى الله جل وعلا، ولا تكون إلا للذي فطرنا، وهو الله جل في علاه. وكذلك يقول العلماء في قوله تعالى: ﴿إنني براء مما تعبدون﴾، فيها معنى البغض والكره لهذه المعبودات، وفي قوله تعالى: ﴿إلا الذي فطرني﴾، ففيها المحبة. وأيضا فيها قاعدة أخرى عظيمة من قواعد أهل السنة والجماعة، فيها تأصيل لقاعدة ما يسمى التخلية ثم التحلية، أو بمعنى آخر التصفية ثم التربية، في مقام التوحيد، أول ما تبدأ بالنفي، وهما يسمى بالتخلية، ما يسمى بالتصفية، «لا إله» تصفي قلبك يا عبد الله عن جميع التعلقات، لا تجعل تتبرأ من جميع التعلقات، تصفيها، تخليها، وبعد ذلك تأتي التربية، وهو أنك تأتي بالاعتقاد الصحيح، ﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾، معنى «يهدين» أن يرشدني. ثم قال سبحانه وتعالى: وقوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾، أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، تعالوا أي هلموا إلى كلمة سواء، والكلمة هنا كما قيل في الآية السابقة، كلمة التوحيد، أي هذه دعوة إلى اليهود ودعوة إلى النصارى أن نجتمع على هذه الكلمة، ما هذه الكلمة؟ «لا إله إلا الله»، قالوا: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾، سواء أي نتساوى نحن وإياكم فيها، نتساوى نحن وإياكم فيها، الكل من دخل لا يتساوى فيها، لا أحد يفضل على الآخر في هذه الكلمة، سواء بيننا وبينكم، أي الكل مطالب بها، ما هذه الكلمة؟ ما معناها؟ قال: ﴿ألا نعبد إلا الله﴾، وهي كلمة «لا إله إلا الله». القرآن إخواني في الله وضح وأجلى هذه الكلمة، فلا داعي بعد ذلك أن يأتي من يأتي. والعجب أن مر ذلك، معنى أن جميع أهل البدع، جميع أهل البدع، كلهم لم يقروا بالألوهية، أي في كلمة التوحيد، وإنما جعلوا كلمة «إله» تذهب إلى مفردات الربوبية، إلى الخلق، إلى الرزق، إلى القدرة للاختراع، إلى غير ذلك، الغني عما سواه، المفتقر إليه كل من عداه، كما يقول السوسي في عقيدته من الأشاعرة، وغير هؤلاء خبطوا وخلطوا، من المعتزلة ومن الأشاعرة ومن المرجئة ومن الخوارج ومن الرافضة، كلهم أجمعوا أهل البدع على أن كلمة «لا إله إلا الله» ومن الله أن «إله» ترجع إلى الربوبية. فمن اعتقد أن الله خالق هو الموحد، من اعتقد أن الله الرازق هو الموحد، من اعتقد أن الله هو القادر على الاختراع هو الموحد، ولم يكن منهم أحد ذهب إلى صريح القرآن والسنة بأن الموحد هو الذي يعتقد بأن الله هو الذي يستحق العبادة، سوى أهل السنة والجماعة. وهذه الآيات واضحة جلية، لكن انظر كيف أعمى الله جل وعلا بصائر هؤلاء. قال: ﴿سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله﴾، وهذا معنى «لا إله إلا الله»، مع وجود الركنين النفي والإثبات، ﴿ألا نعبد﴾ نفي، ﴿إلا الله﴾ إثبات، وكما قلنا ولا تقوم كلمة التوحيد إلا على نفي وإثبات، قال: ﴿ولا نشرك به شيء ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾، فإن تولوا فقولوا: ﴿اشهدوا بأننا مسلمون﴾، أي إن تولوا وإن استكبروا وإن أعرضوا عن هذه الدعوة، فحين نعلنها صراحة بأننا أهل إسلام وأنكم أهل كفر. فمن لم يذعن بكلمة التوحيد فهو كافر مشرك، وهذه فيه فوائد، أعظم فائدة أن من أراد الاجتماع مع اليهود والنصارى، نجتمع وإياهم، لكن على ماذا؟ على كلمة التوحيد، فما نسمعه من تلك المؤتمرات وما يسمى بالجلسات العالمية والدولية هنا وهناك تحت راية تقريب الأديان أو ما يسمى بشعار أخبث بتوحيد الأديان، كل ذلك باطل، إذ أننا نجد أن هذه المؤتمرات تقوم على أننا نجتمع وإياهم على قضايا، وهذه القضايا ليس فيها قضية للتوحيد، إما نجتمع وإياهم على محاربة المخدرات، على محاربة الرذيلة، وهذا لا ينفع. وكذلك فيه بيان على أن من لم يذعن بالتوحيد فإنه كافر، فما نسمعه من بعض الناس ممن فيه لوثة العلمنة أو من اغتر بدعوتهم أنهم يقولون: لا ينبغي أن نقول في حق الكفار بأنه كافر، نحترم رأيه، هو على دين سماوي، يعبد الله عز وجل، على دين النصرانية، وذاك على اليهودية العبرية، ذاك عنده التوراة وعنده موسى، وآخر عنده عيسى وإنجيل، فما داعي أن نسمهم كفارا؟ لا، يعبدون الله، هم كفار، ﴿فإن تولوا فاشهدوا بأننا مسلمون﴾، فقط نحن أهل إسلام، ومن خالفنا فهو كافر مشرك. فهذا إخوانا في الله مسألة سريعة متعلقة بهذه الآيات التي أظهرها المؤلف رحمه الله تعالى، ويتدل على عظيم ثقته رحمه الله تعالى في كيف نصل إلى أن معنى «لا إله إلا الله» أن العبودية هي لله جل وعلا، وذلك إرجاعا إلى نصوص الشرع من القرآن والسنة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.