الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر المؤلف قاعدة فقهية تنص على أن ما قُطع من حيوان حي يأخذ حكم ميتته في الطهارة والحلية، مستدلاً بحديث «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت». ويستثني العلماء من هذه القاعدة المسك وفارته والطريدة التي لا يمكن التذكية عليها.
يشرح المقطع صيغ العموم في اللغة والاصطلاح، مبيناً أن العام هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، والأصل العمل به حتى يرد مخصص. يستعرض أمثلة على الإضافة للمفرد والجمع الدالة على العموم، وأسماء الشرط والموصول والاستفهام كأدوات للعموم.
يفرق المقطع بين النكرة في سياق الإثبات حيث تفيد الإطلاق (العموم البدلي) كما في «فتحرير رقبة»، والنكرة في سياقات النفي والنهي والاستفهام والشرط حيث تفيد العموم الشمولي مستدلاً بآيات قرآنية. كما يبين استثناء النكرة في سياق الإثبات إذا وردت في معرض الامتنان فتتحول دلالتها إلى العموم الشمولي.
يُعلن المتحدث انتهاء ما يتعلق بالقاعدة الحالية، ويشير إلى أن الدرس سيُكمل في جلسة قادمة إن شاء الله. بذلك تُختتم هذه الفقرة مع توقع مواصلة الشرح في المرة القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وكل ما أبيح من حي فجعل ميتته في حكمه طهراً وحلاً». وكل ما أبيح من حي فجعل ميتته في حكمه طهراً وحلاً. على هذه القاعدة، أي: ما قطع من إنسان أو حيوان أو طير فحكمه طهارة وحلاً كemetته. إذا كانت ميتته حلالاً فهو حلال، وإن كانت ميتته حراماً نجسة فهو نجس. ودليل هذه القاعدة حديث بقداد أبي واقد الليثي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت». ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت. وهذا الحديث مختلف فيه، قد صوب جماعة من أهل العلم أنه مرسل كما ذكر أبو حاتم والجرح والدارقطني وغيرهم، وبعضهم جعل له شواهد أو جعل معناه صحيحاً. لكن من ناحية الحديث قد أجمعوا على معناه في ناحية المسألة. قالوا: على هذا نقول ما أبيح من حي فهو كemetته في الحل والطهارة، ويدخل تحت ذلك أمثلة كثيرة. معناه الآن هذه القاعدة: ما أبيح من حي فهو... ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت. وجاء في لفظ: «ما أبيح من حي فهو ميت». معناه: يأخذ حكم الميتة، معناه: ميتته إن كانت نجسة فهو نجس، وإن كانت طاهرة فهو طاهر. أيضاً من ناحية الحرمة والحل: ميتة السمك حلال، فأيضاً ما أخذ من السمك وهو حي فهو حلال. أيضاً ميتة الإنسان طاهرة، طاهرة. فإذا أخذ مثلاً شيء من الإنسان، قطعت يده مثلاً، قطعت يد سارق أو إنسان قطعها، هذه تكون طاهرة أيضاً. فما أبيح من حي، ما قطع من حي فهو كemetته. فما أبيح من حي فعلى حسب ميتته. لكن يستثنى، أو يستثني العلماء من هذه القاعدة مسألتين: المسألة الأولى: المسك وفارته. المسك وفارته، فارته: بمعنى الوعاء الذي يوضع فيه المسك. المسك هذا دم أصلاً، المسك هذا دم ينزل من أين؟ من الغزال. تعرفون الغزال، هذا الدم ينزل منها، تجري تجري تجري حتى يسقط، حتى تسمى هذه الغزال غزال المسك. فيحبسون عنها الطعام فترة من الزمن فيطلع فيه هذا الشيء ثم تجري فيسقط فيأخذونه. فما أبيح من الغزال وهو ميت إلا هذا المسك وفارته، فإنه طاهر، هذا بإجماع العلماء. المسألة الثانية: أيضاً الطريدة. الطريدة: بمعنى التي غفارة، بمعنى أنها هربت. مثلاً إبل، إبل هرب، كيف يفعل به؟ يقطع في أي مكان كان أو يضربه. فما قطع من هذه الطريدة يكون حلالاً، وإذا قتله بشيء فإنه يكون طاهراً حلالاً. فيستثنى من هذه المسألة هذه. قال: «وكان تأتي للدوام غالباً وليس ذا بلازم مصاحباً». أن هنا الآن يريد الشيخ أنه كان في الأحاديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا، كان كذا، فهذه تأتي للدوام غالباً ولكن ليس لازماً. ومعنى ذلك أنه كان في الأدلة الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تنقسم إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: أن تأتي للدوام دائماً، وهذا قليل. مثل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. فهذا «كان» هنا للدوام. القسم الثاني: أن تأتي للغالب ليس للدائم، وهذا هو الكثير. ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غير رمضان على إحدى عشرة ركعة. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ كذا وكذا في صلاة كذا. هذا المراد به غالباً. كان يقرأ قصار السور في صلاة المغرب، كان يقرأ طوال المفصل في صلاة الفجر. هذا المراد به الغالب. والقسم الثالث: أن تأتي لغير الغالب، وهذا أيضاً قليل. وهذا تجد دائماً في بعض الأحاديث، مثلاً: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة بسبح والغاشية. يعني هذا ليس غالباً لأنه أحياناً يقرأ الجمعة والمنافقين، وأحياناً يقرأ أيضاً المنافقون وسبح أو كذا. فهذا التفصيل في «كان». قال: «وأن يضاف جمع ومفرد يعم، والشرط الموصول ذا له إن حتم». وإن يضف جمع ومفرد يعم، يعم، يعم، يعم. الإضافة إلى الجمع والإضافة إلى المفرد يعم. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. هذا مفرد: نعمة الله، والمراد به نعم الله. قال: «والشرط والموصول ذا له إن حتم». إن حتم: معناه أن ما يقول «إن حتم الأمر» أي وجب وجوباً لا يمكن إسقاطه. وهذا شروع المؤلف في آخر كلامه في صيغ العموم. وهذا المبحث من بحوث الأصول: صيغ العموم. والعام في لغة العرب هو الشامل. عام: أي شامل. وفي الاصطلاح: عرف بتعريفات، من أفضلها: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر. العام هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر. والأصل هو العمل بالعام حتى يرد مخصص. الأصل هو العمل بالعام حتى يرد المخصص. طيب، فاللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر هذا العام، والأصل كما قلنا العمل بالعام حتى يرد المخصص. فقوله هنا: «وإن يضف جمع ومفرد يعم». أي: من صيغ العموم المفرد المضاف. المفرد المضاف كما قلنا: «وإن تعدوا نعمة الله». وكذلك الجمع المضاف: «يوصيكم الله في أولادكم». يوصيكم الله في أولادكم. هذا معنى جمع مضاف. معنى أولاد هنا جمع، والضمير مضاف إليه، فيشمل كل الأولاد: الذكر والأنثى والصغير والكبير. يوصيكم الله في أولادكم، وأضيف الأولاد إلى الكاف الضمير. «فبأي آلاء ربكما تكذبان». آلاء جمع، ورب مضاف إليه، فيشمل كل آلاء الله. وهو المفرد كما قلنا: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها». فهذا من صيغ العمومة التي يحتاج إليها الإنسان في معرفة الأدلة. لو قال مثلاً إنسان عنده عدة زوجات: لو قال «زوجتي طالق»، فمعنى ذلك: زوجتي طالق، أي كل الزوجات طلقنا عليه، لأن هذا مفرد مضاف. قال: «والشرط والموصول أيضاً من صيغ العموم، الأسماء المبهمة». معنى أسماء المبهمة: يدخل في ذلك أسماء الشرط وأسماء الموصولة وأسماء الاستفهام. الأسماء المبهمة يدخل فيها أسماء الشرط: أسماء الشرط: «من» و«إذا» وغيرهما من هذه. وأسماء الموصولة: «الذي» و«الذان». وأسماء الاستفهام: «كيف» و«أين» وغيرها. فهذه كلها تدل على العموم. مثال اسم الشرط: «من عمل صالحاً فلنفسه». «من» اسم شرط يشمل كل من عمل صالحاً. أيضاً في الاستفهام: «فأينما تولوا فثم وجه الله». أي جهة يتوجه إليها. وأيضاً الأسماء الموصولة: مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في آنية فضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». «الذي يشرب»: أي إنسان كان، سواء كان ذكراً أو أنثى، كبيراً أو صغيراً، يشرب، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. فهو عام إلا ما يقتضي مثلاً، أو ما إذا جاء ما يقتضي تخصيصه. وهذا كثير في القرآن: أسماء الشرط وأسماء الموصولة وأسماء الاستفهام كثيرة وتفيد العموم. قال: «نكرة بعد إثبات ترد، فمطلق. وللعموم أن يرد من بعد نفي، نهي، استفهامي، شرط. وفي الإثبات للامتنان». أنا هنا الآن أيضاً تكلم على النكرات. النكرات أيضاً من صيغ العموم. النكرة بعد الإثبات: النكرات تدل على العموم، لكن بعضها عموم شمولي وبعضها بدلي. فالنكرة بعد الإثبات تدل على الإطلاق، إلا إذا كانت للامتنان. إذا كانت في مجال الامتنان فتفيد العموم. فالأصل أن النكرة بعد الإثبات تفيد ماذا؟ تفيد الإطلاق. «فتحرير رقبة». «فتحرير رقبة» هذه نكرة في سبيل رقبة، أي رقبة في سبيل الله بعد الإثبات، فهذه تفيد الإطلاق. واللفظ المطلق هو اللفظ المتداول لواحد لا بعينه، لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه. لفظ عام لكنه متناول واحد لا بعينه. «فتحرير رقبة»: أي رقبة كانت، فهو عموم لكن عموم بدلي. والقسم الثاني من النكرات التي تفيد العموم الشمولي: وهي النكرة بعد النفي، وبعد النهي، وبعد أيضاً كذلك الاستفهام، وبعد الشرط. فالنكرة... فالنكرة بعد الإثبات فأعتبر غالب المطلق. والنكرة بعد النفي، وبعد النهي، وبعد أيضاً كذلك الاستفهام والشرط تفيد العموم. مثل قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾. قوله هنا: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ﴾، ﴿لَا تَمْلِكُ﴾ هذا نفي، ﴿نَفْسٌ﴾ هذه نكرة تشمل كل نفس، فتدل على العموم لأنها في سياق النفي. ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾، و﴿شَيْئًا﴾ أيضاً نكرة ثالثة في سياق النفي تدل على العموم. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. فهذا أيضاً نفي: كل رفث، وكل فسوق، وكل جدال. ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. وقول هنا: من بعد نفي. النهي على النكرة أيضاً في سياق النهي تدل على العموم. إذا كانت نكرة في سياق النهي تدل على العموم. ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّكَ وَمَا لَا يَنْفَعُكَ﴾، ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾. هذه نهي يفيد العموم: ﴿لَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ﴾ أي أحد. أيضاً كذلك قوله: استفهام. أي النكرة في سياق الاستفهام تدل على العموم. مثل قوله جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. هذه نكرة في سياق الاستفهام: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. في سياق الاستفهام مثلاً تقول: «أشاهد؟» «أشاهد في المحكمة؟» أو تقول: «أنا شاهد في المحكمة؟» أي: هل هناك شاهد في المحكمة؟ فهنا أيضاً عام: أي شاهد. أحد في المسجد، أي أحد. وأيضاً كذلك النكرة في الشرط تدل على العموم. النكرة بعد الشرط أو في سياق الشرط: مثل ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾. قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. هذا «من» هنا شرطية، وهنا قول: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾، السوء هنا نكرة في سياق الشرط. «إن» من شرطية، وعما نكرة. في الإثبات قلنا: إنها تفيد الإطلاق، تفيد الإطلاق. مثل قول الله عز وجل: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾. الأصل: إن، إن، إن، إن. الإثبات أو سياق... السياق: النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق. لكن قال المؤلف: إذا كان عند الامتنان تفيد العموم. أقصد أن هنا قال: «وشرط، وفي الإثبات للامتنان». هذا الأصل: أن النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، لكن في الامتنان تفيد العموم. في الامتنان تفيد العموم. فقوله هنا مثلاً: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾. فاكهة والنخل والرمان هنا نكرة في سياق الإثبات. أقصد: فاكهة، فاكهة لم يعين هذه الفاكهة، فهي نكرة في سياق... في سياق الإثبات. فالأصل أنها تكون باب الإطلاق، لكن هنا صارت باب العموم لأنها امتن بها الله عز وجل. معنى شامل لكل فاكهة، ولكل نخل، ولكل رمان. ومن ذلك أيضاً قوله جل وعلا: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. وينزل عليكم من السماء ماء. هذا يشمل كل ماء لأنه وردت في معرض الامتنان. فالآن عرفنا أن النكرة في سياق النفي، وفي سياق النهي، وفي سياق الاستفهام، وفي سياق الشرط: كلها تفيد العموم. والنكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، إلا عند الامتنان، إلا عند الامتنان فهي تفيد العموم. قاعدة... خاتمة ما يذكر في هذه القاعدة. إن شاء الله نكمل في درس لاحق.